تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"التلفزة بالمغرب بين واقعها وواقع المغرب بداخلها"

news-details

أريد أن أبدأ بالتنبيه إلى أنني لن أتحدث في كل وسائل الإعلام بالمغرب، سأحاول أن أتحدث في السمعي-البصري وفي التلفزة المغربية بالتحديد.

هذا الاختيار نابع بالأساس من كون مجال اهتمامي الحالي هو التلفزة ونابع أيضا من كون التلفزة هي الوسيلة الإعلامية الجماهيرية الأولى بامتياز.

والحقيقة أنه لو أردنا أن نسائل انفتاح أو درجة انفتاح التلفزة على المجتمع بالمغرب (ما دام هذا هو الإشكال المطروح) لساءلناه على مستويين أو من منطلقين:

- أولا من منطلق واقع ومكانة القطاع السمعي-البصري ببلادنا (وواقع التلفزة تحديدا).

- وثانيا من منطلق صورة المجتمع داخل التلفزة (وهو ما أشتغل عليه حاليا من زاوية تحليل المضامين).

هذان المستويان هما اللذان سأحاول أن أجتهد معكم فيهما على مستوى الطرح ليس إلا، أي على مستوى طرح الإشكالية.

لنبدأ بواقع التلفزة بالمغرب.

أعتقد، لدرجة الجزم ربما، أن واقع المشهد التلفزي ببلادنا اليوم هو بالأساس (في تصوري) من واقع المشهد العام الذي نعيشه منذ مدة والذي لم يتراجع في خضمه المتقادم ولم يتسن بعد للجديد أن يولد. بالتالي فإشكال التلفزة بالمغرب، فيما أتصور دائما، هو من أربع قضايا إشكالية تصب في التلفزة مباشرة إذا لم نقل تؤثر في مسارها تأثيرا مباشرا:

- القضية الإشكالية الأولى تتمحور حول المسألة الإعلامية برمتها باعتبارها المحدد الأول والأساسي لصيرورة وتطور التلفزة. ماذا أعني بهذا الكلام؟

أعني به أننا لحد الآن لم نستطع أن نحدد ونبلور أطراف المعادلة الإعلامية أو أن نحسم إشكالها أو نطرحها ربما حتى الطرح السليم على الرغم من مرور أربعة عقود على الاستقلال وعلى الرغم من كونها أثيرت في أكثر من برنامج سياسي وعلى أكثر من مستوى.

وأعني به أيضا أن تعذر حسم أطراف المعادلة الإعلامية هو الذي أفرز لنا واقع الحال الراهن ولم يفرز لنا سياسة إعلامية وسمعية-بصرية وتلفزية مبنية على تصورات وأهداف ورؤيا متوفرة على أدوات تجسيدها وتنفيذها: أي إعلام نريد؟ لمن؟ كيف نريده؟...الخ.

هذه قضية أولى أساسية في تصوري: تعذر حسم المسألة الإعلامية (في طبيعتها وأهدافها) هو الذي حال دون بلورة سياسة إعلامية، وسمعية- بصرية بالتحديد، على الرغم من بعض المزايدات التي ترى فيما يجري على هذا المستوى سياسة إعلامية (مخزنية في تصورها).

- القضية الإشكالية الثانية التي تصب مباشرة في حاضر ومستقبل التلفزة بالمغرب هي المتمثلة في تصوري في تعذر الانتقال الديموقراطي أو فيما يقدم لنا على أساس كونه انتقالا ديموقراطيا.

هناك حركية سياسية من نوع ما لكنها لم تطل لا شكلا ولا مضمونا الحقل الإعلامي (والتلفزي بالتحديد) بدليل أنه أقصي (ولربما بتوافق) من عملية الانتقال هاته.

ماذا أعني بالتدقيق؟

أعني أساسا أن التلفزة بالمغرب ولكأني بها مجالا للسيادة لا يجب بأي وجه من الوجوه إخضاعه للمزايدات السياسية أو منح أمر التكفل به لغير مكمن السيادة هذا.

هذه القضية أساسية في اعتقادي أيضا لأنني أزعم أن صدق المرحلة (إذا كان هناك صدق) يجب أن يقاس (ضمن مقاييس أخرى) بدرجة انفتاح التلفزة ودمقرطتها.

