تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عولمة القيم ... صراع الحضارات"

news-details

التساؤل في وعن عولمة القيم، بارتباط وموضوعة صراع الحضارات، لا يمكن  أن  يمر دونما إثارة للكثير من اللبس وبعضا من التحفظ أيضا : فعولمة القيم تعطي (في صلبها ومظهرها) انطباعا إيجابيا عن العملية في حد ذاتها على اعتبار أن موضوعة القيمة تشي ضمنا بالإيجاب إذا لم يكن في المطلق فعلى الأقل بصورة نسبية...لكنه انطباع قائم على أية حال.

صراع الحضارات، وتحديدا بالقياس إلى ما يروج من أدبيات بالغرب كما بالشرق، يضم بين ثناياه بعضا من عناصر التنافر والممانعة، بل قل من عناصر الصراع المفضي إلى المواجهة ، المحيل على الاحتراب. بالتالي فنحن بإزاء معادلة طرفاها غير متوازنين، عناصرها متنابذة لحد التناقض  لدرجة قد تتعذر معها سبل المقاربة الموضوعية.

ما السبيل إذن لمقاربة معادلة من هذا القبيل في شموليتها؟

أزعم أنه لو بدا الأمر نسبيا هينا من الزاوية الوصفية الخالصة (و لربما الإجرائية أيضا)، فإنه يبدو متعذرا أيما يكن التعذر من ناحية المقاربة المنهجية أوالتحليلية، بل وقد يكون غير ممكن حتى من الناحية العلمية.

وعلى هذا الأساس، فإذا كان بالإمكان التعرض للجانب الأول من المعادلة، فإنه من الصعب حقا ربطه بطرف المعادلة الثاني.

+ ولما كانت كل الإشكالية المطروحة هنا متمحورة حول العولمة فإنه من الوارد الانطلاق من المسلمة التالية كنقطة ارتكاز أولية:  أتصور أن العولمة، في محدداتها وأدواتها وآليات اشتغالها وطبيعة فاعليها الكبار،  إنماهي ظاهرة اقتصادية بامتياز... ربطها ببعض من الظواهر أو الحقول المعرفية الأخرى ( من قبيل السياسة أو الثقافة أو الهوية أو الحضارة أو ما سواها) يدخل في زعمنا  إما في إطار الإسقاط (من باب الموضة في الغالب الأعم) أو من باب التأكيد على التبعات والتداعيات والانعكاسات ليس إلا.

بالتالي فالظاهرة (ظاهرة العولمة) إنما هي تعبير عن حركية، عن مسلسل تتم بمقتضاه عمليات تصميم وإعداد وإنتاج السلع والخدمات (المادية منها كما اللامادية) من لدن فاعلين ذوو توجه عالمي، وفق مقاييس عالمية، محددة من لدن منظمات عالمية، بغرض سوق عالمي، وبجهة مستهلك عالمي تكون المرجعية الوطنية بداخل هذه المنظومة كلها مستوى من المستويات المختلفة القائمة، لكنها ليست بأي حال من الأحوال المستوى المحدد لحاضر الاقتصاد العالمي أو لمستقبله. قد تكون مستوى مهيمنا إلى حد ما،  لكنها ليست المستوى المحدد لفلسفة رأس المال ولا للطبيعة التي يخضع لها في تراكمه أو في حله وترحاله.

الجوهر  في الظاهرة  اقتصادي صرف، على ما يتراءى لنا، حتى بوجود عناصر لااقتصادية لا تبدو لنا ذات وزن كبير إلا على مستوى التداعيات أو العوامل المصاحبة أو الفاسحة في المجال للظاهرة في واقع حالها كما في مآلها المستقبلي.

+ "مصدر تشريع" الظاهرة؟ مصدره  السوق واقتصاد السوق بالتحديد...ما سوى ذلك، في نظر غلاة العولمة على الأقل، إنما هو  عنصرطارئ  قد يؤسس للاستثناء لكنه لا يستطيع أن يبني للقاعدة السائدة: مارغريت تاتشير قالت يوما "إنها تعرف جيدا ما هو السوق، لكن ليس لديها أدنى معرفة بما قد يكون عليه المجتمع".

