تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"المنظمة تحاور الباحث يحيى اليحياوي: محنة التلفزة في تحديد هويتها"

رغم ما يثيره حقل الإعلام من نقاشات يومية تقريبا فإن التأليف بصدد هذا الحقل نادر أو أقل، إذ على مدى سنوات الاستقلال الطويلة يمكن أن نعد الكتب والدراسات الصادرة حول الإعلام المغربي على أصابع اليدين.

وهذه الملاحظة تؤكد بأن الإعلام في المغرب في حاجة ماسة إلى إعمال التفكير والتأمل والدراسة للخروج من شرنقة الدردشات الشفوية والنقاشات الدائرية التي غالبا ما تزيد من المعيقات التي يعاني منها هذا الحقل والفضاء.

ومؤلف يحيى اليحياوي "محنة التلفزة بالمغرب" مساهمة في الإجابة عن تلك الحاجة وذاك وحده يكفيه في التأكيد على أهميته، علما أن معظم المواضيع الواردة في الكتاب هي أصلا مقالات ودراسات نشرت معظمها جريدة المنظمة أواخر 1999 وبداية 2000. فكان جمعها ضروريا لأنها لا تتوفر فقط على الخيط الرابط لشتات صور التلفزة ومظاهر محنتها بل تطرق أيضا أبواب التلفزة من زاوية خاصة لباحث مجتهد.

ولتقريب القراء من هذا الاستجماع ومن أهم القضايا التي يطرحها كتاب "محنة التلفزة بالمغرب" (الصادر عن منشورات عكاظ بتقديم للأستاذ محمد الساسي) أجرينا الحوار التالي مع الأستاذ يحيى اليحياوي.

س: أصدرتم هذه الأيام كتابا بعنوان "محنة التلفزة بالمغرب"، لماذا الحديث عن التلفزة من منطلق المحنة؟

يحيى اليحياوي: قراءتي للمشهد التلفزي بالمغرب على خلفية المحنة التي تطاله منذ ما يزيد على أربعة عقود من الزمن استلهمتها حقيقة الأمر من مجموعة ملاحظات قلما يتم الاختلاف بشأنها:

+ الأولى وتتعلق بالهوية، هوية التلفزة ذاتها. هل هي "أداة" لعكس واقع الحال القائم أم " قاطرة" لجره باتجاه إصلاح ذات البين فيه. الظاهر منذ البدء (أي منذ استقلال المغرب) وإلى اليوم أن التلفزة لم تكن يوما هذا أو ذاك بمعنى أنها كانت ولا تزال جزءا من بنية لا بنية قائمة بذاتها، أعني جزءا من جهاز لا جهازا مستقلا له ذاتيته وهويته.

بالتالي فلا مجال للحديث عن هوية التلفزة بالمغرب إن نحن فصلناها عن هوية القائم عليها، المتحكم برسالتها، الراهن لحاضرها ومستقبلها، أقصد السلطة السياسية العليا للبلاد.

من هنا فمحنة التلفزة في تحديد هويتها جاءت كنتيجة لمحددات مادية ورمزية كبرى (من قبيل ربطها بالسيادة أو بتأسيس الدولة المركزية أو بتوطيد اللحمة الوطنية وغيرها)، ولرهانات خفية وظاهرة  من المتعذر معها أن تعطي واقعا تلفزيا آخر غير الذي عشناه و لا زلنا نعيش وفق مرجعيته.

+ الثانية وترتبط بتجليات أزمة الهوية تلك وما ترتب عنها من "خيارات" كان أعمقها استصدار الداخلية للمؤسسة التلفزية ارتباطا عضويا وتسييرا يوميا وفضلا عن ذلك تصورا وتدبيرا.

ولئن كنا لا نتوفر لحد الساعة على تقييم موضوعي لأكثر من عشر سنين من مصادرة التلفزة من لدن الداخلية، فإنه ليس من المجازفة في شيء اعتبار المرحلة إياها من أحلك مراحل العمل التلفزي ببلادنا شكلا ومضمونا. ففي ظلها عاش هذا العمل أقصى نسب التهميش والإقصاء والمنع والتلاعب بأذواق الناس ومشاعرهم أيضا.

+ الثالثة وتحيل إلى الصعوبة الجوهرية في استنبات مفهوم وقيم "المرفق العام" بالتلفزة وبغيرها من القطاعات المنظمة على شكل شبكي أو وفقه.

