تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"إلى أين يتجه عالم اليوم؟"

موسى الزعبي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004، 287 ص.

1- بتمهيده للكتاب، يقول المؤلف: "تشجعنا نهاية الحرب الباردة، والتغيرات الجارية المجددة للفكر، من الأغلال الأيديولوجية، والوفاء المفروض، كل ذلك يشجعنا على فهم أفضل للعالم الحقيقي، فهما خارجا عن العقائد والمبادئ والمخططات الثقافية المدرسية. وتتوافق هذه الحقبة الاستثنائية مع تغير حقيقي للعصر. ويحدث هذا غما جديدا في الغرب، وقلقا عميقا في المجتمعات المتطورة، نظرا إلى أن لا أحد يعرف ما الذي سيشبه العصر الجديد الذي بدأ".

إن النظام الدولي الجديد يشمل الجميع، يقول المؤلف، ولا يستثني أي شيء من حقل عمله: في السياسة، والاقتصاد، والمجتمع، والثقافة والبيئة. هذا النظام بات منذ مدة بين يدي الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتطلع للقضاء على خصومها، الأقوياء منهم كما الضعاف، "الأصدقاء" كما "الأعداء"،  في سبيل أن تحافظ "على وضعها المتفوق والوحيد، أطول مدة ممكنة: سواء أكان منافسوها أو خصومها، من الغربيين، أم من غيرهم، وسواء، أكانوا أعضاء سابقين في حلف وارسو، أم حلفاء مقربين من واشنطن، في نطاق منظمة حلف شمالي الأطلسي".

إن الولايات المتحدة باتت، يؤكد المؤلف، مطالبة بالقيام بكل شيء، من أجل ردع كل خصم محتمل، ومن أجل أن تضمن لنفسها التفوق، بشكل لا يسمح لأية قوة منافسة بالظهور، في أوربا الغربية أو في آسيا، أو في مناطق مجموعة الدول المستقلة حديثا. ولا يتوقف حكام الولايات المتحدة، عبر التأكيد، أن التفوق الشامل لبلادهم، ضروري للإنسانية أيضا، لأن ذلك موجه من أجل "ضمان الديموقراطية والسلام في العالم"، ومن أجل حماية "اقتصاد السوق". فلم يتوقف زعماء الولايات المتحدة مطلقا عن الاعتقاد، بأنهم "حماة الديموقراطيات"، و"شعب الله المختار" الجديد، بحيث يتلقون مباركة المشروعات الدنيوية من قبل الإله، فضلا عن ذلك، فهم مكلفون بمعاقبة "الخونة الجدد"، "الرافضين الخضوع للديموقراطيات المثالية".

إن الهيمنة على باقي العالم، بالمنظور الأمريكي، إنما يرتكز على أربعة مجالات كبرى: قوة عسكرية، بالتأكيد، تسيطر بها الولايات المتحدة على اليابسة وعلى البحار، وبدونها لا يبدو العالم قادرا على حل النزاعات المسلحة عالميا، وقوة ثقافية وإعلامية "لكون القوة الضاربة الثقافية" لواشنطن، قائمة على السيطرة الكاملة تماما على وسائل الاتصالات، والمعلوميات، والتوابع الكوكبية، وقوة تكنولوجية من خلال شبكة الإنترنيت، وقوة اقتصادية، حيث تحتل المشروعات الأمريكية المكان الأول عالميا، في العديد من القطاعات النشاطية: "سيارات، مواد غذائية، زراعية، صناعات جوية، أو مصارف، تكنولوجيات جديدة، سمعية وبصرية... إلخ"، لدرجة أنه ما من قوة اليوم، تستطيع الادعاء بأنها قادرة على منافسة الولايات المتحدة في المجالات الأساسية الأربعة: العسكرية، الاقتصادية، التكنولوجية، الثقافية، وهي التي تشكل القوة الشاملة بتعبير برززنسكي.

ليس أمام أجهزة الدولة، بالنسبة للبلدان الأقل تطورا، سوى خياران اثنان، من أجل الدفاع عن نفسها أمام السلوك الأمبراطوري الأمريكي: إما التحرك كحكام مقاطعات في الإمبراطورية، أو التصرف كقادة حرب مستقلين ذاتيا، من أجل أن يأخذوا على عاتقهم، العمل في مجال آخر، غير المجال الاقتصادي الخالص.

