1- لمفهوم التطبيع، في السياق العام، خلفيتان إثنتان على شفا نقيض :
+ فهو إما "استرجاع" لحالة طبيعية من شكل ما، كانت طبيعية وحالت ظروف ما (ذاتية أو موضوعية) دون استمرارها...فوجب بالتالي اعتمادها من جديد أو تبنيها.
+ أو هو إصباغ لصفة "الطبيعية" على علاقة (أو علاقات) لم تكن كذلك من ذي قبل، لكنها أضحت، أو أريد لها بحكم الأمر الواقع، أن تضحو طبيعية أو مقحمة في السياق العام حتى وإن تسنى للفرد والجماعة النفور منها وتعذر القابلية لديهم على تمثلها والقبول بها.
وعلى هذا الأساس، فإذا كان للخلفية الأولى نماذجا تؤسس، محصلة الأمر، للقاعدة (قاعدة أن " يطبع" عربي مع عربي أو عربي مع مسلم مثلا)، فإن الخلفية الثانية تبقى الاستثناء الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبني للقاعدة أو يؤسس لها: خلفية أن يطبع المرء (عربيا كان أم مسلما أم سواهما) مع نظام للحكم منبني في شكله وجوهره على القمع أو الاستبداد أو الإقصاء، أو مع دولة مرجعيتها عنصرية أو صهيونية أو كليانية أو غير ذلك.
وإذا كان من الجائز (من الممكن أعني) أن يطبع فرد ما مع منظومة ما أو يتخذها بديلا عن منظومته في الحالات القصوى، فإن الأمر يتعذر لدرجة الاستحالة بالنسبة للجماعة، أي جماعة لا تربطها بما سواها من الجماعات منظومة من القيم مشتركة أو مرجعية ثقافية ورمزية موحدة.
ولئن كان من المستساغ أن تلجأ الدول والحكومات (على تباين مشاربها ومرجعياتها وطبيعة النظم السياسية القائمة من بين ظهرانيها) إلى التطبيع كسبيل لدرء مضرة محتملة أو استجلاب مصلحة ممكنة، فإنه من غير المستساغ فرضه على الشعوب أو العمل على تصريفه في تمثلها وإقحامه في منظومة قيمها كي يضحو أمرا مسلما به لدرجة الالتحام مع ذات المنظومة.
والسبب في ذلك لا يكمن فقط في كون ذات التطبيع قد تم إملاؤه من فوق، ولكن أيضا وأساسا لأن قابلية الشعوب في ذلك غالبا ما تكون متدنية إذا لم تكن منعدمة في المطلق.
لن نروم الحديث في هذا المقام في حالات التطبيع المعهودة (أعني ذات الصبغة السياسية أو الدبلوماسية أو التجارية أو الاقتصادية أو غيرها) بقدر ما سنحاول تبيان البعد الإعلامي الباني لذات التطبيع، المبرر لمرتكزاته، المساهم في تكريسه وإشاعته.
والتطبيع الإعلامي المراد الحديث فيه هنا تخصيصا، إنما هو ذاك الذي تعمل بعض من المنابر الإعلامية العربية (صحافة كانت أم تلفزيونات أم غيرها) على استنباته أو التبرير له أو التركيز على الداعين إليه في "علاقاتنا" مع دولة إسرائيل.
لا يعدم المدافعون على هذا الطرح (طرح التطبيع الإعلامي) الدفوعات ولا تتعذر لديهم سبل المرافعة:
°°- فما دام أولي الأمر، يقول هؤلاء، قد " طبعوا" مع إسرائيل واعترفوا بها وفتحوا لها المكاتب والقنصليات والسفارات وربطوا معها شبكات للاتصالات مباشرة ومسالك للمتاجرة وجالسوا مندوبيها بالهيئات والمنظمات الدولية بل استقبلوهم أفرادا وجماعات، ما دام كل هذا وأكثر قائم، فالواجب (شرعا يقول البعض) أن يتبع الإعلام ما رسمه السلطان بجهة فتح صفحات الجرائد لأقلامهم وتمكين ذوي الرأي من بينهم لمخاطبتنا ومنح إعلامييهم سبل التحدث إلينا "دونما حرج أو تعصب أو أحكام قيمة".