فمن الصعب التدليل على كون التلفزة بالمغرب مرفق عمومي ومن الصعب أيضا التدليل على أنها تفعل وفق منطق التنافسية والجودة. هي تارة هكذا وتارة ذاك (خطابا بالأساس) وهي تسير وفق ما أريد لها مركزيا أن تسير.

هذه الملاحظات وغيرها هي التي على أساسها وظفت مصطلح المحنة بالتلفزة في المغرب شأنها في ذلك شأن الاتصالات والماء والكهرباء والنقل والسكك الحديدية وما شابهها، وهي أمور أشرت لها بالتفصيل في الكتاب.

س: من الواضح أنك أفردت الحديث في هذا الكتاب عن الإشكال التلفزي من منطلق المحنة كما ذكرت، لكن الحاصل أن المحنة إياها إنما هي أساسا انعكاس لمحن أخرى إن صح التعبير؟

يحيى اليحياوي: من دون أدنى شك، وهو ما حاولت تبيانه احتكاما إلى السياق العام الذي اعتملت في إطاره التلفزة بالمغرب واشتغلت وفق تصورات القائمين على الشأن العام تصورا وترجمة إلى واقع حال.

وعلى هذا الأساس فأنا مقتنع بأن محنة التلفزة بالمغرب هي أصلا وفي جوهرها من أربع محن أخرى على الأقل:

°- هي أولا من محنة الجسد الإعلامي برمته. بالتالي فما ينطبق على الكل تعيشه الأعضاء الأخرى من تلفزة وإذاعة وصحافة ومصادر إنتاج الخبر...الخ.

أنا أقصد بمحنة الجسد الإعلامي ما عاشه هذا الجسد جراء اختراقه من لدن رهانات السلطة والرمز والمال. لا أقصد هذا فحسب بل  أيضا غياب أو تغييب الأدوات التي من شأنها تحديد قواعد اللعبة بوضوح بداخل هذا الجسد أي من لدن القائمين عليه أنفسهم.

بالتالي فالإشكالية الإعلامية (وبداخلها إشكالية التلفزة) لم تصغ بعد أو لنقل لم تصغ الصياغة الصحيحة وهو ما يجعلها متذبذبة، غير مؤطرة وفي ورطة جراء طفرة البث الفضائي وتعدد القنوات وتحول أذواق مستهلكي المادة الإعلامية أفرادا وجماعات.

°- وهي ثانيا من محنة استنبات القيم الديموقراطية ببلادنا إذ لا مصداقية "لعمل إعلامي" (وتلفزي أساسا) إن كان يستمد شكله ومادته من الفكر الواحد والعقلية الواحدة التي تفرضها وتدفع بها مراكز القرار.

معنى هذا أن التلفزة طيلة الأربعة عقود الماضية لم تعكس "الحاجة الديموقراطية" التي عبرت عنها حركية المجتمع ولم تساهم فيما يمكن أن نسميه تجاوزا "مسار الانتقال الديموقراطي" الذي يراد له أن يكون شعار المرحلة الحالية.

أنا لا أتحدث هنا من باب فصل السلط وتكريس الإعلام سلطة رابعة (فهو مطلب مستبعد حاليا فيما يبدو)، لكني ألمح إلى ضرورة تحويل التلفزة إلى "باروميتر" لقياس "التطور الديموقراطي" المروج له. بالتالي فمن المفروض أن تكون التلفزة ترجمة للغبن السياسي الذي نعيش (مؤسسات وذهنيات) وعاكسا حقيقيا للحركية المختملة بين ظهرانينا ودافعا بقيم الديموقراطية من داخلها، وهو أيضا أمر صعب المنال حاليا ما دامت الإشكالية السياسية (وفي عمقها الديموقراطية) لا تزال تراوح مكانها ومتأرجحة الخطى.

°- ومحنة التلفزة هي أيضا من محنة الثقافي بما هو ضمير الأمة وسر فعلها وتفاعلها مع الذات ومع الآخر. صحيح أن الثقافي ببلادنا في غبن شديد جراء تزايد " قيم" الارتزاق والربحية وتوظيفه كمدخل " للوصول" لكنه أيضا في غبن أشد داخل التلفزة نتيجة تجذير "الثقافة المخزنية" التي يدفع بها القائمون على الشأن التلفزي.