لا يقتصر السوق هنا على مظهري العرض والطلب ذي الخلفية النيوكلاسيكية المعروفة ولا على طبيعة الملكية التي تؤثث له التمظهر والشكل...إنه السوق بالمعنى الشامل والشمولي الذي يحدد كل شيء بما في ذلك طبيعة العلاقات الاجتماعية والثقافية والهوياتية وما سواها لدرجة يذهب معهاغلاة العولمة  لحد وضع السوق فوق المجتمع جملة وتفصيلا.

بالتالي فأطروحة من قبيل أطروحة "مجتمع السوق" إنما تجعل من هذا الأخير (السوق  أعني) الناظم الأساس ليس فقط للعلاقات الاقتصادية بفضاء السوق، بل العنصر المحدد لكل العلاقات الأخرى السياسية والثقافية والاجتماعية والترابية وما دونها حتى.

 + "خلفية التشريع" الثاوية وراء الظاهرة (ظاهرة العولمة)؟ الخلفية هي الديموقراطية  "الجديدة" التي اعتبرها فوكوياما الأخيرة والوحيدة، أي "ديموقراطية السوق" (السوق السياسي تحديدا) وما يستتبع ذلك من طروحات رائجة ومروجة حول الليبيرالية وحقوق الإنسان وحريات التعبير والتفكير وما سواها.

وعلى هذا الأساس، فإن العولمة لا تقبل إلا بطبيعة الديموقراطية هاته ولا تسمح بقيام ديموقراطيات أخرى منافسة لها أو بديلة عنها حتى وإن افترض الأمر التدخل العسكري المباشر (باسم "حق التدخل") أو التضييق الضمني أو الحصار بكل أصنافه وأشكاله.

+ ثقافة العولمة، ما عساها تكون؟ ستكون حتما ثقافة السوق وثقافة اقتصاد السوق المبنية على الفردانية والمصلحة والذاتية والبقاء للأقوى، أي للأقدر على المنافسة، للأقدر على الصمود بالسوق بهذه الوسيلة أو تلك.

 ما الذي بالإمكان استنتاجه مما سبق من حديث؟

ثلاثة استنتاجات أولية كبرى:

+ الأول أن العولمة تتجه وباضطراد كبير بجهة التوحيد، توحيد الأسواق الوطنية ودمجها في السوق الأكبر والأقوى بغرض خلق سوق عالمي لا مكانة بصلبه للحدود الوطنية أو للجمارك الوطنية أو للسياسات الاقتصادية الوطنية أو للدولة الوطنية أو لما سواى ذلك.

السوق العالمي المنشود (الواسع والموحد) ليس بالضرورة فضاء واقعيا أو ترابيا، بل هو سوق  افتراضي (سيما مع ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال وانفجار الشبكات الألكترونية وفورة الفضائيات وغيرها) يتماهي فاعلو العولمة الكبار في ظله تماما كما لو أنه حقا فضاء واقعي.

بالتالي، فهو ليس سوقا اقتصاديا محضا فحسب، بل وأيضا (وبالتزامن مع ذلك) سوقا سياسيا متشربا بقيم الليبيرالية الجديدة وحقوق الإنسان... وكذلك "سوقا ثقافيا" على اعتبار التسليع الذي أضحى لصيقا بالثقافة (أو ألصق بها) في إطار منظمة التجارة العالمية والمنظمة العالمية للملكية الفكرية وما سواها.

هناك إذن هذا التوجه بجهة التوحيد كاستنتاج أول وأولي، له فاعلوه (الشركات المتعددة الجنسيات بالأساس) وله أدواته و "مقننوه" ومنظروه وهكذا.

+ الاستنتاج الثاني أن العولمة لا تتكرس فقط بفضل أدواتها العملية الناجعة (مجموعة الثمانية، منظمة التجارة العالمية، منتديات دافوس...إلخ) بل وتتأصل أيضا على مستوى الخطاب: ما كلوهان يتحدث عن " قرية كونية واحدة" حتى قبل بروز ظاهرة العولمة، قوة المؤسسات (فورد، مايكروسوفت وغيرها) التي تنتج "الفكر الخالص" وتموله وكذلك مخازن الأفكار التي لا وظيفة لها إلا التفكير والتبشير والحسم في قضايا الحاضر والمستقبل بدراسات متأنية (حتى وإن كانت موجهة في شكلها وجوهرها) أو دونما دراسات تذكر.

