أدباء وباحثون مغاربة يخصون (بيان اليوم) بالإجابة عن سؤال محرج:
لماذا لا يحصل المغاربة على جائزة نوبل؟
يجمع مختلف الفاعلين في الحقل الثقافي والسياسي ببلادنا، على أن جائزة نوبل تظل بعيدة المنال بالنسبة للمغرب، ويتم إرجاع أسباب ذلك إلى عدم توفر معطيات موضوعية: غياب تام للبنية العلمية والبحثية، غياب الإمكانات المادية واللوجيستية، غياب البيئة المؤسساتية الحاضنة، سواء بالقطاع العام أو بالقطاع الخاص.
وإذا كانت هذه الجائزة تشكل هاجسا بالنسبة للعديد من الدول التي لا تبخل في تسخير إمكانياتها نحو تمكين مواطنيها للظفر بها؛ فان بلدنا على العكس من ذلك يبدو أن هذه المسابقة لا تعني له شيئا، وانه نائم على آذانه من هذه الناحية.
لم نسمع قط بأي حملة قامت بها الدولة للدفع بأحد من مواطنيها نحو الأضواء المحيطة بهذه الجائزة؛ فقد سبق لبعض الأسماء المغربية أن ذكرت ضمن قائمة المرشحين للجائزة: المفكر محمد عزيز الحبابي صاحب تجربة الشخصانية، الروائي الطاهر بن جلون، هذا الذي ما فتئ اسمه يتردد عدة سنوات متوالية باعتباره اكبر المرشحين للظفر بالجائزة، وكان يحتاج فقط إلى دفعة صغيرة من لدن موطنه الأصلي، غير أن ذلك لم يتم، واستمرت الترشيحات رهينة بالمبادرات الفردية، وأخيرا بتنا نسمع اسم الطبيبة النفسانية غيثة الخياط، ضمن قائمة المرشحين لجائزة السلام، لكن ذلك لم يحرك ساكنا لدى أصحاب القرار ببلدنا.
وبمناسبة الإعلان مطلع الأسبوع، حيثاري عن نتائج المتوجين، بهذه الجائزة العالمية، ربطنا الاتصال بنخبة من الفاعلين في الحقل الإبداعي والفكري؛ فخصوا بيان اليوم بالإجابة عن سؤال مركزي ومحرج: لماذا لا يحصل المغاربة على جائزة نوبل؟ فجاءت إجاباتهم متطابقة تقريبا، حيث يتم استبعاد حصولنا على هذه الجائزة.
الكاتب والمنظر المسرحي عبدالكريم برشيد
نوبل تمنح للدولة ولاعتبارات متعددة
شخصيا لا أعتبر قضية الجوائز مشكلة كبيرة، إنها في واقع الأمر قضية مؤسسات لها أنظمتها ولها أهدافها الظاهرة والباطنة. هناك عوامل متشابكة تتحكم في جوائز نوبل، وهذه العوامل لها ارتباط أكثر بما هو سياسي وإيديولوجي.
أن وراءها اعتبارات مصلحية للدول المتنافسة، ووراءها كذلك لوبيات، وبالتالي يمكن القول إن هذه الجوائز هي اكبر من أن تكون متعلقة بشخص الكاتب، بل هي تمنح للدولة ولاعتبارات متعددة. لقد سبق لبلدنا أن قدم ترشيحه لرئاسة منظمة التربية والعلوم والثقافة، غير انه لم يستطع أن يفرض نفسه على هذا المنصب وانسحب، فكيف يمكن له أن يقدم ترشيحه لنيل جوائز عالمية، من حجم نوبل.
أن الظفر بهذه الجوائز يظل رهينا بالثقل السياسي والوزن السياسي لهذه الدولة أو تلك، وبالتالي فإن المسألة هي أكبر من أن تكون متصلة بتفوق أشخاص.
الأديبة خناثة بنونة
هذه الجائزة وراءها مقص صهيوني!