°°- ثم، يقول هؤلاء من جانب ثان، مادام "مثقفونا" (أو بعضا منهم على الأقل) لا يفتأوا يجالسون "نخبهم المثقفة" بالمنتديات كما في المناظرات، "فما العيب" أن يسلك الإعلام ذات المسلكية ويستضيف ذات النخب باستوديوهات فضائياته كما على أعمدة جرائده ومجلاته؟ ما "المانع"، يقول دعاة التطبيع الإعلامي، من اعتماد منهج اعتمده الحاكم وتبناه "المتنورون" من أبناء شعبه؟
°°- ثم، يتابع هؤلاء، مادامت إسرائيل قد أصبحت أمرا واقعا و"جزءا من منطقة" و" في وضعية تعايش مع أصحاب الشأن الأولين"، فلم تجاهلها إعلاميا أو تجاهل " ذوي النيات الحسنة من بين ظهرانيها" أو "اختلاق الذرائع" (في جزء منها ذاتية يقول هؤلاء) لا تقدم الإشكال بل " تساهم في تعقيده وتوتير الجو بين الجانبين"...وهكذا.
2- لا يقتصر سلوك الداعين للتطبيع الإعلامي (وهم من الصحفيين بالأساس) على الخطاب، بل يتعدى ذلك إلى مضمار الممارسة، إذ الذهاب إلى إسرائيل (تحت هذا المسوغ أو ذاك) لم يغدو أمرا يخجل الصحفي العربي، كما أن الجلوس إلى صحفيين من إسرائيل (بالقنوات الغربية خصوصا) لم يعد إشكالا مبدئيا من شأنه تحريم ذلك.
واستقطاب" أقلام متصهينة (من فصيلة فريدمان وغيره) من لدن هذا المنبر أو ذاك لم يعد أمرا مستحبا فحسب، بل أصبح مصدر اعتزاز وتفاخر...الخ.
وعلى هذا الأساس، فلم يعد بالعديد من المنابر الإعلامية (وعلى رأسها الفضائيات)، لم يعد استدعاء هذا الوجه أو ذاك من إسرائيل، أمرا يثير التحفظ أو التردد بقدر ما أضحى أمرا "طبيعيا" تماما كطبيعية استدعاء وجه عربي من هذا القطر أو ذاك...بل ولا يتوانى هؤلاء (المطبعون الإعلاميون أعني) في تأثيث الاستديو وترتيبه بغرض العمل على إجلاس إسرائيلي أو متصهين بين عربي وعربي أو بين عربي ومسلم.
ولئن كانت هذه الظاهرة سابقة بالتأكيد على مرحلة انفجار القنوات الفضائية بالعالم العربي (عبر استوظاف المنابر الصحفية المكتوبة أو قنوات الاتصال الغربية)، فإنها أضحت حقيقة جلية بعد ذات الانفجار لا تتخلف عنها إلا بعض "القلاع" التي لا تزال منظومتها السياسية والدبلوماسية غير خاضعة للتطويع أو للاستقطاب.
بالتالي، فالقنوات الفضائية التي اختارت لنفسها خطا تحريريا "مطبعا" لم تختره طواعية بل وبالأساس لأن أولي الأمر عليها هم أصلا "مطبعون" (دونما قدرة لديهم على الجهر بذلك) أو يدفعون ذات القنوات لجس النبض على خلفية من التطلع للتطبيع أو هم "مشاريع مطبعين" لم تتوفر لديهم السبل بعد لبلوغه أو تحول دونهم ودون ذلك منظومة " فكرية" دونها ودونهم الانتكاس.
