لا يبدو المقام هنا مناسبا، ولا من المستحب حتى في هذه الظروف، أن يعمل المرء مبدأ التنظير للوقوف عند مفهوم وطبيعة ومحددات والفلسفة الثاوية حول اعتماد اصطلاح الرأي العام كمنظومة مفاهيمية ومرجعية في التحليل يقتدى بها ويمكن بالقياس إليها عمليا البناء والاستنتاج.
والواقع أنه، منذ انطلاق العدوان على العراق في فجرية العشرين من مارس وإلى حدود دخول القوات الأمريكية إلى قلب بغداد (إلى وسطها الحضري أعني) في التاسع من أبريل، لم تعد عبارة الرأي العام بناء أكاديميا جافا ولا ناظما لتصور ما في علم السياسة أو الاجتماع، بل أضحى معطى ملموسا وظاهرة حية تسترعي التوقف وتستدعي الاستقراء والتدقيق.
فطيلة فترة الإنزالات العسكرية الكبرى بمنطقة الخليج، كما خلال عبور البوارج الحربية لقناة السويس وتمركزها بهذه الدولة "العربية" أو تلك، وطيلة مراحل الاستعداد (والتجريب الإيهامي للضربة بقاعدة السيلية بقطر)، كما طيلة اللقاءات والتحذيرات الأنجلو/أمريكية ...كما حين "منح" جورج بوش الإبن مهلة يومين للرئيس العراقي " لنفي نفسه بنفسه"، كما بعيد العدوان وخلاله...طيلة كل هذا لم تتوقف مكونات الرأي العام على التنديد والتظاهر والاحتجاج والمطالبة بوقف العدوان كائنة ما تكن الدوافع والمبررات لشنه.
والرأي العام المقصود هنا لا يطال الجماهير المتباينة المشارب (التي تتظاهر احتجاجا بمئات الآلاف وبالملايين بدول التحالف كما بالدول الصناعية الكبرى الأخرى كما بالدول العربية كما بدول صغيرة وفقيرة خبرت عن قرب أهداف العدوان من هذه الطينة ومخاطر تداعياته على البشر والطبيعة والعمران)، ولا مئات الآلاف من مثقفي العالم وفنانيه، بل وأيضا وبالتحديد الغالبية العظمى من المنابر الصحفية التي رفضت مبدأ العدوان على خلفية من معايشتها، من ذي قبل، لعدوان وحروب من ذات الفصيلة لم تخلف وراءها سوى الخراب والدمار والتناحر لدرجة فقدان الأمل لدى الشعوب التي كانت موطن ذات الصراعات وتصفية الحسابات التي تمظهرت بين هذه الجهة أو تلك.
قد لا يستطيع المرء تحديد طبيعة وتوجهات وخلفيات كل مكونات الرأي العام (المحلي منها كما الوطني كما الإقليمي كما العالمي)، لكنه لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يحدد جهة لم تندد بالعدوان إما صوتا أو بالصورة أو بالنوطة الموسيقية أو بالبيت الشعري أو ما سوى ذلك بالشارع العام كما بالفضاءات الأكثر نخبوية وانغلاقا.
من الثابت إذن، بل من الداعي للتوقف حقا، ملاحظة أن الرأي العام بكل دول العالم، المتقدم منه كما اللامتناهي التخلف، المتسع القوة والحرية كما عديم الحرية ومقومات التنمية، قد استنفر بكل أشكال التعبير المتوفرة والمباحة، للتعبير عن تذمره ورفضه لقرار العدوان في شكله كما في مضمونه كما في الغايات الضمنية البانية له:
+ فالرأي العام المناهض للعدوان لم يتبن في ذلك الحركات الاحتجاجية بالشوارع أو أمام مقرات المنظمات الدولية أو سفارات الدول قائدة العدوان أو المؤيدة له شكلا ومضمونا، بل أبان (صحافة ومثقفين وباحثين وغيرهم) عن خلفيات ذات العدوان والأغراض الكبرى من شنه والخلفيات المؤسسة له والتداعيات التي من شأنها أن تترتب عنه حالا كما في المستقبل.
لم يعدم الرأي العام هذا وسيلة إلا وامتطاها، إذ لم ينحصر الأمر لديه عند المناهضة والاحتجاج بل ودفعت بعض من مكوناته بمتطوعين من بين ظهرانيها إلى العراق بغرض إقامة دروع بشرية قد يحول تواجدها دون ضرب العدوان لهذه الجهة أو تلك أو الحيلولة دون الاستفراد بهذه الفئة من العراقيين أو تلك.
ليس ثمة شك في أن الرمزية في كل ذلك إنما كانت المراد المقصود، لكنها بلغت أقصى حدودها عندما دفعت منابر إعلامية بصحفيين مراسلين لها ب"ميدان القتال" حالت الموت دونهم ودون تمرير ما اعتزموا موافاة المشاهد بتفاصيله أو بتجاوزات القائمين عليه.
+ والرأي العام بكل مكونات الضغط المتوفرة لديه، لم يكتف بالتنديد السلبي المتباين الشعارات والمتميز النداءات، بل تعدى الأمر لديه إلى التشهير من لدنه بغايات ذات العدوان وأهدافه الحقيقية: فالغاية من العدوان، في تصور العديد من مكونات الرأي العام، ليست " تحرير العراق" ولا عزل الرئيس صدام حسين ولا إزالة "أسلحة الدمار الشامل" بقدر ما هي استعمار للعراق ولنفطه، استهداف لعلمائه ومفكريه وتحكم في موقعه الجيواستراتيجي ومن خلاله في محددات اقتصاد العالم ومآل شركاته وشعوبه سواء بسواء.