أنا كنت دائما أتساءل: هل هذه الجائزة بريئة، أم عليها استفهامات عديدة؟ ومن يمتلك حقا القرار فيها؟ فلن تغرينا الجائزة التي حصل عليها نجيب محفوظ، وذلك بعد قبوله التطبيع مع إسرائيل، رغم إيماننا بأنه يستحقها، لكن لماذا لم تعط له قبل قبول ذلك الشرط. هناك صراحة أقلام عربية ومغربية، مع التحفظ من الأقلام المغربية، لأن هذه الأقلام لم تستطع لحد الآن أن تنتج أدبا يمتلك البعد الزمني والتراكم الإبداعي الذي يملكه قرينه في دول عربية أخرى شقيقة، حيث حفر أدباؤها حضورا مميزا وعالميا.
لكن مع الأسف، نجد أن هذه الجائزة بالذات وراءها صهيونية تقطع كل طريق جدي وبريء ونظيف أمام العرب، فذلك الأديب السوداني، صاحب موسم الهجرة إلى الشمال، اقصد الطيب صالح، يستحق جائزة نوبل، كما يستحقها أدونيس، وكان ينبغي كذلك أن تمنح لمحمود درويش رحمة الله عليه.
هناك أسماء أخرى تستحقها بالتأكيد، من سوريا والعراق، وغيرها من الدول العربية، وهي أسماء باسقة تورق أدبا وإبداعا إنسانيا، يمكن حتى للأعمى أن ينظر إلى هذا الأدب، ظلت عدة سنوات تتردد ضمن قائمة المرشحين، لكن هناك فيتو يقام ضدها. هناك مقص صهيوني يقطع الطريق أمام أي عمل جاد وحقيقي وصادق، لكي لا يبلغ جائزة نوبل. مع ذلك، فهذا لا يهم، لأن الجوائز لا تصنع الأدب والعلم، ولا يمكن لها أن تقتل هذا الفعل الإنساني الخالد، كما أن المؤمن بنفسه وبمستواه الفكري، لن يضره في شيء عدم الحصول على جوائز مهما عظم شأنها.
الشاعر عبدالكريم الطبال
يلزمنا قطع أشواط كثيرة للوصول إلى جائزة نوبل
في نظري، ينبغي علينا تأجيل طرح السؤال حول سبب عدم حصولنا حتى اليوم على جائزة نوبل، إلى وقت لاحق. حال الثقافة المغربية الآن، لا يؤهلها للفوز بجائزة عالمية، إنها حال ثقافة في بلد ما زال ناميا، أو من العالم الثالث.
وإذا سألنا أنفسنا عن ما هو هذا الكتاب الإبداعي المغربي الذي يقرأ في العالم ويترجم إلى عدة لغات ويحظى بالاحتفاء في هذا البلد أو ذاك، سنجد انه ليس هناك أي نموذج من ذلك. حال ثقافتنا هو حال الثقافة العربية عموما. بيننا وبين الغرب ستة قرون من النهضة.
فإذا كان تاريخ النهضة لدى الغرب قد انطلق منذ ستة قرون، فان هذا التاريخ عندنا لا يمتد سوى قرن واحد. الفرق إذن كبير. الثقافة المغربية وأيضا العربية عموما، تفصلها مسافة بعيدة عن الثقافة الغربية، من الصعب تخطيها بواسطة الوهم والادعاء، يلزمنا قطع أشواط كثيرة للوصول إلى جائزة نوبل.
الشاعر عبد السلام المساوي
هناك اعتبارات أنتولوجية وسياسية ودينية تتحكم في الجائزة
لجائزة نوبل قوانينها الخاصة، بعضها معلوم وبعضها الآخر داخلي لا يعرفه إلا المنظمون. وهذه القوانين تضع معايير معقدة قبل أن تحصل على عشرين مرشحا للجائزة يكون الفائز من بينهم، وهؤلاء العشرون تزكيهم مؤسسات ثقافية لها وزنها، كما أن مؤسسة نوبل تأخذ برأي الذين سبق أن حصلوا على الجائزة.
