1- في مفهوم الاتصال
من القائم الثابت أن "الاتصال"، على الأقل بالمعنى الذي نضفيه عليه بداية هذا القرن، إنما هو عبارة جديدة النشأة، حديثة العهد.
والواقع أنه على الرغم من أن الكلمة (كلمة الاتصال) قديمة قدم الإنسان وأكثر، إلا أن الفضاءات الواسعة التي أضحت تغطيها، أواسط القرن الماضي، جعلت منها ليس فقط "معطى" اجتماعيا وسوسيولوجيا (وأنتروبولوجيا أيضا) قائما، بل حولته إلى وحدة تحليلية ومفاهيمية معتمدة في الأبحاث والدراسات، بل ومؤطرة "لعلوم" جديدة تدرس بالمعاهد والمراكز والجامعات.
بيد أن المصطلح أو المفهوم، حتى وإن اتسع فضاؤه منذ أواسط القرن العشرين، واتسع مجاله باطراد كبير من حينه، فإن الوقائع المراد تغطيتها (أو ملامستها بواسطته) ليست بالراهنة ولا بالقريبة منا زمنيا...إذ الاتصال ملكة اجتماعية طبعت الحياة الإنسانية منذ خلق الله الكون أو على الأقل منذ خلق الإنسان من بين ظهرانيه.
بالتالي، فليس من المهم كثيرا إثبات ذلك (مادام الاتصال غريزة أولية كبرى)، بقدر ما هو مهم الوقوف عند السر في اتساع مجاله وتحوله إلى ما يشبه "القيمة الاجتماعية"، على الأقل منذ حوالي خمسة أو ستة عقود من الزمن (1).
يقول فيليب بروتون في هذا الباب: "إن مجموع ما نسميه اليوم بممارسات الاتصال، إنما كانت موجودة منذ زمن بعيد: فالإنسان، بالمفهوم الواسع للكلمة، كان دائما ودوما يتواصل. هذه الممارسات يمكن اعتبارها مزامنة للإنسانية تماما كاللغة أو الأداة، اللتان تعتبران الميزات الأساسية لإنسان ما قبل التاريخ...إنه بالإمكان تصور أن ممارسات الاتصال كانت بامتياز نقطة تلاق بين اللغة والأداة. أليس الاتصال هو في الآن معا تفعيل تقني للغة، مثلا في التبليغ والتبرير، وحركة إبداع في ميدان التقنيات التي بمقدورها نقل الكلام على شكل رسالة؟" (2).
من الواضح الجلي إذن أن الاتصال لم يكن له، على الأقل إلى حين أواسط القرن الماضي، من وجود يذكر خارج نقطة التقاطع الجوهرية بين عالم اللغة وعالم التقنية (3).
ومن الواضح الجلي أيضا أنه لم يكن هنالك فضاء للاتصال قائم الذات، مستقلا عن هذين العالمين. وهو ما يشي بمدى ارتهانهما له (ارتهان عالمي اللغة والتقنية لفضاء الاتصال) لقرون عديدة قبل أن يعمد، مع نوربير فيينر أساسا (4)، إلى تحديد مجاله الخاص في إطار "نظريات الإعلام ونظريات الاتصال" وفي ظل نظرية السبرنطيقا تحديدا وما سواها.
ليس ثمة من شك في أن اللغة كانت قائمة الذات منذ البدء. والاتصال أيضا كان حاجة قائمة منذ القدم، والأداة (التقنية أعني) كانت بهذا التطور أو ذاك، قائمة، وكانت كلها مستويات مترابطة ومتداخلة، لكنها كانت محكومة في مجملها بالسياق الاجتماعي الذي إذا لم يكن يحدد لها المرجعية والإطار، فقد كان يمهد لها سبل التمظهر والتجذر (5).
