انتشرت بقوة، منذ مدة، أطروحة جديدة/قديمة مفادها أن الإعلام (بروافده المختلفة المكتوب منها كما المسموع كما المرئي) إنما أضحى سلطة قائمة الذات إذا لم يكن في بنائها المؤسسي ك" سلط شرعية"، فعلى الأقل كواقع حال موجود استطاع عبر مراحل التاريخ إثباتها بوجه باقي السلط القائمة (الشرعية أقصد).
ينطلق متبنو ذات الأطروحة من حقيقتين تتراءيان لهم كافيتان للدفع بذات الأطروحة في الشكل كما بالمضمون:
+ الحقيقة الأولى ومدلولها خاصية الاستقلالية التي تطبع المجال الإعلامي إذا لم يكن كواقع قائم فعلى الأقل كتطلع "مشروع" من المفروض (يقول هؤلاء) أن يبنى له ويؤسس.
ليس المقصود بهذه الاستقلالية الاشتغال من خارج البنى الكائنة أو بممانعة مع ما يموج داخل ذات البنى، بل الاشتغال دونما إكراه من لدنها أو ضغط من لدن القائمين عليها.
+ أما الحقيقة الثانية فتنطلق من مسلمة أنه مادام أنه غدا للإعلام نفوذ يستطيع بمقتضاه التأثير في إدارة الشأن العام وممارسة الرقابة على الحكومات وفي بعض الأحيان إجبار مسؤولين في أعلى هرم الحكم على الامتثال للوائح والتشريعات، مادام قد غدا كذلك وأكثر فمن المفروض (يقول ذات الطرح) الاعتراف للإعلام بذات السلطة وتكريسها في قالبها كما بالروح، أعني تنصيصا لا يقبل التأويل.
لا ينحصر الأمر، في ذهن المدافعين عن هذه الأطروحة، عند مبدأ الاعتراف للإعلام بكونه ذا سلطة مضادة، قوية وذات وزن، بل يذهبوا لدرجة المطالبة بضرورة " دسترة ذلك" لتأخذ لها (سلطة الإعلام) مكانة ضمن أو بين السلطات الثلاث التي أرساها مونتسكيو وسارت عليها نظم الحكم بجل الدول الغربية سيما ذات التقاليد الليبيرالية المتجذرة.
أما المناهضون لذات الطرح فينطلقون من معطى أن السلطات (في عددها وتراتبية بعضها البعض) قد حددها مونتسكيو وتوافقت الشعوب والحكومات على اعتمادها شكلا ومضمونا... وأن ما سوى ذلك إنما هو جزء من الاجتهاد من خارج المنظومة القائمة وليس من صلبها.
بالتالي، يقول هؤلاء، فإذا ما تسنى للإعلام (أو لغيره) أن يكون سلطة مضادة للسلط القائمة فإن ذلك شرط غير كاف (حتى وإن كان ضروريا) لشرعنتها كسلطة ضمنهم أو بينهم أو إلى جانبهم.
ليس المجال قائما هنا لتقييم هذا الطرح أو ذاك، فلكليهما مسوغاته ودفوعاته ومن بين ظهراني كليهما مكامن ضعف وقصور... لكنهما بكل الأحوال نتاج واقع حال قائم خاصيته الأساس سيادة القيم الديموقراطية واحترام الحريات الخاصة والجماعية وقبل كل هذا وذاك احترام مبدأ فصل السلط وتقديم مبدأ تحديد القواعد السائدة على ما سواه من مبادئ.
لا يبدو لنا الأمر كذلك بالوطن العربي سواء اعتمدنا في ذلك مقاربة بالأجزاء أم انتهجنا في ذلك منهجا منظوميا شاملا على الأقل لثلاثة أسباب موضوعية كبرى:
+ الأول ويتعلق بغياب الديموقراطية والذي من أكبر مظاهره عدم فصل السلط فيما بينها واختزالها مجتمعة في التنفيذي منها واختزال هذا الأخير في أعلى هرم السلطة.