نحن إذن بإزاء لوحة، يقول المؤلف، تتربع الولايات المتحدة بقلبها، سيما بظل العولمة، والباقي يدور من حولها، في حلقة من الفقر والفاقة وسوء التغذية والحروب الأهلية وانعدام الحد الأدنى من شروط الحياة الإنسانية: "فهناك من الـ 6 مليار نسمة، الذين يعيشون على سطح الكرة الأرضية، هناك 2،8 مليار إنسان منهم، أي النصف تقريبا، يعيشون على أقل من دولارين في اليوم الواحد للفرد الواحد، حسب تقرير صادر عن البنك الدولي. والأسوأ من ذلك أيضا، أن هناك 1،2 مليار إنسان، أي الخمس، يعيش 44% منهم في جنوب آسيا، على أقل من دولار واحد، للفرد في اليوم. ويموت أقل من طفل واحد، من كل 100 طفل، قبل بلوغ من الخمس سنوات، في البلدان الغنية. وعلى العكس، حيث يتعرض طفل واحد من خمسة أطفال للموت، في البلدان الأفقر، وذلك قبل أن يبلغ سنته الخامسة، ويعاني أقل من 5% من الأطفال، من الأعمار التي تقل عن خمس سنوات، من سوء التغذية في البلدان الغنية. في حين، يمكن أن تمس هذه المشكلة حوالي 50% في مثل سنهم، في البلدان الفقيرة. و يتسبب هذا الإملاق في إضعاف شروط الحياة، مع أن هذه الشروط قد تحسنت، خلال القرن العشرين، بمقدار ما خسرت في السنوات السابقة، من تاريخ البشرية". ولا يملك الـ 20 بالمائة بلدا الأفقر الآن سوى 1،1% من الدخل العالمي، مقابل 2،3% عام 1960. وإن الـ 225 شركة الأضخم والأغنى في العالم، تمثل أو تعادل، ما يساوي الدخل السنوي لنصف الأفراد في البلدان الأشد فقرا على سطح الكرة الأرضية، أي حوالي 2،5 مليار شخص.

إنه بعد خمسين عاما من السياسة التنموية، يقول الكاتب، يوجد مليار كائن بشري، على الدوام، ممن هم دون عتبة العيش أو البقاء على قيد الحياة. ويبقى الهدف، بما في ذلك الطموح المتفائل، خفض الفقر، وليس استبعاده على المدى المتوسط والطويل. مع ذلك، لا تشكل الوسائل المالية والتكنولوجية والإنسانية، العقبة الأكبر، متعذرة الاجتياز أو العبور، لكن العقبة الحقيقة، هي غياب الإدارات الحقيقية سواء في بلدان الشمال، أم في بلدان الجنوب.

2- إن الولايات المتحدة، ومنذ أحداث الحادي عشر من شتنبر، وهي تحاول الهيمنة على العالم، بشكل لم تقم به أية أمبراطورية في تاريخ البشرية، من قبل، على اعتبار أنها تمارس سيطرة ساحقة في المجالات التقليدية الخمسة، التي ترمز إلى القوة السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والثقافية، والتكنولوجية.

إنها، للمرة الأولى في تاريخ البشرية، التي تسيطر فيها على هذا العالم، قوة وحيدة فائقة، "تباهي وتفاخر بإمبرياليتها، بعد احتلالها أفغانستان، ثم العراق، ثم... بعد أن خطت خطوات أخرى أعمق أثرا في تفردها في معالجة الشؤون الدولية، عندما قررت تدمير بغداد بقصف متواصل، ثم احتلالها عسكريا، وهي تجول وتصول، وتهدد وتتوعد، تخرب وتدمر، ولا من رادع يردعها، وما من أحد يستطيع أن يقف في وجهها البشع".

بالتالي، فقد نتج عن جميع هذه التغيرات البنيوية والذهنية، تفجر العالم بشكل حقيقي، في مجال التنفيذ، منذ العقد الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. فلم تعد للمفاهيم الجيوسياسية، مثل الدولة، والسلطة، والسيادة، والاستقلال الوطني، والحدود، والديموقراطية...إلخ، لم تعد لها المعاني نفسها، لدرجة بدأ المواطنون معها يتساءلون:  ما هي المبادهات الجريئة، التي تعيد الأوضاع إلى حالها، مع بداية القرن الحادي والعشرين، في مجال العقد الاجتماعي، ضد العقد الخاص؟

إننا نجابه أزمة في المعقولية، يؤكد الكاتب. فالفجوة تتعمق بين ما يجب فهمه، والأدوات التصورية الضرورية من أجل فهم هذه الأزمة، أو إدراكها. فهل يجب الخضوع أو الانقياد مع "خيبات الأمل في العالم"، كما ذكر ذلك ماكس فيبر، بعد أن تأكد أو تحقق من اختفاء أو غياب المشروع الجماعي؟