وعلى هذا الأساس، فالمساءل هنا ليس فقط اللغة أو الأداة، بل هما معا بارتباط والتحولات المجتمعية القائمة والجارية. إذ إلى حين عهد ليس بالبعيد كثيرا، تم التسليم وبالقطع بأن الاختراعات إنما كانت تتم في مناخ شبه مستقل عن التحولات المجتمعاتية، وأن الأولى لا تؤثر في الثانية إلا تدريجيا وهامشيا...بل ذهب الأمر بمارشال ماكلوهان، نهاية ستينات القرن الماضي، إلى تبني أطروحة مفادها أن المراحل الكبرى لتاريخ الإنسانية إنما ترتبت بطريقة عضوية ومباشرة عن الإبداعات والاختراعات والتطبيقات التي تمت وتتم بميدان تقنيات الاتصال (6).
ومعنى هذا، في تصور ماكلوهان، أن المجتمعات الإنسانية إنما طالها و يطالها التحول والتغيرعلى المستوى الثقافي والذهني والاجتماعي، عن طريق التقنيات الكبرى التي تمثلت بداية في الكتابة والمطبعة، وفيما بعد في طفرة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية (7).
والواقع أن ما حملته هذه التقنيات، وتقنيات أخرى "جذرية" فيما بعد (اي ذات أثر بنيوي)، إنما دشن لمرحلة جديدة لم تعد معها كلمة الاتصال مؤسسة "لعلم" مستقل قائم الذات، بل أضحت، بموازاة ذلك، عاملا مؤثرا وبقوة في الحياة والاقتصاد والمجتمع والثقافة وغيرها.
2- في الطفرة التكنولوجية
من الثابت في تاريخ الاتصال (في تاريخ سوسيولوجيا الاتصال تحديدا) أن هناك جدلية قائمة بين الإبداع والتطبيق التكنولوجي، وبين تأثير ذلك في حركية المجتمع.
فالإبداع إياه (كما التطبيق) لا يفعلان في محيط "بكر"، بل في بيئة اجتماعية تفعل فيهما وتتفاعل معهما في الشكل كما في الجوهر.
هناك إذن نقط التقاء كبرى بين التطور الاجتماعي وتطور الإبداع والتطبيق التقني في ميدان الاتصال...لكن الأمر لا يذهب لدرجة التحديد التقني (أو التكنولوجي) لتحول المجتمع ومنظومته كما ذهب إلى ذلك ماكلوهان (8).
فتحليل تاريخ تطور المطبعة بالغرب، يقول بروتون إنما "يبين وبقوة مساهمة الثورة الثقافية في ميدان المكتوب نهاية القرن الحادي عشر، أي حتى قبل أن يتم اختراع تقنيات المطبوع. ونعلم جيدا أيضا اليوم إلى أي درجة كان اختراع الكتابة والخطاب رهين محيط التطور الاجتماعي الذي ساعده على الاستنبات وضمن لها سبل النجاح" (9).
بالتالي، فمن المتعذر حقا، وفق ما سبق، أن يسلم المرء بكون تصاعد الاتصال في القرن العشرين إنما هو نتاج تقدم التقنيات في هذا الميدان، في إطار علاقة سببية لا وجود لأثر على الأول في غياب الثاني.
ليس من شك أن العالم يعيش، منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، "ثورة" تكنولوجية كبرى في ميدان الإعلام والاتصال طاولت أعتدة الإرسال والاستقبال، ومست سبل ووسائل إنتاج وتوزيع واستهلاك المعلومات والمعطيات (10)، وأثرت جذريا في تنقل المعارف والمضامين من خلال شبكات ألكترونية ضخمة...ليس من شك في ذلك. لكن المرء، على الرغم من كل هذا أو في خضمه، لا يستطيع الجزم "بحتمية تحديدية" من طبيعة ما على الثقافة والمجتمع من لدن التقنية، أو فعلا من لدنها مباشر فيهما (11).
