تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"التخطيط الاستراتيجي القومي"

محمد حسين أبو صالح، مجموعة النيل العربية، القاهرة، 2009، 570 ص.

لم يرتبط التخطيط الاستراتيجي يوما بالتنمية أو بخططها، بقدر ما كان مرتبطا، برأي الكاتب، بالأبعاد العسكرية واللوجيستية، وفي أحسن الأحوال بمنظمات الأعمال والتنظيم الداخلي للمؤسسات. والسبب في ذلك أن التخطيط الاستراتيجي لم يجرب كثيرا في مجال السياسات الاقتصادية، أو لغايات ترتيب الأولويات لخدمة المصالح الوطنية والمحلية، ولا اعتمد كأداة من أدوات تحقيق النهضة الشاملة...وهكذا.

بالمقابل، فإن علم التخطيط الاستراتيجي التقليدي لمنظمات الأعمال، غالبا ما اكتنفه التقصير في "تلبية حاجة التخطيط القومي، بما يشمله من قضايا وتعقيدات تتعلق بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتقنية والإعلامية والعسكرية وبالأمن القومي".

من هنا هدف هذا الكتاب الذي يطمح بالأساس إلى "وضع أساس لفكر استراتيجي يناسب التحديات العالمية الراهنة، ويسهم في تشكيل المستقبل المنشود في الدول النامية، فضلا عن الإسهام في مواجهة التحديات التي تواجه العالم، والتي تجسد آخرها في انهيار النظام المالي العالمي"...والتي تشير بقوة إلى "حتمية تطوير مفاهيم التخطيط الاستراتيجي حتى ترتكز على القيم والمرتكزات التي تؤسس للأمن العالمي والإنساني".

ولعل أهم عنصر في التخطيط الاستراتيجي بالنسبة للكاتب، إنما "ضرورة أن يتضمن الترتيبات التي تضمن أن ما يخطط له يتم تنفيذه". وهو ما يبدو للمؤلف مركزيا بالقياس إلى السياسات العمومية التي غالبا ما لا تأخذ بعين الاعتبار هذا التوجه.

ولعل أول عنصر يؤكد عليه المؤلف هنا هو عنصر الرؤية، الذي يعتبره المدخل في "تشكيل العمق القومي والإسهام في حشد قوة الدولة في سبيل تنفيذ الاستراتيجية، بما في ذلك من تأسيس للشراكات بين الحكومة من جهة، مع كل من شركات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع الوطنية".

ثاني عنصر مركزي في هذا الكتاب، تأكيد صاحبه على تكامل "عملية تحقيق المصالح الاستراتيجية الوطنية والأمن القومي والأمن الإنساني، والحفاظ عل البيئة المحلية والعالمية... وصياغة المفاهيم بما يراعي ذلك"، لأن من شأنه التأثير في تحقيق الأمن والاستقرار العالميين، بدليل يقول المؤلف، إن "عدم المراعاة الكافية للمفاهيم التقليدية للتخطيط الاستراتيجي لهذه الجوانب كان لها أثر كبير في حدوث العديد من القضايا والإشكالات التي يعاني منها العالم اليوم، من أهم نماذجها التدهور المريع في الأمن الإنساني وفي البيئة".

إن الذي يهدف إليه المؤلف إنما تبيان ضرورة تطوير العلاقة بين التخطيط الاستراتيجي والمصالح الوطنية والأمن القومي. وهذا يتطلب برأيه، "تحقيق التناسق بين كل من أساليب التحليل الاستراتيجي والغايات القومية المنبثقة عن الاستراتيجية، وعناصر القوة الشاملة للأمن القومي والتنظيم الإداري لآلية التخطيط الاستراتيجي القومي".

وهذا لا يعني تجاهل العناصر الفرعية. بالعكس يقول الكاتب. إذ يجب حتما تحديد خطوات الإدارة الاستراتيجية في المجالات الفرعية المختلفة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، "بما يجعلها تتناسب ومتطلبات المصالح الوطنية، بما في ذلك متطلبات الأمن القومي".

من جانب آخر، فإن واقع التنافس الدولي يقتضي تحديد الوضع الراهن في عناصر القوة الاستراتيجية الشاملة. وهذا "يقتضي إجراء التحليل الاستراتيجي لتحديد مستوى القوة أو الضعف. وبناء عليه ينطلق التخطيط الاستراتيجي لتعزيز القوة في تلك العناصر أو بعضها، من خلال تحديد الغاية في كل قطاع".

وهذا يعني، برأيه، أن مختلف قطاعات ومكونات الدولة يجب أن تندمج في رؤية واضحة، تجعل الدولة تتحرك "في مسارها الاستراتيجي من موطن الضعف إلى موطن القوة، في ظل إدراك مستمر للتحديات الدولية وصراع المصالح".

ومعنى ذلك أن العملية برمتها يجب أن تنطلق من نقطة التحليل الاستراتيجي، ثم التخطيط الاستراتيجي، ثم التغيير الاستراتيجي والمسار الاستراتيجي للدولة، "في ظل خطوات الإدارة الاستراتيجية التي تساعد بصورة واضحة، في تحقيق التكامل العملي بين نشاطات الدولة وتحديد أولوياتها وسياساتها وتشريعاتها".

ولعل عبارة المسار الاستراتيجي التي ركز عليها المؤلف، إنما كانت الغاية منها تشكيل أسلوب ومسالك من شأنها الإسهام في تناسقية وتكاملية عمل الدولة، وعدم ممارستها لأنشطة متناقضة. كما "يساعد في السيطرة على الإنفاق العام، بما يجعله يتم وفق مقتضيات المصالح الاستراتيجية للدولة".

ولضبط هذا المسار، يشدد المؤلف على أهمية توزيع الأدوار بدقة بين الدولة المركزية والأطراف المجالية التابعة لها. كما يشدد على ضرورة أن تخضع العملية برمتها للمتابعة والرصد، وأن تكون مكمن تقييم دوري بغاية الإصلاح والتقويم.

نافذة "قرأت لكم"، 30 دجنبر 2010

يمكنكم مشاركة هذا المقال