يجيب الكاتب، بنبرة حسرة واضحة: "لقد أصبح العالم مقلوبا بشدة، بسبب التغيرات التكنولوجية الرهيبة، واستمرار الفوضى الاقتصادية، وارتفاع درجات الأخطار البيئية. وتترجم هذه المجموعات الثلاث من الاضطرابات بشكل خاص، عن طريق القلاقل الاجتماعية، وظهور أشكال جديدة من الفقر والاستبعاد، وتفجر التفاوت أو عدم المساواة، والأزمة في قمع العمل، والانزعاج العميق من تصرفات السلطة، ومن البطالة الكثيفة، ومن التقدم اللامعقول في تكاثر النزعات القومية، ومن بروز الأصولية، وكره الأجانب، وعمليات تنشيط الطلب القوي جدا للتمسك بالأخلاق، وانطلاق الهموم الأخلاقية".

ويتابع الكاتب: إن العالم يجابه، نموذجين جديدين، يبنيان طريقة التفكير، في هذا الظرف من خيبات الأمل ومن الريبة:  الأول هو نموذج التقدم بالاتصال، بدلا من النظام، مما يؤدي إلى الاضطراب في جميع الأنظمة، ويفسد مهمة السلطة السياسية نفسها. أما النموذج الثاني، فهو السوق، حيث كل شيء يجب أن يرتب بعد اليوم، طبقا لمعايير "السيدة السوق"، التي أصبحت العلاج التام والقطعي، في الاقتصاد وطبقا للقيم الجديدة، قيم الربح، والمنافع، والمردود، والمنافسة، والتزاحم...الخ.

هذان النموذجان الجديدانلاتصال والسوق) هما اللذان باتا العمودان الفقريان اللذان يستند عليهما النظام العالمي المعاصر، فأصبح النشاط الاقتصادي مالكا لأربع خواص رئيسة: العالمية، الديمومة، المباشرة، والتجريد، وأصبحت هذه الرباعية تشكل رأس الحرية بامتياز.

إن الذي يحكم هذا النظام هي الولايات المتحدة الأمريكية. لكن ما هو الدور الحقيقي والنفوذ لهذه القوة، في عالم يفرض فيه الاقتصاد قانونه؟ وما دور سلطات المنظمات الدولية، مثل منظمة الأمم المتحدة، ومجموعة الـ (7)، ومنظمة الأمن والتعاون الأوربي، ومنظمة التجارة الدولية... إلخ، في هذه الظروف الجديدة؟ وما القدرة الحقيقية لوسائل الإعلام، وجماعات الضغط، والمنظمات غير الحكومية؟

لقد أصبحت الأرض مهيأة بعد اليوم، لعصر جديد، من الغزو، كما حدث في القرن الخامس عشر، يلاحظ المؤلف. "ففي عصر النهضة، كان الفاعلون الرئيسيون في التوسع في الغزو هم الدول، أما اليوم، فإنها المشروعات والشركات، من تجمعات أو اندماجات بين الشركات، ومن المجموعات الصناعية والمالية الخاصة، التي تنوي السيطرة على العالم. فهي تقوم بغزواتها في كل الاتجاهات، وتكدس الأرباح الضخمة".

كيف يمكن لدولة ما في ضوء كل ذلك، حتى وإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية، أن تحدد سياسة خارجية جديدة، سيما في هذه الظروف، في حين أن المشاكل الكبرى، شمولية، تتخطى الحدود، مثل "البيئة، والجوع، والأمية، والأخطار النووية، والأوبئة والجائحات الجديدة، والأصولية الدينية... إلخ، والتي لم يعد بالإمكان إيجاد حلول لها، على المستوى المحلي؟

يقدم الكاتب إجابة واضحة لذلك، على لسان الفيلسوف الفرنسي إدغار موران حين يقول: "يجب علينا أن نتخلى عن الفكرة التي تقول إن الزيادة في التكنو/الصناعي، لا تجلب سوى النفع، ومجتمعاتنا تعتقد بالتقدم على طريق تاريخي، نحو مستقبل سعيد. أما اليوم، فيجب تعديل هذا الطريق، بحيث يجب إغناء وتعقيد مفهوم التنمية... فقد تمت خسارة المستقبل المضمون، ليس فقط، حيث كانت تخيم الشيوعية هناك، بل في كل مكان".

نافذة "قرأت لكم"، 7 ماي 2009

يمكنكم مشاركة هذا المقال