لا يمكن أن يكون الأمر خافيا أو عصيا على الفهم من لدن هذا الفرد أو ذاك، فالمسألة في ذهن العديد من القوى المناهضة للعدوان على العراق قبل شنه كما خلال أطواره كما في حسم ذات الأطوار، لا تغذو غير كونها مسألة مصالح اقتصادية وجيوستراتيجية بالمقام الأول: فعقود "إعمار العراق" بدأ تسليمها حتى قبل أن تضع "الحرب" أوزارها ونسبة كل دولة (وكل شركة) تم الحسم فيها حتى قبلما يتم انهيار نظام الرئيس صدام حسين...وهكذا.
كلها أمور لم تكن متعذرة الاستساغة من لدن مكون الرأي العام هذا أو ذاك حتى وإن كان الاختلاف بالدرجة.
+ ثم أن الرأي العام، بالشوارع كما بالصحافة كما بالملتقيات الثقافية كما بغيرها، لم يكن له أن يغفل حقيقة أن العدوان على العراق وإسقاط نظامه لا يضمن فقط للولايات المتحدة التأكيد على أنها "سلطان العالم" بامتياز (دبلوماسيا واقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا وغيرها)، بل ومن شأنه أن يجعلها طاغوت العصر لا مصداقية أخلاقية لخطاب القائمين على حكمها أو ممارساتهم سواء بسواء.
لن يكون بمقدور أحد، فيما نتصور، أن يزايد على القول بأن الولايات المتحدة تقدم المصالح على الأخلاق، وتقدم مصالحها على مصالح غيرها (حتى وإن كانت ظالمة متجبرة) وتسترخص ضحايا غيرها من الشعوب إذا كان لها أن تضمن حياة جندي بسيط من جنودها، بل قد تدمر من يستعصي أمر الترغيب في شأنه حتى وإن كان لحين الأمد القريب حليفها أو كان في زمن ما صنيعتها أو أداتها للتوظيف بهذه الجهة أو تلك.
يبدو لنا، بالمحصلة إذن أن الرأي العام بكل مكوناته وبكل جهات ومناطق العالم، لم يكن في مستوى التنديد والتظاهر ضد العدوان، بل كان أيضا على دراية دقيقة بأهداف العدوان وغاياته والجهة المستفيدة من ذلك شكلا وجوهرا.
وعلى الرغم من كل هذا، فإن الغبن الذي طال ممارسات الرأي العام والضغوطات التي كان عرضة لها لم تتأتى إطلاقا من ضعف ما في منطوقه أو مضمون شعاراته أو صدقية الرسالة التي رفعها قبل العدوان وطيلة أطواره القصيرة المدى، بل من ثلاثة منطلقات حالت لربما دونه ودون الهدف المنشود من لدنه:
+ فالتحالف الأنجلوأمريكي الذي أقر مبدأ العدوان على العراق وقرر تنفيذه، لم يبال فقط بما تجمع ضده من معارضة دول وحكومات حتى الحليف منها في بعض الأحيان (اعتبرها ضمنا قاصرة وغير واعية بالرهانات القائمة)، بل واعتبر الاحتجاجات والمظاهرات والتنديدات (بالصحف كما من خلال المنابر الثقافية بالعالم أجمع) مجرد "مواقف غوغاء"، "لاتمثيلية لها" و" فوضوية" سرعان ما ستركن للصمت عندما يتراءى لجزء من مكوناتها أن لهم أقارب " بأرض المعركة"...أو أن لافائدة من المظاهرة والتنديد مادامت عجلة الحرب قد دارت ولم يعد لها من راد يذكر.
لم يكترث التحالف الأنجلوأمريكي بما يبديه رأيه العام فحسب، بل ذهب لحد تجاوزه وتغاضي الطرف عن موقفه ولكأن الذين يتظاهرون ويحتجون ويكتبون بالملايين، لا اعتبار لهم يذكر أو لا تأثير لهم في شأن " قضايا الأمة الكبرى".
+ والتحالف الأنجلوأمريكي لم يطعن، بالعدوان على العراق، في بنية نظامه السياسي المبني على قوى الرأي المضاد، بل وتجاوز ذات المواصفات والمقاييس لشن عدوان على دولة سلمت الدول والحكومات (كما استطلاعات الرأي العام) بضرورة شنها تحت غطاء أممي ودونما استفراد بذات القرار وهو ما رفضته الولايات المتحدة فحسب، بل اعتبرته "طعنا" في قدرتها (وهي القطب الأوحد) على " تأديب العصاة" و"إرجاعهم لمنطق الصواب" دونما احتكام لقرارات مجلس الأمن سنح التناوب الأممي ليس إلا لدولة من إفريقيا معدمة أن " تترأسه" وتأتمن على القرارات الصادرة عنه.
+ والتحالف الأنجلوأمريكي، بهذا العدوان، لم يهن رأيه العام الداخلي أو الرأي العام المتوافر بكل دول العالم، بل ودشن لمرحلة خطيرة على مؤسساته وصيرورته القائمة: فهو لم يستغن فقط عن رأيه العام الذي هو لب الديموقراطية التي يتباهى بها، ولم يستهن بأراء نخبته التي تعتبر ضمير أمته وضامن ذاكرتها الحاضرة والمستقيلية، بل ولم يتوان في قصف مجمع للصحفيين بفندق فلسطين ارتأى في تغطيتهم "تمردا على سلطانه وخروجا عن طاعته"...
إنه الزمن الأمريكي المطلق الذي لا يمكن لآليات ما، حتى وإن كانت الرأي العام، أن تعارضه أو تطعن في توجهاته أو تزايد على ممارساته...
جريدة العلم، 12 ماي 2003