تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الصحف المجانية: دراسة في الشكل والمضمون"

عبد الستار محمد رمضان، الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك، كوبنهاغن، فبراير 2009، 156 ص.

1- بمقدمة البحث، يقول الكاتب: "تميز العقدين الأخيرين من القرن الميلادي الماضي بالتقدم العلمي والتكنولوجي الكبير، وكان للاتصال ومجالات الإعلام، تأثر كبير بهذه الثورة التكنولوجية، وشهدت الصحافة بشكل خاص تطورا كبيرا في عدد الصحف وأنواعها، والمواضيع التي تتناولها. كما أصبحت الصحافة في عالم اليوم، قوة كبيرة وصناعة ضخمة، وبات إصدار الصحف يتطلب توفر الإمكانيات المالية الكبيرة والمعدات الحديثة ".

لقد أدى هذا التطور، يتابع الكاتب، إلى ظهور أشكال عديدة ونماذج جديدة من الصحافة، مثل الصحافة الالكترونية، وصحافة الإذاعة والتلفزيون، والصحف المجانية المنتشرة في العديد من دول العالم، وخصوصا في أوربا، "التي شهدت ولادة عشرات الصحف المجانية، التي يتم توزيعها يوميا على الناس ودون مقابل. وقد تحول الإعلان إلى علم وعالم قائم بذاته، يؤثر ويتأثر في التقدم والتطور الحاصل في فنون الإعلام والاتصال، إلى الحد الذي يمكننا القول إن القرن العشرين هو عصر الإعلان، لأنه أضحى وسيلة مثلى للترويج عن السلع والخدمات، وللسيطرة على قرارات المستهلكين".

ومن المهم القول، يؤكد الكاتب، إن ولادة بعض الصحف المجانية وانتشارها الكبير، قد "أخذت دور البديل أو المنافس للصحف التقليدية المدفوعة القيمة، المتعرضة إلى منافسة وتحديات كبيرة وخطيرة، من جانب العديد من أشكال المنافسة الأخرى، مثل الصحافة الالكترونية والقنوات الفضائية، وغيرها من التطورات المساعدة في بروز وانتشار الصحافة المجانية بصورتين، منها ما هو مرتبط بالمؤسسة الإعلامية التقليدية، أي مرتبطة بصحيفة معينة معروفة، تقوم بإصدار صحيفة أو عدة صحف تقليدية مدفوعة القيمة، وتشكل الصحيفة المجانية إحدى هذه الإصدارات، ومنها ما هو قائم بذاته، باعتباره مشروعا ووليدا إعلاميا له كل صفات وفنون ومميزات الصحيفة الناجحة".

إن إصدار صحيفة تضم مختلف فنون العمل الصحفي، من الأخبار والتحقيقات والمقالات والمواضيع الصحفية التي تجذب القارئ، إلى جانب الإعلانات التي تنشر في نسب مختلفة على صفحاتها وتوزيعها مجانا، إنما "يشكل ظاهرة بارزة ومنتشرة في العديد من دول العالم، وهي تشهد توسعا كبيرا في مختلف دول العالم، مما يجعلها أحد أهم مظاهر الاتجاهات الحديثة في الصحافة".

والمقصود هنا بالصحف المجانية إنما تلك "الصحف التي تعتمد على فكرة زيادة حجم الإعلانات المنشورة في الصحيفة، وتوفير عائدات مالية أكبر من خلالها، مقابل توزيع الصحيفة مجانا في محطات المترو والقطارات ومراكز التسوق، أي أن تمويل الصحيفة وربحها يعتمد كليا على الإعلانات، وبالتالي الاستغناء عن بيع الصحيفة ".

الحديث هنا، يلاحظ الكاتب، يطاول الصحف الورقية المجانية فقط، على اعتبار أن مصطلح الصحافة المجانية أصبح شاملا للصحافة الالكترونية، وما تضمه من صحافة الانترنت، والصحف التقليدية التي تنشر موادها على شبكة الانترنت، وغيرها من أنواع النشر الالكتروني.