صحيح أن هناك أحجاما ضخمة من المعلومات المنتجة والمروجة بالشبكات التقنية (عبر الفضائيات العابرة للحدود أو عبر متعدد الأقطاب أو عبر الإنترنيت أو عبر غيرها) لدرجة يبدو معها طغيان الإعلام على الاتصال أمرا قائما، لكن ذلك لا يمكن أن يصل إلى حد الجزم بتحديد ما من لدن التقنية لمنظومة المجتمع والثقافة.
والسبب فيما نتصور، لا يتمثل فقط في كون المجتمع والثقافة هما الأصل (في حين أن التقنية هي الفرع)، ولا فقط في عصيهما على التحول تحت ضغط معطيات موضوعية، ولكن أيضا ولربما أساسا، لأنه نادرا ما يتم إبداع مستجد تكنولوجي لا يسهم في استنباته السياق الاجتماعي، يحميه، يضمنه بل وفي الغالب الأعم يكون له البنية الموضوعية التي تدفع بالإبداع بجهته (12).
بالمقابل، فمن النادر حقا أيضا التفكير في ابتداع مستجد تكنولوجي بمعزل مطلق عن الحاجة المجتمعاتية، وإلا لانحصر الأمر في ترف بحثي لا يؤثر لا في المجتمع ولا في التراكم التقني ولا في غيرهما.
بالتالي، فالحاصل، في ظل كل هذا وذاك، أننا إنما بتنا بإزاء تفاعلية عميقة وجوهرية بين تطور الحاجات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من جهة، وبين تطور الإبداع التكنولوجي والتطور التقني من جهة ثانية. ولعل تعبير "مجتمع الاتصال" الرائج اليوم دليل على ذات التفاعلية، بان لها ومؤسس لتمفصلاتها.
3- مجتمع الاتصال
يبدو من العبارة (عبارة مجتمع الاتصال) أن الاتصال أضحى قيمة مركزية بالمجتمع، بل ظاهرة مركزية يقول فيينير (13)...إذ لا يتحدد الاتصال قياسا إلى المجتمع، بل هذا الأخير قياسا إلى الأول، ولكأن لا أثر لمجتمع لا تواصل بصلبه.
كل المجتمعات البشرية كانت ولا تزال تتواصل بهذا الشكل أو ذاك، بل قل إن الاتصال (كائن ما يكن شكله أو وسيلته) إنما هو مكمن المجتمع، ميزته الكبرى وإحدى أدوات تكونه (14).
والواقع أن المصطلح (مصطلح مجتمع الإعلام) وإن عبر عن واقع الحال القائم اليوم حيث أدوات الاتصال أضخم وأغزر مما كانت من ذي قبل، فهو مع ذلك يبقى قاصرا على فهم طبيعة ذات المجتمع، ولا لديه القدرة على تلمس مكامن التميز بداخله:
+ فمجتمع الاتصال، كما تروج له الأدبيات، إنما هو كذلك أساسا بجهة الأدوات والأعتدة والوسائل والأجهزة، وليس كذلك إلا نسبيا بالمحتويات أو بالمضامين فبالأحرى بالمعارف والثقافة ومنظومات القيم.
لهذا السبب، فالحاصل أننا اليوم، كما من خمسة أو ستة عقود مضت، إنما بإزاء فورة كبرى تساهم في الاتصال، لكنها لا تساهم إلا نسبيا في التواصل (15).
بالتالي، فلو سلم المرء بأننا حقا بإزاء مجتمع للاتصال، فإنه لا يستطيع التسليم بوجود مجتمع للتواصل، مادامت الموسطة أضحت أداة تنهل من مبدأ البعد أكثر ما تنهل من مبدأ الحميمية والقرب.
+ ومجتمع الاتصال (16)، المتداول اليوم بالأدبيات والخطابات، لا يحيل على الأدوات والوسائل (مقابل المحتويات والمضامين) فحسب، بل ولا يعير كبير اهتمام لطريقة تحول ذات المحتويات والمضامين إلى معارف، وكيفية تجذر هذه الأخيرة بالثقافة وبمنظومات القيم.