بالنسبة للمغرب، أذكر أن المرحوم المفكر محمد عزيز الحبابي كان قد رشح نفسه للجائزة، وتم تأسيس لجنة لتزكية الترشيح وجمع التوقيعات، ولم يكن المرحوم يعلم بأن مؤسسة نوبل تهمل كل ترشيح وارد من المرشحين أنفسهم. ويمكن أن نضيف أن اللغة العربية لا تحظى بالتقدير الذي تحظى به اللغات العالمية الأخرى، وقد قرأت مؤخرا حوارا مع مسؤول داخل مؤسسة نوبل يصرح فيه بأن ليس لديهم متخصصون في اللغة العربية داخل المؤسسة، ويلجأون أحيانا إلى خبرات خارجية.
وإذا أضفنا اعتبارات أنتولوجية وسياسية ودينية أخرى، أمكن ألا ننتظر على المدى البعيد، حصول مغربي على جائزة نوبل، اللهم إلا إذا سعى إلى الحصول على جنسية أخرى وأبدع باللغة الإنجليزية، لأن لدينا كتاب باللغة الفرنسية يستحقون نوبل ولم يحصلوا عليها.
أستاذ العلوم السياسية محمد كلاوي
إننا نعاني من عقدة النقص
الإشكال القائم بخصوص عدم حصول أي مغربي على جائزة نوبل، يكمن في كون أن هذه الجائزة لها بعد دولي، وبالتالي فهي تخضع لهذا البعد، بمعنى أن الدولة تستمد قوتها وتأثيرها من خلال رعايتها للمجال العلمي. الدولة التي تحظى بهذا النوع من التتويج، هي تلك التي تعطي أهمية قصوى لمجال البحث العلمي، وحتى الأدبي. حيث نجدها تخصص ميزانية ضخمة لتشجيع الدخول إلى المنافسة على الجائزة.
بالطبع ليس هناك قاعدة تحرم على الدولة الضعيفة الفوز بهذا النوع من الجوائز، فمصر على سبيل المثال، سبق أن حظيت بالجائزة، لكن هناك أيضا دول عربية غنية، من المفروض عليها أن تخصص ميزانية لتنمية البحث العلمي، وهذا يشكل في نظري تحديا حقيقيا. ليست لدينا تلك القناعة، التي مفادها انه بإمكاننا أن نتنافس على الجائزة، إننا نعاني من عقدة النقص، وليست لدينا الرغبة لتجاوز هذا العائق، نحن بحاجة إلى لجن مختصة بتشجيع البحث العلمي، مع التشديد على القول أن جائزة نوبل تخضع لموازين قوى الدول المنافسة.
ليست لدي دراية عن أسماء المغاربة الجديرين بالحصول على هذه الجائزة، واعتقد أننا ما زلنا بعيدين عن بلوغ هذا الهدف، وليس لدينا متسع لبلوغه، هناك فقط مجهودات فردية، فعلى سبيل المثال: المرحوم محمد خير الدين كان يستحق الحصول عليها، في مجال الرواية بالخصوص، وعلى العموم فان الدولة مطالبة بالقيام بالتعريف بمنتوجها، وإحلاله المكانة اللائقة به.
الناقد الفني الدكتور الحبيب ناصري ينبغي أن نحسم في اختياراتنا
إن سؤال لماذا لا يحصل المغاربة على جائزة نوبل، سؤال عميق ودال، انه سؤال يريد أن يبحث عن هذه الذات المغربية الثقافية في سياقها الدولي، فإذا أردنا الإجابة هنا، يمكن الإجابة بطرح أسئلة أخرى وليدة هذا السؤال الجوهري الدال، وقبل ذلك لابد أن نشير إلى كون الجواب السهل والحامل لبعض عناصر الصحة هو كون هذه الجائزة تتميز في الكثير من الحالات بإقصاء مجهودات العرب العلمية والأدبية والطبية والاقتصادية، فباستثناء جائزة نجيب محفوظ، نبقى كمغاربة وكعرب يتامى وكما الحال دوما في العديد من المجالات.