بمعنى أن "الثقافة التلفزية" السائدة داخل المؤسسة لا تتعامل مع الإشكالية الثقافية العامة إلا بالقدر الذي يخدمها ويقويها، وهو أمر يسهل التدليل عليه باستقراء بسيط للمواد "الثقافية" المعروضة على أساس كونها ثقافة.

هناك جانب آخر لا بد من التوقف عنده، وهو البعد اللغوي في العمل التلفزي.

والبعد اللغوي الذي أعني هنا لا يحيل إلى اللغة (أو اللهجة المستخدمة) كأداة تواصل ووسيلة إعلام وإخبار ولكن إلى الخلفية القمينة وراء هذه الأداة أو تلك الوسيلة. فبقدر ما يدفع باللغة الفرنسية استرضاء للفرنكفونية والمستلبين من بيننا، بقدر ما تقصى اللهجات ولكأنها غير موجودة أو لكأن لا وجود لتعددية لغوية ببلادنا.

وعلى هذا الأساس فلا مناص من إعادة الاعتبار لهذه اللهجات وتصفية الإرث الإيديولوجي للفرنكفونية التي لا زالت التلفزة إحدى قلاعها تماما كما أن لا مناص من إعادة الاعتبار للثقافي خارج التلفزة وداخلها.

°- والمحنة بالتلفزة هي أخيرا من محنة المشروع المجتمعي الذي لم تنجح النخب ولنقل تدقيقا لم يكن من مصلحتها تحديده أو على الأقل الاشتغال وفق إطاره العام.

وعلى أساس ذلك فمن غير الممكن الحديث في مشروع تلفزي طالما المشروع المجتمعي (بما هو إطار اشتغال وسبيل تجنيد) غير محدد وغير قائم. بالتالي فسيبقى الكلام في المشروع التلفزي من باب الخطاب الاستهلاكي ما دام أفق ومكونات المشروع المجتمعي غير محددة ومضبوطة.

ما أود التركيز عليه مما سبق من حديث أن محنة التلفزة بالمغرب هي عموما من هذه المحن كلها مجتمعة وبمستويات متباينة ومن المبالغة القول بإمكانية فصل بعضها عن البعض الآخر، فهي تسير مجتمعة وتتفاعل بعمق.

س: هل يعني هذا أن غياب الظروف الموضوعية التي تعيشها التلفزة بالمغرب هي التي حالت دون ممارسة تلفزية في المستوى المطلوب؟

يحيى اليحياوي: الظروف الموضوعية التي تحدثت عنها لم تفرز ممارسة تلفزية متدنية أو فعلا تلفزيا دون المستوى بل أفضت طبيعيا إلى تحويل المؤسسة التلفزية إلى آلة لإنتاج الرداءة في الشكل والجوهر ومستودعا لضعف الكفاءات ووكرا للربح السهل والزبونية والارتزاق والتقرب من ذوي السلطة والمال.

بالمقابل استصدر الرأي الآخر والفكر الآخر وغيبت وجوه وأقلام وكفاءات وإلا فما معنى إقصاء العديد من الفنانين والمفكرين والمبدعين؟ وما معنى التضييق على من لديهم الكفاءة لدرجة " تهجيرهم" لقنوات خارجية وترحيلهم لفضاءات  اعتبرت إلى حين عهد قريب نموذجا للانغلاق والتحجر كدول الخليج مثلا، وما معنى الاحتجاجات المتتالية التي يقوم بها العاملون جراء التضييق المادي والمعنوي الذين هم عرضة له بانتظام؟

الظاهر فيما يبدو أن القائمين على الشأن التلفزي ببلادنا، وعلى الشأن العام إجمالا، أنهم لم يتمثلوا بعد التحولات التي يعيشها العالم من حولنا ليس فقط فيما يتعلق بالطفرة التكنولوجية في ميدان الإعلام والاتصال أو فيما يرتبط بالمعرفة والعمل كمصدر  للثروة جديد، ولكن أيضا فيما يخص التسابق العالمي لاستقطاب الكفاءات العالية وفيما يتعلق بالرهانات الاقتصادية الكبرى التي سيجرها الإعلام والاتصال في الألفية الثالثة.

ثم هم لم يتمثلوا بعد بما فيه الكفاية حركية المجتمع المغربي وتطلعه لتلفزة تعكس وجه واقعه الحقيقي وتطلعه إلى الحق في الإعلام الصحيح والاتصال بوسائل العصر وأدواته.