ومعنى هذا أن التوفر على معلومة ما (في ظل مجتمع الاتصال) لا يضمن القدرة أو القابلية على موطنتها في المعرفة أو في الثقافة أو في سلم القيم.
ومعناه أيضا أنه ليس هناك من جسر قائم لتحويل معلومة (بالمعنى الكمي للكلمة) إلى طفرة نوعية تتمظهر بالمعرفة أو بالثقافة أو بما سواها.
وعلى هذا الأساس، فمجتمع الاتصال إنما يعطي الإحساس بالتواصل، في حين أنه بالمحصلة، لايعدو سوى كونه "مجتمعا" تتنقل بصلبه المعطيات والمعلومات، الغث منها والسمين على حد سواء.
+ و"مجتمع" الاتصال، بناء على كل هذا، لا يضمن ذات الصفة (صفة الاتصال) لكل فئات ومكونات المجتمع بقدر ما يوفرها للتي تتوفر لديها القدرة في البلوغ والتملك...وهي نسبة من المجتمع تبني بالضرورة للاستثناء ولا تؤسس قطعا للقاعدة.
لن يبالغ المرء إذن بالمحصلة، إن اعتبر أن الاتصال إنما هو سمة كل المجتمعات، القديم منها كما الحديث كما المعاصر، المتقدم منها كما المتخلف. وهذه السمة لوحدها كافية لأن تجعل من كل المجتمعات مجتمعات اتصال بهذا القدر من القوة أو ذاك. إلا أن الثابت فيهما معا إنما يكمن في تعذر تحول الاتصال إلى تواصل، بل وتعذر تأثيرهما المباشر في منظومات القيم أو في الثقافات، حتى وإن ساد الاعتقاد اليوم بذلك أو ببعض كبير منه.
هوامش
(1)- أول مرحلة لبناء عبارة الاتصال الحديثة تمثلت في تجسير ما يمكن تسميته بالفجوة القائمة بين ممارسات (اتصالية) بلا إسم، وبين العبارة التي تعطيها ميزة ومضمونا بصرف النظر عن الأدوات والوسائل الممكنة للاتصال.
(2)- Bretton. P. «L’utopie de la communication : le mythe du village planétaire», Ed. La Découverte, Paris, 1997.
(3)- Wiener. N, «Cybernétique et société », Ed. Deux- Rives, Paris, 1952.
(4)- التقنية المقصودة هنا قد تكون بدائية كما قد تكون متطورة نسبيا، لكنها محصورة النطاق والأثر.
(5)- Cf : Flichy. P, «Une histoire de la communication moderne », Ed. La Découverte, Paris, 1991.
(6)- McLuhan. M, «Pour comprendre les médias» (1964), Mame/Seuil,1968.
(7)- وهو أمر لا يخلو من صواب كثيرا إذ ما حملته الطفرات "التكنولوجية" كان بمثابة "ثورات" حقيقية غير علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالزمن والمكان.
(9)- Breton. P,« L’utopie de la communication… », Ouv. Précité.
(10)- Cf : El Yahyaoui. Y , « Les télécommunications à l’épreuve des mutations : Etat, monopole, déréglementation et concurrence », Ed. Okad, Rabat, 1995.
(11)- على اعتبار أن التقنية هي أولا وفي نهاية المطاف نتاجا اجتماعيا وتعبيرا عن حاجة مجتمعاتية.
(12)- بدليل التطويرات الكبرى التي طالت شبكة الإنترنيت بغرض توسيع سعتها والزيادة من سرعتها والرفع من صبيبها...وهو أمر فرضته الحاجة في ظل شبكة أضحت ضيقة و صبيبها منخفض.
(13)- «La communication doit avoir l’étendue qu’elle mérite à bon droit comme phénomène central».
(14)- كيف يمكن للمرء أن يتصور مجتمعا بدون اتصال أو تواصل بين مكوناته..ما ترى ستكون طبيعته؟
(16)- أو مجتمع الإعلام إذ سياقهما يأتي عموما دون تمييز كبير
العربي 21، 13 فبراير 2017