هذه المؤسسات والهيئات هي "الأدوات اللينة" التي تنظر للعولمة، لآلياتها، لأبعادها وتبشر بنتائجها...هي مؤسسات تبشيرية بامتياز تبني للعولمة الواقع وتستشرف لها في آفاق المستقبل.

+ الاستنتاج الثالث أن العولمة (فاعلي العولمة أعني) إنما تعمل (ويعملوا) بقوة ودون كلل، بغرض تطويع الفضاءات الوطنية وبغرض بلوغ الأهداف التي تتوخاها العولمة ويرتضيها فاعلوها الكبار بالجملة والتفصيل.

التطويع هنا لا يطاول مجالات السياسات الاقتصادية (وهو أمر سهل وله مؤسساته الدولية من خمسين سنة مضت على أية حال)، بل وأيضا المجالات الاجتماعية والثقافية التي يتسنى لها استقطابها في هذا الإطار أو ذاك (وحدة جمركية، تعاون حر، تكتلات إقليمية...الخ).

بمحصلة هذه الاستنتاجات الثلاث نلاحظ أمرين:

+ أن هناك نزعة توحيدية من لدن العولمة تطاول كل المستويات.... الاقتصادية كما الاجتماعية كما السياسية كما الثقافية.

+ وأن هناك مزاوجة للممارسة بخطاب بان لها، فاتح لها في الآفاق يذهب لحد القيم.

ماذا يمكن أن نقول عن "عولمة القيم" التي لم نفتأ لحد الساعة نحوم حولها؟

+ أولا لم يطاول الحديث فيما سبق إلا "القيم" التي تدفع بالعولمة (لا القيم المراد عولمتها)...تحدثنا عن اقتصاد السوق وديموقراطية السوق وثقافة السوق وكل منها لها قيمة من نوع ما في حد ذاتها على الأقل.

+ ثانيا، عبارة عولمة القيم تشي بأمرين:

الأول أن التخوف الضمني (أو هكذا يبدو لنا الأمر) هو من ربط العولمة بالقيم وليس من العولمة تحديدا، أي أن لا خطر في  (أو من) العولمة شريطة ألا تطاول القيم. وهو أمر غير دقيق على الأقل اعتبارا للطرح القائل بأن العولمة إما تقبل كلها أو تترك كلها، أن تنخرط فيها  قلبا وقالبا أو تنغلق على ذاتك جملة وتفصيلا... لا مفاضلة في ذلك. وهذا أمر يجب تدقيقه أيضا سيما في ضوء تضارب القيم وتباين مرجعياتها ( تباين منظومة حقوق الإنسان مثلا  في المحاولات الرامية إلى ملازمتها بالإباحية في المجتمعات المحافظة).

الأمر الثاني، عبارة عولمة القيم تشتم منها رائحة أطروحة المؤامرة... أي أن هناك قيما قائمة (لدى القوي تحديدا) يريد عولمتها وفرضها على "الآخر" لهذه الغاية أو تلك. وهو أمر يريد أن يدلل على أن فرض قيم ذات الآخر علينا غير جائز في حين أن فرض قيمنا عليه حلال ومطلوب. وهذا كلام غير سليم (من الناحية المنطقية على الأقل) إذ كيف استساغة فرضية اعتناق غير المسلم للإسلام واعتبار ذلك أمرا مطلوبا ومرغوبا فيه  فضلا عن ذلك، واعتبار خروج بعضا من المسلمين عن دينهم (طواعية أو كرها) ردة تستوجب التكفير؟

+ ثالثا، عولمة القيم (أو ما يروج له على أساس أنه كذلك) لا تبدو لكل الأطراف بنفس المنظور: عولمة القيم (بعض القيم على الأقل) هي أداة وليست غاية في حد ذاتها بالنسبة لفاعلي العولمة الكبار، لكنها تبدو (وفي الآن ذاته بالنسبة للطرف "المتلقي") ولكأنها غاية في حد ذاتها، الغرض منها الغزو والاستهداف والتدمير وما سوى ذلك... وهي أمور يجب تدقيقها أيضا بالمعطيات والوقائع والدراسات الميدانية وليس، بأي حال من الأحوال بشعارات من هذه الجهة أو تلك أو بطروحات قد تصل في بعض الأحيان درجة المزايدات العقيمة.