أنا أعتقد أن الممارسة التلفزية الحقيقية لا يمكن أن تستنبت في أرضية تتحكم فيها اعتبارات السلطة و لا يمكن أن تستقيم بتغييبها لموقف الرأي العام واحتكامها إليه لا إلى سواه، ولا يمكن أن تقوم حتى (قياسا إلى ما تعرفه معظم تلفزات العالم) إن هي بقيت متقوقعة في دورها الإخباري الجاف عوض ارتكازها على مبدأ التواصل مع الجمهور والاستماع إلى تطلعاته.

س: لنعد بعض الشيء إلى المرحلة التي ألحقت بها وزارة الداخلية التلفزة بالمغرب، ما التقييم الأولي الذي يمكن أن نقدمه؟

يحيى اليحياوي: سؤالك يوحي بأن الإلحاق قد انتهى والوصاية قد ولت احتكاما إلى تعيين مدير جديد للتلفزة. بالعكس ف "المشرف العام" على الإذاعة والتلفزة (أقصد المدير العام) لا يزال في منصبه وهو كما نعلم موظف بوزارة الداخلية برتبة والي مكلف بإدارة الإذاعة والتلفزة منذ سنين عدة. والسؤال يوحي لي أيضا بثنائية "الشخص والعقلية" التي تزامنت ووصول الحكومة الحالية إلى السلطة منذ سنتين.

قد يكون صحيحا أن الشخص يذهب والمؤسسة تبقى. وقد يكون صحيحا أن العيب في العقليات وليس في الأشخاص، وقد لا يقل عن ذلك صحة القول بأن ما لم تتحرك البنية فإن ذهاب الأشخاص أو إيابهم لا يؤثر كثيرا. لكن المحنة مرة أخرى بالمغرب تكمن في مسألتين:

+ الأولى أن الموظفين السامين غالبا ما يبقوا ببلادنا على رأس المؤسسة إلى حين وفاتهم أو يبلغوا سن التقاعد (الذي قد يمدد أوتوماتيكيا لحد الوفاة) بالتالي تتشخصن المؤسسة التي يرأسونها لحد الاندغام وتبقى معلولة بعلتهم إلى ما لا نهاية، هذا إذا لم يترتب عن سوء تسييرهم إفلاس المؤسسة معنويا وانفلات سبل معالجتها.

+ الثانية أن طريقة تعيين هؤلاء الموظفين تخضع لتراتبية يتعذر على الوزير الوصي معها "زعزعته" من مكانه أو استبداله أو إقناعه بضرورة اعتماد مشروع ذات الوزير.

لو أسقطنا هاتين المسألتين على المؤسسة التلفزية بالمغرب للاحظنا المفارقة الصعبة: فالمدير العام للإذاعة والتلفزة موظف بالداخلية معين بظهير ورئيسه المباشر هو وزير الداخلية، ووزير الاتصال عضو في حكومة معين بظهير ولا رابط إداري بينه وبين المدير العام على الرغم من كونه الوزير الوصي (على الأقل وفق التقاليد المعروفة).

هذا الاعوجاج المصطنع لا يمكن أن تستقيم معه مقولة "الشخص والعقلية" التي جازف بها وزير الاتصال في بداية التجربة الحكومية الحالية.

بالتالي، وعطفا على سؤالك فيما يخص تقييم مرحلة الداخلية بالتلفزة، أقول بأن هذه المرحلة لم تنته بعد حتى تقيم التقييم الموضوعي الوافي. فمعطياتها لا زالت تشتغل ومرجعيتها لا زالت تعتمل والسياق العام لم ينذر بالتغيير ...والتلميح هنا لا يخص الفاعلين فحسب ولكن أيضا الخلفية التي تتم وفقها الممارسة الإعلامية: فالمعالجة الأمنية لا تزال هي الطاغية وإيديولوجيا الفكر الواحد لا زالت هي السائدة ورداءة الشكل والمضامين لا تزال هي المهيمنة وقس على ذلك.