2- إن هذه الصحافة، يقول الكاتب، إنما هي تلك التي تقدم نفسها للقارئ في مختلف مدن العالم، خاصة المزدحمة منها، "في شكل صحيفة ورقية ملونة جذابة، تعتمد المهنية والحرفية، وتصدر بشكل دوري مستمر، وتقوم بوظائف وأدوار مختلفة ومتعددة، أهمها الإعلان والدعاية والترفيه والإعلام بالمجان، أي من دون أن يدفع القارئ مقابلا ماديا مباشرا لها".

إنها ظاهرة جديدة، تنتشر في العديد من المجتمعات الأوروبية والغربية، وقد جاءت في جانب منها ردا على تراجع الاهتمام الشعبي والإعلاني بالصحافة الورقية، التي تأثرت بظهور التلفزيون والانترنت، إلى الحد الذي أثر وسبب في أزمة تعاني منها الصحافة الورقية، بحكم أن الوقت الذي يقضيه الناس، خاصة في المجتمعات الغربية، على الطرقات وفي وسائل المواصلات وبعيدا عن وسائل الإعلام الالكترونية، "أبقى مساحة للصحافة الورقية، التي عاد الاهتمام إليها، وبدأت الاستفادة من ظاهرة الصحافة المجانية، كونها لم تؤد إلى تراجع الصحف المباعة فقط، وإنما إلى زيادة أعداد وشرائح كبيرة من القراء. كما أن اعتماد الصحافة المجانية على الإعلانات، وليس على المبيع من الصحف، فإن الإيجابي فيها هو أنها تزيد فعلا من شريحة القراء، بين من لم يكونوا يهتمون أصلا بقراءة الصحف".

"فبينما كانت أعداد الصحف المجانية عام 2000، أربعون صحيفة، وصلت في عام 2005، إلى أكثر من مائة صحيفة.  كما أن أرقام توزيع هذه الصحف قد ارتفعت من ثمانية ملايين، إلى ثلاثة وعشرين مليون نسخة، خلال نفس الفترة (2000-2005). وتشير الإحصاءات في كثير من أسواق العالم الكبرى، إلى توفر صحف مجانية فيها. وفي دول أوروبية، مثل أسبانيا والبرتغال والدانمارك وسويسرا واليونان وايطاليا والمجر والتشيك وأيسلندا، ودول آسيوية، مثل سنغافورة، تمثل الصحف المجانية 20 % فأكثر من مجمل الصحف الصادرة في تلك البلدان".

إن دراسة وعرض تجربة صحيفة مترو (على إسم مترو الأنفاق)، المجانية يمثل تاريخ الصحافة المجانية في العالم، برأي الكاتب. فهذه الصحيفة اليومية المجانية "تعتبر أول صحيفة مجانية صدرت في العالم"، وقد صدرت في العاصمة السويدية، استكهولم، سنة 1995، وهي أفضل نموذج نجاح يجسد أهمية الاتجاه نحو الصحافة المجانية في العالم.  وقد وصلت أرقام توزيع هذه الصحيفة، إلى حوالي ستة ملايين نسخة، ليضعها في المرتبة الثالثة بين صحف العالم، فيما يخص أرقام التوزيع. وتأتي مترو ثالثا، بعد صحيفتين يابانيتين، هما صحيفة يوميوري وصحيفة أساهي، اللتين توزع كل منهما أكثر من عشرة ملايين نسخة يوميا". فهي صحيفة يومية توزع ستة ملايين نسخة، ولكن يقرأها 17 مليون قارئ، ولديها 57 طبعة، توزع في 81 مدينة في 18 دولة.

إن مضمون صحيفة مترو، مضمون بسيط للغاية، يميل إلى الخفة والرشاقة في إيصال الخبر، مع بعض المقالات والكلمات المتقاطعة، واستعراضها لبرامج التلفزيون والراديو، إضافة إلى الإعلانات المصورة، محققة بذلك أرباحا مهمة بنهاية عامها الثاني، مما دفع القائمين عليها لبحث فكرة نقل التجربة إلى عواصم أوربية أخرى، فدخلت المترو إلى بريطانيا، حيث بلغ عدد قرائها بنهاية شهر شتنبر 2005، أكثر من 7 مليون قارئ، حاملة نفس المحتوى، لكن مع تغيير نسبي في أقسام المنوعات وقوائم العروض اليومية والأفلام في الطبعات الأخرى غير طبعة لندن.