- القضية الإشكالية الثالثة هي المتمثلة في القول بأن محنة التلفزة بالمغرب هي كذلك من محنة الثقافي واللغوي بصورة عامة وداخل التلفزة بالأساس.

ما معنى هذا الكلام؟

معناه أن غياب البعد الثقافي والتنوع اللغوي بالتلفزة هو (من بين أمور أخرى) الذي حال دون تحولها إلى تلفزة مواطنة، تلفزة وطنية وتلفزة قرب. بالتالي فبقدر اختلاف الرؤى والتصورات داخل المجتمع بقدر تكرس "الرأي الواحد والفكر الواحد" داخل التلفزة.

وبالتالي كذلك فسيبقى مطلب "التلفزة المواطنة" مطروحا طالما لم يتكرس البعد الثقافي واللغوي داخل التلفزة وداخل السمعي-البصري بوجه عام.

- القضية الإشكالية الرابعة هي الكامنة (في اعتقادي على الأقل) في غياب المشروع المجتمعي الذي من شأنه أن يفرز مشروعا تلفزيا. نحن بلاد تسير دون تصور ودون رؤيا، بالتالي فمن " الطبيعي" ألا يكون للتلفزة مشروعا ما دام التصور والرؤيا العامين غائبين.

هذه مسألة مركزية لأن تأطير أي مشروع (تلفزي وغيره) لا يمكن أن يتم إلا في خضم مشروع مجتمعي واضح المعالم وإيجابي حتى وإن اعتبر البعض أن ما نسير على أساسه هو مشروع مجتمعي لكنه غير وطني.

ماذا ترتب عن تعذر حسم هذه القضايا المركزية على مستوى واقع حال التلفزة والسمعي-البصري بوجه عام؟

- ترتب عنه أولا أن التلفزة اليوم (كما في السابق) هي دون هوية: لم تستطع أن تصبح جهازا بل بقيت جزءا من جهاز، لم تستطع أن تكون سلطة بل بقيت بوقا للسلطة، ولم تستطع أن تشتغل وفق منطق محدد (مرفق عام أو منافسة) ولم تستطع أن تكون مواطنة.

- وترتب عنه أيضا غياب المصداقية والمشروعية في العمل التلفزي: ما دام أن " المواطن" لا يساهم في تشكيل الشبكة البرامجية أو التأثير فيها، ومادام أن اختلاف الرأي على مستوى واقع الحال لا يعكس على مستوى التلفزيون، ومادام الأداء التلفزي غير خاضع لمقاييس المهنية ولا محاسبة قبلية أو بعدية عليه من لدن المواطنين أو من لدن جهة أخرى.

- وترتب عنه ثالثا تسيب في التسيير وتبذير للمال العام من خلال الإنتاجات التافهة والقاتمة والاقتناءات المشبوهة وقس على ذلك.

نحن إذن إزاء تلفزة تشتغل في غياب تحديد أطراف المعادلة الإعلامية، في إطار غموض سياسي، في ظل تغييب البعد الثقافي داخلها وخارجها وغير مؤطرة بمشروع تلفزي مبني بدوره على مشروع مجتمعي، وإزاء تلفزة بدون هوية، بدون مصداقية، بدون مشروعية بالتالي غير مواطنة.

كيف هي صورتنا كمجتمع بالتلفزة في المغرب؟

باختصار كبير أقول:

- أولا، صورتنا بالتلفزة هي بكل المقاييس صورة تطمينية بالتالي تحذيرية، هي تطمئننا بأن الأفضل آت والواقع غير مقلق، وتطمئننا أن الوضع السياسي الحالي مستقر والفاعلين متساكنين والديموقراطية متجسدة أو هي في طريقها إلى ذلك، وتطمئننا إلى أن التعددية وحرية الرأي والتعبير قائمة وليست مجازا...الخ.

- ثانيا، صورتنا بالتلفزة هي صورة اختزالية على اعتبار أنها تختزل عمق القضايا الجوهرية في شكلها، وهو ما يجعل أن كل أسئلة المغرب المعاصر مطروحة لكن بسطحية كبيرة ودون النفاذ إلى العمق، هي تختزل اللغة العربية في التافه والفرنسية في العلم والحداثة.