لكن لنتساءل وبشكل شجاع هل نملك رؤية/استراتيجية ثقافية مغربية ممؤسسة ودالة؟ ما وضعية سؤال الثقافة في برامجنا السياسية والتربوية والاجتماعية؟ كم من كتاب نؤلف في العام؟ كم من كتاب نوزع؟ كم من كتاب نترجم وكيف نقرا وأين نقرا وماذا نقرا ومن يكتب وكيف يكتب ومن ينشر وكيف ينشر؟ هل استطعنا أن نحول محليتنا المغربية بكل ما تنهض عليه هذه المحلية من غنى وتنوع إلى بعد عالمي؟
إنها في اعتقادي المتواضع الأسئلة الكبرى والجوهرية التي علينا أن نواجهها بعمق وخطة واضحة وتمويل كاف وسياسة ثقافية تؤكد أن القضية التنموية الحقيقية هي سؤال ثقافي بامتياز، فالكثير من بحوث وإبداعات المغاربة تبقى حبيسة الرفوف بالمفهوم الإداري، إذ العوائق عديدة، منها واقع البحث العلمي ببلادنا واكراهاته المادية والبشرية والاستراتيجية.
كلها عوامل تعيق عدم قدرتنا على تحويل انتاجاتنا المغربية العديدة وبلغات عديدة إلى هذا البعد الكوني /العالمي مع وجود بعض الاستثناءات هنا وهنا، وهي حالات وصلت إلى المربع الثقافي العالمي بصعوبات عديدة. هذه في اعتقادي المتواضع بعض العوامل التي تعرقل وصول المنتوج الثقافي والإبداعي والاقتصادي والعلمي والتقني إلى الآخر وبأدوات الآخر.
أن الذات المغربية ذات غنية وخصبة في كل مكوناتها التعبيرية الشفهية والمكتوبة والبصرية، ما ينبغي أن نقوم به: أن نحسم في اختياراتنا.هل نريد أن نطرح سؤال الثقافة بعمق أم نريد ربط هذا السؤال بما هو لحظي عابر. في انتظار أن نجيب إجابة شجاعة وواضحة، أقول هذه وجهة نظر قابلة للنقاش أو حتى الرفض لكنها نابعة من قلب عاشق لسؤال الثقافة أولا.
يحيى اليحياوي أستاذ مادة اقتصاديات المعلومات والمعرفة
من غير الوارد الحصول على هذه الجائزة من لدن مغاربة
السؤال بهذه الصيغة هو بالأساس سؤال افتراضي، يشي بأن هذه الجائزة في المتناول، وأن بلوغها من المفكر فيه، وأن ثمة سوابق رشح بها مغاربة وأخفقوا، فوجب التساؤل في الأسباب بغرض تدارك الموقف. إلا أني أتصور أنه من غير الوارد الحصول على هذه الجائزة من لدن مغاربة، بالوقت الحالي وبالقريب من الأيام، ليس لعيب في المسطرة أو غياب الجهة المرشحة أو ما سوى ذلك، ولكن لأن المعطيات الموضوعية المتوافرة لا تدل بالمرة على الأمل في ذلك.
هناك من ناحية، غياب تام للبنية العلمية والبحثية، التي من شأنها إفراز الكفاءات العالية، التي قد يراهن عليها المرء مستقبلا، لبلوغ مستوى الترشيح للجائزة. بهذه النقطة، ألاحظ أن طبيعة النظام التعليمي بالمغرب، وخاصيات التكوين بالجامعة في إطار الأبحاث ما بعد الدكتوراه تحديدا، كلها عناصر ضعيفة للغاية، لا تزرع الأمل في إفراز كفاءات من النوع المذكور.
وهناك من ناحية ثانية، غياب الإمكانات المادية واللوجيستية، التي من المفروض أن يرتكز عليها المرء، فردا أو بإطار مشروع جماعي، لتطوير بحث أو إبراز مستجد علمي. الإمكانات غير موجودة، والمختبرات المجهزة لا أثر لها، وفرق العمل غير متوفرة، وبرامج البحث العلمي والإبداع التكنولوجي غير متوافرة. بالتالي، فالباحث الذي يحترم نفسه، إما يهاجر حيث تتوفر هذه الإمكانات، أو يقدم دروسه الأكاديمية، ويعود لمنزله دونما ادعاء من لدنه بأنه عالم أو خبير.
وهناك من ناحية ثالثة، غياب البيئة المؤسساتية الحاضنة، سواء بالقطاع العام أو بالقطاع الخاص، وعدم توفر رؤية لدى القطاعين معا، للدفع بالبحث العلمي والإبداع التكنولوجي، المحيل ولو بطريقة غير مباشرة على الجوائز الكبرى، من قبيل جائزة نوبل.
الأطر العليا، بالقطاعين معا إما تقصى من العملية، أو تدفع قسرا للهجرة، ولا قيمة اعتبارية لها بنفوس المسؤولين. البيئة المغربية بيئة طاردة بامتياز، لا تحتكم للكفاءة في التقييم، بقدر ما تعطي الأولوية للولاء والطاعة، ومنظومة التربية والتعليم تحيل على سوق الشغل، وسوق الشغل فقط، عوض أن تفتح في الآفاق للنجباء من بيننا، ليؤطروا بمختبرات مجهزة، بإمكانات كافية وبتشريعات تحفيزية، ويعطاهم المدى الزمني للاشتغال.
والسر في ذلك، أن مجال البحث العلمي والإبداع التكنولوجي، الموصل للجوائز العالمية، هو مجال مجازفة، النتائج به غير مضمونة، وهي مستهلكة للوقت بكثافة، وغير خاضعة لإكراهات من هذه الجهة أو تلك، ولا لهوس التطبيقات الآنية.
كيف تريد لطبيب جراح من مستوى عال، أو لمهندس متقدم التكوين أو لعالم فيزياء أو بيولوجيا من الطراز الأول أو ما سواهم، كيف تريده أن يحصر مجهوده في البحث أو التطوير، وهو يعلم أن أبسط الأدوات غير متوفرة، وأدنى شروط البحث غائبة، لا بل ومعيشه اليومي غير مضمون، وكرامته غير مصانة.
هذا بالعلوم البحثة، أما عن عدم حصول مغاربة على الجائزة في الآداب مثلا، فأزعم أني لم أقرأ من "الإبداعات" المغربية للسنين الأخيرة، ما يصل لمستوى روايات نجيب محفوظ أو غارسيا ماركيز أو غانتر غراس أو غيرهم... نفس الشيء بالنسبة لعلم الاقتصاد أيضا، حيث الإنتاج النظري شبه منعدم بالجامعة، ومراكز "البحوث والدراسات" غير موجودة بالمرة.
الباحث الدكتور محمد العمري
المرشح المغربي والعربي عامة يخوض منافسة غير متكافئة مع المرشحين من البيئات الأخرى
"لماذا لا يحصل المغاربة على جائزة نوبل"؟ الأولى أن يقال: لماذا لم يحصل أحد من المغاربة على جائزة نوبل لحد الآن؟ يذهب البعض إلى جواب بسيط مريح هو أن هناك مؤامرة على العرب والمسلمين تحرمهم من هذا الشرف، والمغرب جزء من هذه الخريطة.
وأنا إن كنت لا أرتاح لمثل هذه التعميمات المتشائمة فإنني لا أستبعد أن تلعب الاعتبارات غير العلمية دورا في بعض التخصصات غير الدقيقة. وذلك أنني متيقن مائة بالمائة أن محمود درويش لو كان شاعراً لأي ثورة ضد الاحتلال والعنصرية غير الصهيونية، في أي بقعة من الأرض، لحصل عليها قبل الكثير من الشعراء الذين تقلدوها بأعمال لا ترقى إلى مستوى عمله فنا وفاعلية.
من هنا فإن المرشح المغربي والعربي عامة يخوض منافسة غير متكافئة مع المرشحين من البيئات الأخرى، فهو مرفوض حتى يُثبت أكثر من جدارته، في حين أن الآخر مقبول حتى يظهر ما يؤخره. ومع إثبات الجدارة نأتي إلى ما هو موضوعي في اللعبة. هل عندنا في المغرب مرشحون قادرون على المنافسة العالمية؟ الجواب عن هذا السؤال صعب، لأن عوالم الجائزة مختلفة متباعدة.
فأنا، مثلا، لا أستطيع أن أبدي رأيا موضوعيا فيما يخص الطب والفيزياء والبيولوجيا والعلوم البحتة عامة، وكذا الاقتصاد. ومع ذلك فبرغم كل ما يمكن أن يُتوقع من فتوحات فردية فإن الإضافات التي تستحق الاعتبار في هذه الميادين هي تتويج لعمل مؤسساتي، عمل مختبرات ومعاهد علمية يبني فيها اللاحق على عمل السابق، وهذا غير متوفر عندنا. وإذا ما نظرنا الآن إلى واقع هجرة الأدمغة الشابة الطامحة إلى العالمية في ميادين البحث فينبغي أن نكف عن التفكير في نوبل وما يقاربها.
في ميدان الإبداع والسياسة أقلِّب نظري في فضاء المغرب فيرتد حسيرا. ومع ذلك فإنني حين أفكر في تراكم الطاهر بنجلون وانتشاره في المجال الفرانكوفوني، وترجمة أعماله إلى عدة لغات احتفظ برأيي في بعض أعماله وأرشحه. قرأت له في هذا الصيف عملين: عن أمي Sur ma mère، والذهاب Partir فصدقت من كرَّموه، وهم كثيرون، وكذبت نفسي. بنجلون صالح للترشيح كقامة تُرى من بعيد. إذا كانت نوبل تهتم بمدى الأثر الذي يحدثه المبدع أو المفكر في محيطه فإن عبد الله العروي يبدو قمة لا تسامى في الفضاء العربي. فأثره في عقلنة هذا الفضاء بارز ظاهر، وهو يستحق هذه الجائزة عن جدارة واستحقاق. فلماذا إذن لم يحصل عليها؟ هذا السؤال ينقلنا إلى الإشكال الثالث، وهو التسويق.
عملية التسويق تبدأ بنقل الأعمال المرشحة إلى اللغة الإنجليزية والنرويجة، وتقديم قراءات تبرز أثرها باللغتين. وقد قرأت في ترجمة إحدى الحاصلات عليها، من المغمورات، أن الفضل في حصولها عليها يعود إلى من نقل بعض أعمالها إلى اللغة النرويجية. وتأتي الخطوة الثانية بتكوين لجنة ترشيح ذات مصداقية تحشد الدعم من أطراف العالم.
ونحن في المغرب نستطيع أن نقوم بهذا الترشيح، وننفق عليه بسخاء، ولكن في الميدان الذي نحن متأكدون من خسارة الرهان فيه، مثل كرة القدم. أذكر أن بعض تلاميذ المرحوم الفيلسوف عزيز الحبابي والمعجبين به، بادروا بترشيحه لنيل هذه الجائزة، أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فيما أذكر. تحمست للفكرة برغم أنني لم أر المرشح إلا عرضا في مناسبات علمية. تسلمت لائحة الدعم من عميد الكلية عبد الوهاب التازي الذي كان من تلاميذ المرحوم ومحبيه. قصدت شعبة اللغة العربية لأقوم بواجب اعتبرته وطنيا فوق كل الحساسيات. ما إن وقعت عينُ أحد زعماء العماء على اسم الحبابي حتى عصر لحيته الطويلة وقلص خذه وأغمض إحدى عينيه نافثا سمه بسخرية: "عبد الوهاب هو اللي أعطاك هذا الشي!" أجبته بنبرة مماثلة: عبد الوهاب هو اللي أعطاني هذا الشي"• رد إلي الورقة وانسحب، وحنى الآخرون رؤوسهم وانسحبوا معه. وكيف لا ينسحبون، وهو كبيرهم الذي علمهم السياقة في خمسة أيام. هكذا نحن، وهذا ترشيحنا، وهكذا لا نحصل على شيء.
جريدة بيان اليوم, 12 أكتوبر 2008 (استقى التصريحات: علي بركات)