س: إذا كان كل هذا صحيحا، ففي أي سياق تضع تعيين مدير التلفزة الحالي؟

يحيى اليحياوي: هذا السؤال يثير في ذهني أمران أساسيان:

الأمر الأول أن الملك مدرك تمام الإدراك من خلال تعيين مدير جديد أن الأداء التلفزي السائد لحد الآن كان ولا يزال دون المستوى ولربما أيضا دون رهانات "العهد الجديد". بالتالي فمن المفروض أن تستتبع هذا التعيين ممارسة تلفزية جديدة في الشكل وفي الجوهر. هذا رأي سنرى درجة صحته حين تكتمل الصورة قياسا إلى الخواتم.

الأمر الثاني والأهم وهو أن البناء العام لا يزال على تركيبته. فالمؤسسة لا تزال ملحقة من ملحقات الداخلية وفصلها عن هذه الأخيرة بغاية إلحاقها بوزارتها الأم لم تتم بعد. وقد لاحظنا تغييب وزير الاتصال في حفل تسليم السلط بين المديرين وكما لو أن الإشارة هي باتجاه تعميق المحنة التي يعيشها ذات الوزير.

هذان الأمران يدلان، بما لا يدع مجالا للشك، بأن التحديد الواضح لقواعد اللعبة غير مرغوب فيه أو لنقل متفائلين لم يصل موعده بعد. المطلوب باختصار هو تفكيك البناء التلفزي الحالي وإعادة بنائه من جديد على أسس واضحة تبين الارتباطات وتسهل سبل تقييم الأداءات...الخ.

س: هل يمكن إذن اعتبار تعثر الحكومة الحالية في تناول ومعالجة الملف السمعي-البصري هو من مخلفات استصدار السلطة لهذا الملف؟

يحيى اليحياوي: هذا أمر واقع لا مجال للمزايدة بشأنه. فتعيين وزير الاتصال لم يستثن بقاء التلفزة بيد الداخلية ما دام وزير الداخلية نفسه لم يتم استبعاده من التجربة على الرغم من الاعتراضات والتحفظات التي أثارها وجوده بداية المطاف.

لو كان منطق "الشخص- العقلية" الذي تحدثنا فيه من ذي قبل صحيحا، فما الذي حال دون تغيير عقلية وزير الداخلية السابق كي يتخلى على مؤسسة هي بكل المقاييس الموضوعية من اختصاص وزير آخر يجالسه تارة تحت رئاسة الوزير الأول وتارة بمجلس الوزراء؟

ما الذي منع الوزير الأول من تليين عقلية وزير الداخلية بغرض تسهيل التواصل بين وزير للاتصال وموظفين من المفترض أن يكونوا مرؤوسيه ومنفذي سياسته وتوجيهاته؟

ما معنى أن يمنع برنامج تلفزي كانت قناة الجزيرة تعتزم تقديمه من مبنى التلفزة المغربية ومنع نهاية المطاف على الرغم من موافقة وزير الاتصال؟

الواقع أن المقاربة الأمنية التي أريد لمؤسسة التلفزة أن تشتغل وفقها هي القاعدة والمرجعية لدرجة لم تستطع "حكومة التناوب" خلخلة بنيانها وأدوات فعلها ولربما كانت ضحيتها هي نفسها على اعتبار التعتيم الذي عاشته نشاطاتها في ظلها.

على النقيض من ذلك (وهنا المفارقة الأخرى) نلاحظ أن ذات الحكومة استلطفت فيما بعد الأداء التلفزي لمجرد أنه يبرز تدشينات وزرائها ويمنحهم فرص الظهور على الجهاز لتبرير مشروع أو تمرير قرار أو تغطية استقبال.

الأخطر من ذلك أن "حكومة التناوب" عملت بدورها بدفوعات الهاجس الأمني عندما مارست التعتيم على الأحداث الأخيرة بالأقاليم الصحراوية وحذرت حتى وسائل الإعلام الأخرى من مغبة التعرض لأحداث في غاية الدقة والحساسية كهذه الأحداث وغيرها.

يبدو الأمر إذن ولكأن هناك توافقا من نوع ما على ضرورة إلحاق بعض الرتوشات على الشكل (وحتى المضمون) مع الاحتفاظ الضمني بالخلفية التي يعتبر الهاجس الأمني منبعها وأداتها.

