تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي عن واقع الإعلام الديني بالمغرب

السؤال الأول: هناك شبه إجماع على تواضع الإعلام الديني المكتوب بالمغرب، إذا سلمتم معنا بهذه الفرضية، فما هي في نظركم أسباب ذلك؟ ولماذا هذه المحدودية في انتشاره؟

يحيى اليحياوي: عبارة الإعلام الديني بالمغرب بحد ذاتها غير دقيقة، على الرغم من الادعاء بأن التسمية تحتكم إلى المرجعية، أكثر ما ترتكز على الصفة أو الطبيعة أو الوظيفة. الإعلام هو بالبداية وبالنهاية إعلام، بمعنى أنه بالنظر للحامل كما للمضمون، فإن الرسالة تبقى هي نفسها، اللهم إلا ربما تباين الجمهور المستهدف، أو الأهداف المرتجاة من هذا المنبر الإعلامي أو ذاك.

من جهة ثانية، فأنا أتصور أن الإعلام بالمغرب، وبكل روافده، هو في حالة أزمة حقيقية، ويعيش حالة ضعف بنيوية، متأتية من ضعف المضامين، وتردي مستوى المقروئية، واحتداد المنافسة الألكترونية، وما سوى ذلك. الأزمة تطاول كل روافد الإعلام، وضمنها قطعا ما يسمى تجاوزا الإعلام الديني.

بهذا الجانب، جانب الإعلام الديني، أزعم أن وضعه المتردي بالمغرب، متأت بالأساس من مكانة ووظيفة الدين، والمستويات القائمة عليه بالشكل والمضمون. لنكن صريحين ونقول بأن المجال الديني بالمغرب هو احتكار للمؤسسة الملكية، بإطار إمارة المؤمنين. هي صاحبة الأمر والنهي، إرشادا وإفتاء واجتهادا، ولا سبيل بالتالي، لما سواها من مستويات، فردية أو جماعية، أن تزايد عليه في هذا المعطى الجوهري، الذي بات معطى ثابتا في المنظومة العقدية بالمغرب.

من هنا، فقد يتفهم المرء شيوع أكثر من منبر رسمي، يتناول الدين وفق هذه المرجعية، المرجعية أعلاه، لكنه من غير الممكن العمل من خارج المنظومة، اجتهادا أو تطلعا للإفتاء، ليس فقط على الواجهة الإعلامية، بل وأيضا بجهة البحث الأكاديمي الصرف.

ثم هناك معطى إضافيا عاما، ترتب على أحداث الحادي عشر من شتنبر، والعمليات الإرهابية التي قامت هنا أو هناك باسم الدين، ومفاده الخوف من الاقتراب من الدين، خشية السقوط في المحذور، أو في التأويل المفضي للإدانة.

بكل الحالات، أزعم أن المجال الديني هو مجال مغلق. ولما كان الأمر كذلك، فإن الوضع يشبه إلى حد ما وضع السوق: إذا قل منسوب المنافسة، كان للمحتكر الكلمة الفصل في العرض، وفي تحديد مواصفات السلعة المعروضة للبيع.

 السؤال الثاني: هناك من يرجع سبب قصوره إلى ضعف في المهنية، وغياب أطر متخصصة فيه، هل توافقون هذا الرأي؟

يحيى اليحياوي:  لربما قد يعزو المرء هذا القصور إلى غياب تكوين إعلاميين متخصصين في هذا الجانب من الإعلام. وقد يعزيه آخرون إلى حداثة الممارسة الإعلامية بالمغرب، وأيضا إلى حداثة حالات تعرض الإعلام لقضايا الدين، على ضوء ما جرى من أحداث بالعالم، أو داخل المغرب.

قد يكون بهذا الرأي أو ذاك بعض من الوجاهة. لكن الثابت فيما أتصور، أن الفعل الإعلامي المرتكز على المادة الدينية كمضمون، يبقى محكوما بطبيعة المجال ذاته، وهو مجال احتكار بامتياز. بمعنى أنه لو كان لنا أطر متخصصة في هذا الجانب، هل سيكون بإمكانها الخروج عن المنظومة القائمة؟ أنا شخصيا أشك في ذلك بقوة.

السؤال الثالث: هل هو مشكل في الخطاب التقليدي للمنابر الإعلامية الدينية بالمغرب؟

يحيى اليحياوي: أنا أتصور أن إحدى نقط ضعف المنابر الإعلامية، المتخذة من الدين مادة ومضمون تحليل، تبقى في غالبيتها العظمى، ذات طبيعة أبوية، إرشادية، توجيهية، وخطابها عمودي، كما لو أن الجمهور المستهدف لا يعلم شيئا عن قضايا دينه. وهذا خطأ، إذ المغاربة متدينون، ممارسون لدينهم، ويعرفون ما هم بحاجة إليه، إذا لم يكن لضبط المقاصد، فعلى الأقل لضبط الطقوس والممارسات.

وأزعم، من جهة أخرى، أن زمن الحديث في مبطلات الصوم والصلاة، أو طرق الاغتسال من الجنابة قد ولى. الناس اليوم بحاجة إلى الدين كعنصر تجنيد لمحاربة التخلف والفساد، وإشاعة القيم الحميدة والأخلاق السامية. إنهم بحاجة إلى الدين كمرشد للسلوك اليومي مع الذات ومع الآخرين. وهذا ما قد نجده ببعض المنابر، لكن بصيغة الأمر والنهي، لا بصيغة النصيحة وتبيان الضرر.

السؤال الرابع: أم هو مشكل في انعدام استقلاليته وتبعيته لجهات تتحكم فيه؟

يحيى اليحياوي: أنا لا أستسيغ كثيرا عبارة الاستقلالية بالإعلام، فما بالك عندما يتعلق الأمر بإعلام يتناول قضية حساسة كالدين، بجانبه الاجتهادي تحديدا. إن المجال الديني بالمغرب مجال احتكار بامتياز، والمنابر التي نراها هنا أو هناك محكومة في نصها وروحها بهذا المعطى، إذا لم يكن كواقع حال، فعلى الأقل كرقابة ذاتية مضمرة.

الإعلام في منطوقه وفلسفته، مجال حرية في التعبير والتفكير والرأي. عندما ترسم له الخطوط الحمر،  وتحدد له مجال الاشتغال، فإنك تنفي عنه جانب الاستقلالية، إذا لم يكن على مستوى تقديم الخبر، فقطعا في جانب تحليله والتعليق عليه.

السؤال الخامس: ما هي الرهانات التي تراها مناسبة لتحقيق انتشار واسع للإعلام الديني في المغرب؟

يحيى اليحياوي: سأكون مجانبا للحقيقة التاريخية لو قلت بأن تكسير الاحتكار هو الحل، وأنا أعلم أنه مصدر الشرعية الدينية القائمة بالمغرب منذ قرون. المطلوب لربما هو تليين هذا المعطى، بما يحفظ لمؤسسة إمارة المؤمنين مكانتها ورمزيتها، مع إفساح المجال للاجتهاد دونما حجر أو إقصاء أو منع.

يبقى السؤال هنا قائما بزاوية الصيغة المطلوبة. هذه الأخيرة هي بالتأكيد من وظائف الفقهاء والعلماء وإمارة المؤمنين.

* "يحيى اليحياوي عن واقع الإعلام الديني بالمغرب"، استجواب لمجلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أجري الحوار بتاريخ 6 دجنبر، ننشره هنا تعميما للفائدة، 12 فبراير 2009.

يمكنكم مشاركة هذا المقال