إن صحيفة مترو صممت، برأي الكاتب، لتقرأ خلال 20 دقيقة، وهو وقت مثالي لراكبي المترو. وهي تحتوي على مواد تحريرية، تشمل الأخبار السياسية المحلية والعالمية، باستقلالية تامة، دونما توجه سياسي يذكر، ومع تنويع مدروس بجهة الفن والسياحة والثقافة وما سواها، مع الاعتماد المركز على الصور والرسوم، "التي ينظر إليها على أنها لغة بصرية غير لفظية، تشرح الموضوع وتوضح الحدث أو الواقعة أو المشهد، الذي يراد تقديمه للقارئ، بشكل سريع، والمعلومات التي تقدمه بشكل تعبيري مصور وجذاب وجميل وملون ومفضل ومطلوب من عامة القراء، الذين أصبح القالب التحريري للصحافة المجانية مناسبا ومفضلا لديهم".

إن الصحف المجانية تعتمد عدة أنماط من التوزيع: نمط التوزيع اليدوي في المترو والمطارات، ونمط توزيع يستهدف المنازل ذات الدخول المرتفعة، ونمط توزيع يستهدف رجال الأعمال والسياسيين وكبار موظفي الشركات والمؤسسات العامة والخاصة، وهكذا.

من جهة أخرى، تسعى الصحف المجانية إلى المنافسة مع الصحف العادية. فهي تقدم العديد من الخدمات والإغراءات للقارئ والمتصفح، من أجل زيادة مساحة انتشارها وتوزيعها، وللحصول على أكبر قدر ممكن من الإيرادات الإعلانية، مقابل تقديم مضمون إعلامي متميز وجذاب وبسيط ومغري للقارئ، والإطلاع من جماهير واسعة من الناس. إنها مصممة ببساطة، لأن تستهلك مثل الوجبات السريعة، بمعنى أنك "ترميها بمجرد إن تنتهي من قراءتها، خلال نصف ساعة على الأكثر".

3- من ناحية أخرى، يلاحظ الكاتب أن تأخر ظهور الصحف المجانية في الوطن العربي، إنما مرده التأخر في ظهور الصحافة العادية التقليدية، حيث "عرف الوطن العربي الصحافة لأول مرة في نهاية القرن الثامن عشر، وكانت مصر هي الدولة العربية الأولى في هذا المجال، حيث صدرت فيها أول جريدة تصدر في العالم العربي، وهي الصحيفة التي أصدرها نابليون بونابرت" عندما غزا مصر.

ليس هذا فحسب، يؤكد الكاتب، بل إن تاريخ الصحافة في العالم العربي، هو بالأساس تاريخ ارتباطها بالسلطة، ودورانها في فلكها وتسخيرها، لتمجيد الرؤساء والملوك والمشايخ وما سواهم. كما ن انتشار الأمية، وعزوف الناس عموما عن القراءة، وعدم شيوع ثقافة القراءة والتعليم الذاتي بين الناس، كما أن شراء واقتناء الصحيفة بالنسبة للسواد الأعظم من الشعب العربي مسألة ثانوية، وأن الجريدة لم تصبح بعد ضرورية مثل الماء والكهرباء للإنسان والمواطن. لذلك فإننا نجد أن مجموع ما تبيعه، لا ما تطبعه، الصحف العربية في جميع أنحاء الوطن العربي، لا يتجاوز بحال من الأحوال ثلاثة ملايين نسخة، أي أن نسبة قارئ الجريدة، لا تزيد كثيرا عن ثلاثة بالمائة من المجموع العام للشعب العربي"، المقدر بالملايين.

نافذة "قرأت لكم"، 2 يوليوز 2009

يمكنكم مشاركة هذا المقال