ومعنى هذا أنه لا قيمة تذكر للحديث في الإعلام كسلطة رابعة مادام مبدأ فصل السلط ذاته لم يحسم ولا يراد له أن يحسم بحكم سيادة ثقافة الاستبداد والهيمنة بجل الدول العربية.
وفصل السلط المتحدث فيه هنا لا يقتصر فقط على تواجد ذوات السلط أو التنصيص على الطابع المؤسساتي الذي من المفروض أن يطبعها، بل وأيضا استقلالية بعضها عن البعض وقدرة بعضها (سيما المستويين التشريعي والقضائي) على مراقبة ومحاسبة القائمين على المستوى التنفيذي أفرادا ومؤسسات.
وعلى هذا الأساس، فإنه بقدر جزمنا بانفراد المستوى التنفيذي بباقي المستويات بقدر جزمنا بارتهانه للمجال الإعلامي أيضا مكتوبا كان أم مرئيا أم مسموعا أم ما سواه.
+ أما السبب الثاني فيرتبط بضعف التراكم الكمي والنوعي بالمجال الإعلامي في الوطن العربي والذي من شأنه الانتقال بهذا الأخير من وضعية التابع للمستويات الأخرى إلى وضعية المتبوع.
ومعنى هذا أن العمل الإعلامي بالمنطقة العربية لا يشكو فقط جدة التجربة وتواضع الممارسة، بل وأيضا هشاشة التقاليد المهنية التي تؤطره وتوجهه وتحول دون ورود الانزلاقات من بين ظهرانيه.
بالتالي تبقى معظم المنابر الإعلامية حكرا على السلطة أو دائرة في فلكها بهذا القدر أو ذاك لكنها أبعد ما تكون عن تكوين فضاء مستقل له قوانينه وقواعده تضمن له التطلع إلى تأسيس سلطة إذا لم تكن ضمن باقي السلط فعلى الأقل مضادة لها مجتمعة.
+ السبب الثالث ويتمثل في غياب الضمانات الكبرى التي تحمي الممارسة الإعلامية من استهداف السلط الأخرى لها جراء تعرضها في أدائها لهذا الملف أو ذاك، لهذه الشخصية العامة أو تلك.
نستطيع الجزم بأن العكس هو القائم إذ الإعلامي بمعظم الدول العربية إنما هو الطرف الأضعف في المعادلة ليس فقط جراء الخطوط الحمر الموضوعة بوجهه ولا حجم المحذورات المحددة له (ودونما تحديد حتى في الغالب الأعم) بل وكذلك جراء مضايقة السلطة له تحت مسوغات قائمة أو دونما مسوغات تذكر لدرجة تصل حد التصفيات المعنوية (المنع الدائم أو المؤقت) أو الجسدية المباشرة لهذا الإعلامي أو ذاك.
ولها الاعتبار ولغيره نجد أن معظم المنابر الإعلامية العربية (بما فيها الفضائيات) إنما تعمل كمنابر عمودية تتعامل مع المواطن من فوق ولا تعير الإعلام الأفقي (إعلام القرب يقول البعض) كبير اعتبار.
ليس ثمة من شك إذن أن الإعلام العربي (بكل أطيافه وحوامله) إنما هو إعلام سلطة بامتياز، يشرعن لها الموقع والسلوك والممارسة ولا يتوانى في ترديد مقولاتها وترويج الإيديولوجيا البانية لها.
كيف له أن يكون سلطة رابعة وهو مرتهن الواقع، مسلوب المستقبل ولا نية قائمة أو واردة لدى القائمين على الشأن العام للاعتراف بوظيفته الطبيعية وتركه يشتغل على أساس منها؟
إن المطلوب حقيقة (والمطالب به أيضا) إنما تكريس مبدأ فصل السلط الذي لا يمكن لأي ممارسة سياسية أن تستقيم بغيابه أو بتغييبه... بفصلها وبفصلها فقط سيتبين أنه من المتعذر حقا تصنيف الإعلام ضمن واحدة منها حتى في سموها أو اختزال مستوى من المستويات لمكوناتها ورسالتها.
* "الإعلام العربي... سلطة رابعة"، التجديد العربي، 29 يونيو 2006.