س: هل يعني هذا أن الحكومة الحالية لا تتوفر على مشروع إعلامي وبداخله المشروع التلفزي؟

يحيى اليحياوي: أنا شخصيا لم اضطلع على مشروع من هذا القبيل. لكن الرائج أن هناك مشروعا "متكاملا" سلم للملك ولم يتم البث فيه بعد. ولربما على ضوء هذا" المشروع" تتحدث الصحافة عن تحرير للفضاء السمعي-البصري والمطالبة بخلق مجلس سمعي-بصري أعلى وتحيين النصوص المتعلقة بالحريات وغيرها، وهي كلها أمور أساسية لكنها غير كافية طالما لم يتم تفكيك المحددات المادية والرمزية التي حكمت ذات الفضاء لأكثر من أربعة عقود.

أعتقد أن وضع السمعي-البصري ببلادنا معروف ومكامن خلله متعارف عليها وسبل الخروج من هذا الوضع شبه متوافق بشأنها وقد لا نشكك كثيرا في الإرادة لتغيير الوضع، لكن كل هذا يبقى محكوما بمبدأ القدرة على التنفيذ، إذ الإرادة غير كافية ما لم تواكبها القدرة على الفعل تماما كمن يحدد سياسة اقتصادية ولا يملك القدرة على تنفيذها أو الوسائل لترجمتها إلى واقع ملموس.

هل للحكومة الحالية القدرة على تحريك الملف؟ لست متأكدا بالاحتكام إلى "عطائها" في هذا الميدان بعد حوالي سنتين علما بأنه كان من أولوياتها الكبرى لدرجة التشدق في أول تصريح حكومي بالعزم على بناء مجتمع للإعلام والمعرفة. وهو يتطلب في فضاءات أخرى بنى تحتية ضخمة ومتنوعة إلى غير ذلك. وعلى أية حال فلننتظر ولنحتكم إلى خواتم الأمور.

س: لو سلمنا بوجود وبجدية هذا المشروع فلن يخرج في كل الأحوال عن إصلاح ما هو متواجد عوض أن يؤسس للقطيعة مع الممارسة التلفزية السائدة كونها أبانت عن إخفاقها؟

يحيى اليحياوي: عمليا ليس بمقدور "حكومة التناوب" تغيير الأمور لحد القطيعة على الرغم من شعار التغيير الذي ترفعه وتشرعن لقيامها على الشأن العام. هناك على الأقل وعي باستحالة استمرارية سيناريو الواقع السائد، وهذا مهم. وهناك إرادة للإصلاح من دون شك لكنها تبقى من داخل المنظومة القائمة لا من خارجها وهو لربما ما سيعطي لسيناريو الإصلاح طابعا ترقيعيا محضا (لاحظ مثلا الصيغة الترقيعية التي على أساسها سيتم إنشاء قناة " فضائية مغربية" مزيجا من برامج التلفزة الأولى والثانية وهو ما لا معنى له).

قد يتوافق سيناريو الإصلاح هذا مع خطاب "الوضعية الانتقالية" الذي تدفع به الحكومة الحالية، لكنه يبقى دون سبل التغيير المراهن عليها والمطلوبة.

يبقى إذن سيناريو التغيير من منطلق القطيعة مع الممارسات السائدة (في التلفزة وفي سواها) وهو المرغوب فيه والمفروض قيامه على اعتبار تغيير الرهانات وحركية المحيط من حولنا وحركية المجتمع أيضا، وهو ما أسميه بضرورة تفكيك البناء التلفزي وإقامة آخر على أنقاضه.

قد يتعذر بلوغ هذا السيناريو لكنه، في تصوري، هو الإيجابي والأجدى كذلك. ومهما يكن من أمر فمن غير المنطقي أن نطالب حكومة باعتماد سيناريو التغيير ما دامت لم تفكك آليات سيناريو الاستمرارية وكي تبلغ مستوى الإصلاح، من هنا أيضا يعاد طرح السؤال: هل للحكومة الحالية مشروع تلفزي؟

س: هذا يجرنا إلى إشكال آخر، إشكال النقد التلفزي عبر الوسائل المكتوبة والذي تساهم فيه حتى صحف الحكومة الحالية، ما معنى أن تنتقد هذه الصحف أداء الحكومة على المستوى التلفزي؟

يحيى اليحياوي: أولا ليس بمستطاعنا أن نعتبر الأداء التلفزي الحالي من صنع الحكومة الحالية على اعتبار أن الممارسة والقائمين على الشأن التلفزي لم يتغيروا. الحكومة إذن ووزيرها في الاتصال براء من هذا الأداء من ناحية المبدأ على الأقل.