+ رابعا، في ظل العولمة القائمة (أو المراد لها أن تقوم)، نلاحظ أن هناك مفارقة لدى "الدول المتلقية" بين القبول بقيم (الديموقراطية مثلا أو حقوق الإنسان) ورفض قيم أخرى (الإباحية، حقوق المرأة...الخ) في تجاهل بأن العولمة منظومة لا اختيار بصلبها كبير، إذ تبدو ولكأنها حتمية بكل عناصرها... السلبي منها كما الإيجابي سواء بسواء.

وعلى هذا الأساس، فالملاحظ أن القائم حقا أو المزمع إقامته إنما يكمن في التالي:

+ أن هناك محاولة لعولمة بعض القيم (اقتصاد وديموقراطية وثقافة السوق) وقد نجح فاعلو العولمة في ذلك إلى حد بعيد بهذه الجهة من العالم أو تلك حسب السياقات.

+ وأن هناك محاولة لتنميط القيم السائدة ودمجها في القيم الأقوى أو السائدة في ظل العولمة، لكن ليس كغاية في حد ذاتها بل كأداة ووسيلة لخلق هذا الفضاء الاقتصادي العالمي الذي من شأنه تسريع وتيرة رأس المال وفتح الآفاق للاستثمار والربح...وقد نجح فاعلو العولمة في ذلك إلى حد بعيد أيضا عبر نجاحهم في خلق نموذج في الاستهلاك واحد وتمثل واحد وتصور للكون واحد...الخ.

+ وأن هناك محاولات لفرض قيم الأقوى (منظومات التعليم والتربية وغيرها) وخلق منظومات للقيم جديدة على أنقاض السائدة بهذه المنطقة من العالم أو تلك.

كل هذا قائم ووارد، لكن بالمقابل نلاحظ أن هناك معارضة وهناك استعصاء:

+ هناك معارضة لطبيعة العولمة السائدة في مختلف أبعادها (أطاك وغيرها) على خلفية المطالبة بضرورة بناء عولمة إنسانية مبنية على قيم التضامن والحفاظ على البيئة وتوزيع عادل لثروات الكون. وهناك معارضة بوفي المدافع عن قيم "المطعم الفرنسي" وقس على ذلك هنا وهناك.

+ وهناك أيضا استعصاء القيم المحلية على الاختراق من لدن القيم الدخيلة...وهناك حالات المهاجرين الذين يتشبتون بالغرب بهويتهم ودينهم ولغتهم وما سوى ذلك.

+ وهناك تزايد الرفض المحلي والجهوي والحضري والترابي والتطرف وهكذا.

هذه قضايا إشكالية كبرى لا بد من استحضارها في هذا الإطار.

لقائل يقول: وأين جانب صراع الحضارات الوارد في عنوان هذا النص؟

أزعم أن الجواب كامن في كل سطر من السطور السابقة على الأقل بناء على تصارع القيم... والقيم أصل الحضارة بكل الأحوال.

في كتاب للمفكر الأمريكي جراهام فوللر ("معنى الحصار: جيوسياسية الإسلام والغرب") صادر من عشر سنوات نقرأ ما يلي: "إن الصدام الحضاري لا يدور حول عيسى المسيح أو كونفوشيوس أو النبي محمد، بقدر ما يدور حول التوزيع غير العادل للقوة والثروة والنفوذ العالمي".

أزعم إذن أن عولمة القيم كما صراع الحضارات إنما يجب أن يوضعا في محك قولة هذا المفكر الذي علم كنه العولمة وعاشر الذين يدافعون عن صراع الحضارات كما الذين لا يؤمنون بذات الطرح...

جريدة العلم، 5 شتنبر 2004

يمكنكم مشاركة هذا المقال