ومعنى هذا أن معظم القنوات الفضائية (إذا لم نقل جلها) لم تعمد فقط إلى التمرير لما يمكن تسميته ب"إيديولوجيا التطبيع" (بما هي منظومة فكرية أضحت إسرائيل بمقتضاها جزءا من منطقة هي عربية وإسلامية بكل المقاييس) بل تراها سرعان ما تحولت إلى أداة لشرعنة ذلك كمقدمة "موضوعية" (يقول القائمون على ذلك) للتسليم بذات الأمر والبناء على فرضيته أو حتميته بل على كونه جزءا عضويا من " فضاء" كل كتب التاريخ براء منه.
3- لا يبرز الإعلام (والفضائيات تحديدا) في هذا الخضم أنه الباني والمطالب بالتطبيع، بل كونه "المساعد على ذلك"..الفاتح للمجال له شكلا ومضمونا.
وإذا لم يكن من بد موضوعي للمرء لمناهضة التطبيع (بكل أشكاله ومكوناته وخلفيات دعاته سيما مع كيان هتك الأرض والعرض)، فليس مرد ذلك تموقعا من لدنه ذاتي أو من قبيل رد الفعل، بل هو بالضرورة فيما يتراءى لنا، من كون التطبيع (سيما الإعلامي منه) هو مكمن خطر أقصى قد لا يكون في خضمه للتطبيع السياسي أو الدبلوماسي كبير قيمة واعتبار.
والقصد هنا هو القول بأن الإعلام كما الثقافة، إنما هما آخر قلعة تبدو لنا ولغيرنا في معادلة الصراع مع إسرائيل (ومع الصهيونية). والسر في ذلك لا يكمن فقط في كون التطبيع استيلابا (وهو كذلك دونما أدنى شك) ولكن أيضا لأنه (أي الإعلام) هو تعبير بالكلمة والصورة عن حرب سيميائية سيكون لإسرائيل بموجبها (إذا لم ننتبه وندقق في خلفيات اللغة) سيكون لها القدرة على استدراج منظومتنا وجعلها (سياسيا كما ثقافيا كما إعلاميا) المنظومة الأضعف أي المنظومة الأقل قابلية على المقاومة.
والمقصود هنا أيضا إنما القول بأنه حينما يتحدث إعلاميو إسرائيل (كما سياسيوها كما مثقفوها سواء بسواء) فهم يتحدثون بلسان إسرائيل وبلسان الصهيونية كائنة ما تكن توجهاتهم و"تحفظاتهم" على طبيعة الدولة القائمة أو سلوكيات حاكميها...هم تعبير صادق (وإن اختلفت طرق التعبير لديهم) عن كونهم "مهددين في محيط ليس محيطهم"...بالتالي، وجب (يقول جلهم) الاحتراز واعتبار اعتراف كل عربي (مهما دنا شأنه) "مكسبا" لا يجب الاستهانة به.
هم إذن دعاة تطبيع بامتياز، في حين نحن دعاة حق لا إعراب لدينا لمصطلح التطبيع. بالتالي، فلو كان لأطروحة "أعرف عدوك" التي يدفع بها المطبعون (بكل أشكالهم وأطيافهم)، لو كان لها من مصداقية تذكر، فإن للمتطرفين ضد التطبيع مسوغتهم الجوهرية التي تتجاوز ذات الأطروحة وتلغيها: "أعرف عدوك" ...نحن نعرفه خطابا بل نعرفه أكثر على مستوى الممارسة، أو ليس هو ذاك الذي يهدم المنازل على رؤوس أصحابها؟ أو لا يرى المطبعون ذلك كما نراه يوميا؟
هم يرونه دون أدنى شك... لكن بعيون أخرى غير عيوننا نحن.
* "في التطبيع الإعلامي"، جريدة العلم 09 فبراير 2003. القدس العربي، 25 مارس 2003. موقع الرباط، 13 يوليوز 2005.