- ثالثا، صورتنا المقدمة في التلفزة هي كذلك وبكل المقاييس صورة غير حيادية ما دامت لا تترجم الحركية "الطبيعية" التي تعيشها مختلف مكونات المجتمع بالمغرب بالحياد الكافي وتشرعن للمشرعن (صورة الملكية في التلفزة).

- ورابعا، صورتنا هي كذلك صورة " موحدنة" ما دام أن التلفزة بالمغرب تتعامل معه ولكأنه كتلة بشرية واحدة متجانسة، بالتالي لا تعرف ماذا يعني مصطلح المرفق العام والرأي العام واختلاف الأذواق...الخ.

ما معنى هذا الكلام؟

معناه أن التلفزة تتعامل مع المجتمع المغربي باعتباره مجتمعا قاصرا (يتطلب التدرج كما يقال)، مجتمعا لا يعرف حدود حقوقه وواجباته، بالتالي وجبت الحيطة والحذر إزاءه، ومجتمعا غير مسؤول بمعنى عدم قدرته على تأويل الحرية التأويل الصحيح.

ومعناه بالمقابل، أن التلفزة بالمغرب لم تكن يوما ولم يرد لها أن تكون منفتحة على المجتمع وهو أمر طبيعي ما دامت جزءا من جهاز وليست جهارا قائما بذاته (نموذج التعيينات الأخيرة على رأس القناتين)، وأن التلفزة لم تكن يوما تلفزة المواطن بقدر ما كانت تلفزة النظام والسلطة، بالتالي فهي تلفزة التمويه والدعاية والتعليمات.

وأن التلفزة من هنا لم تكن يوما إلا ما أراده لها النظام وأباحته السلطة.

والأخطر من ذلك هو أن الحكومة الحالية تضاعف من درجة عجزها الملاحظ عامة عندما تتبنى ولو ضمنيا هذه "المنظومة" من المعطيات والتصورات.

بمعنى:

- أن تصورها يبقى ترقيعيا كما كان الحال من ذي قبل، وهو ما يلاحظ على مستوى البث المشترك للقناتين في إطار قناة فضائية مغربية في حين أن الصواب في تصوري هو إقامة قناة قائمة بذاتها لها أطرها ومسيروها وفلسفتها وسياستها وشبكتها البرامجية المستقلة.

- ثانيا، أن طرحها غير مضبوط (كي لا أقول غير عقلاني) وهو ما يظهر بجلاء من خلال مشروع تحرير القطاع السمعي-البصري، ونحن نعرف أن الإشكال التلفزي مثلا لا يمكن اختزاله في عدد القنوات بقدر انبنائه على مشاريع الإنتاج والمضامين والمحتويات وهو الأهم في تصوري.

- ثالثا، أن تصورها لتقنين أو لتنظيم المشهد السمعي-البصري غير واضح وإن كان واضحا في ذهن البعض، فهو يجتر منطق الخوف والتعليمات.

أنا لم أفهم هل هذه الهيئة للتقنين أم للتنظيم، ولم أفهم هل ستكون مستقلة أم تحت رقابة ما. الواضح أنها لن تكون مستقلة حتى وإن كان ذلك واردا في اختصاصاتها لأن ذلك سيخضع بطريقة أو بأخرى لما أسميه "لوبي التلفزة بالمغرب".

- رابعا، أن سياستها مبهمة ومتذبذبة والدليل هو تضارب الاختيار فيما يخص القناة الثانية (خاصة أم عامة).

الواضح إذن بناء على ما سبق من كلام أننا سنبقى نجتر الخيبة في محيطنا العام تماما كما تمثل التلفزة إحدى أهم نقط خيبتنا، وأن ما يروج من كونه سياسة إعلامية لا يعدو كونه إنشاءات وخطابات للاستهلاك لا تؤسس لانفتاح التلفزة على المجتمع بقدر ما تعيد إنتاج خطاب النخبة الحاكمة بما فيها خطاب الحكومة الحالية.

* "واقع التلفزة بالمغرب وواقع المغرب بالتلفزة"، مداخلة بالأيام الثقافية الرابعة عشرة لدار المغرب بفرنسا حول "المغرب في مرحلته الانتقالية"، باريس، 26 ماي 2000. جريدة المنظمة، 2 يوليوز 2000.

يمكنكم مشاركة هذا المقال