ثانيا ما دامت المادة المنتقدة قارة لم تتحول، فمن الطبيعي أن تبقى نبرة النقد الصحفي للتلفزة على حالها. بمعنى أنه من البديهي أن تبقى حدة الانتقاد في بقاء وقارية المادة والجهاز اللذين يلهمان المنتقدين. هناك إذن استمرارية صارخة لكلا الحقلين.

ثالثا، وهذا هو الأدهى، أن وزير الاتصال نفسه عاجز ويندد بواقع الحال القائم دونما قدرة على الفعل طيلة الشهور التي اشتغل فيها. بالتالي كان من الأولى أن يرحل مادام لم يستطع لا تغيير الأشخاص ولا تغيير الذهنيات (مع التذكير بأن فضل تغيير مدير التلفزة لا يعود بأي حال من الأحوال إليه). لكن بصرف النظر عن هذه الأمور فالنقد التلفزي بالصحافة في المغرب يثير في ذهني حقيقة الأمر مجموعة ملاحظات أساسية:

+ الملاحظة الأولى، أنه نقد مكرور ويدور في حلقة مفرغة. فهو إما قدحي (وله مبرراته في ذلك) وإما شكلي أي لا يعالج من القضايا المطروحة تلفزيا إلا شكلها، لكنه يبقى بعيدا كل البعد عن مبدأ التأسيس.

+ الملاحظة الثانية أنه لا يمارس من لدن مختصين في العمل التلفزي أو متخصصين في المجال السمعي-البصري. بالتالي يبقى عموما إما من باب الهواية أو من قبيل ردود الفعل على مادة أو برنامج أو ذاتيا لكن غالبا ما يكون بعيدا عن الموضوعية في التحليل أو المنهجية في الانتقاد.

+ الملاحظة الثالثة أنه لكل هذا ولغيره ربما لم ينفذ إلى عمق الإشكال ولم يتحول إلى لوبي (بالمعنى التأثيري للكلمة) كي يضغط على صناع القرار ويدفعهم إلى تغيير الاختيارات.

من الوارد أن يكون معهد الصحافة مقصر في تكوين متخصصين. ومن الوارد أيضا أن معهدا واحدا غير كاف للقيام بهذه المهمة. لكني متأكد من أننا بالمغرب بحاجة قصوى إلى أقلام متخصصة في النقد التلفزي.

س: اعتبارا لما ورد كيف تتصورون مشروعا تلفزيا للمغرب في القرن الحادي والعشرين؟

يحيى اليحياوي: أولا يجب أن نعترف بأن التلفزة بالمغرب (وغيرها دون شك) لم تشتغل يوما وفق تصور محدد يجعلها أداة لعكس واقع حالنا أو قاطرة تجندنا باتجاه التنمية والديموقراطية والحق في الإعلام. التلفزة بالمغرب كانت ولا تزال بوقا للسلطة ولم تكن يوما سلطة، أعني أن كلمة السلطة هي السائدة ولم يكن من أثر لسلطة الكلمة.

ثانيا يجب أن نعترف بأن الاستمرارية على هذا المنوال أصبحت مستحيلة، والإصلاح في إطار الاستمرارية غير ذي فائدة كبرى والتغيير (من منطلق القطيعة) لا بديل عنه. الإعلام من حولنا أصبح أداة تنافس ومصدر رهانات وقلب العديد من التحديات...والدول لم تعد تستثمر في إنتاج السلع والخدمات التقليدية بقدر ما أصبحت تراهن على الاستثمار في البحث العلمي والمعرفة والقيمة المضافة المتأتية من الشبكات.

ثالثا، يجب أن نعترف بأن العمل التلفزي لا يمكنه أن يستقيم إن هو وظف لخدمة إيديولوجيا محددة (للسلطة ولغيرها) ولأغراض تحوله عن الأدوار الجديدة التي من المفروض أن يقوم بها.

لو سلمنا بهذه الأمور واعترفنا بها، فإن المشروع، في تصوري، ستسهل صياغته وستتوفر إمكانات نجاحه.

محمد العوني، جريدة المنظمة، يومية، 16-17 أبريل 2000 

* "محنة التلفزة بالمغرب هي محنة هويتها"، استجواب، جريدة المنظمة، 16-17 أبريل 2000.

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال