تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"احتقار الديموقراطية"

news-details

قلما يتم الحديث في طبيعة السياسات الأمريكية، بداية هذا القرن، دونما ربطها بهذا الشكل أو ذاك حتى باختلاف زوايا الرؤية، ب" فريق" من الساسة والباحثين والأكاديميين (والإعلاميين أيضا) توافقت الأدبيات الرائجة على نعتهم ب"المحافظين الجدد" إما من باب التمييز أو إعمالا لمبدأ التميز عما سواهم من "محافظين".

والواقع أنه في الوقت الذي اقترنت فيه نهاية القرن الماضي بصعود "الليبيراليين الجدد" تقوضت على محراب فكرهم معظم مكاسب دولة الرفاه لما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن بداية القرن الحالي إنما تزامنت وانبعاث " تيار" المحافظين الجدد بدوا للبعض آتين من صلب الأولين وخالهم البعض الآخر امتدادا لبعض من طروحاتهم أوممثليهم ليس إلا.

وإذا كان من المتعذر تشريح علاقات الارتباط والممانعة بين التيارين والوقوف بدقة عند جوانب التقاطع أو التنابذ فيما بينهما، فإن الثابت حقا والمؤكد أن المحافظين الجدد لم يشرعنوا (في الاقتصاد كما في السياسة) لمنظومتهم إلا بالدعوة "للعودة إلى الأصل" أي إلى طبيعة الأمور كما بنى لها المؤسسون دونما تدخل لقوى خارجية حتى وإن كانت الدولة المركزية ذاتها.

وعلى الرغم من تبنيهم المطلق لأفكار وتصورات محددة، فإن مجال المحافظين الجدد بقي محصورا (وإلى حد ما مشتتا) بين الجامعات والمعاهد ومراكز الدراسات، ولم يتسن لهم التواصل، فيما بينهم أو مع العالم الخارجي، إلا عبر الأفكار ونشر الآراء دونما قدرة لديهم كبيرة على ترجمتها إلى واقع حال وإلى سياسات عملية.

وبصرف النظر عن مدى فعلهم وتأثيرهم المباشر في الأجيال أو من بعيد في أصحاب القرار، فإن المؤكد أن انتخاب جورج بوش الإبن إنما كان التدشين الفعلي لبلوغهم السلطة ووضع تصوراتهم على محك الممارسة وتحولهم، فوق كل هذا وذاك، إلى تيار قائم لا يخجل أعضاؤه من الصفة المعطاة لهم ولا من الأوصاف التي تلصق بهذا العضو أو ذاك، بتاريخه أوبطبيعة انتماءاته السابقة.

ومع أنهم لا يزالوا بكبريات الجامعات ومراكز البحوث والدراسات يهيمنون على أقسامها الحساسة ويزودون المؤسسة الحاكمة بالدراسات والتقارير والتوصيات، فإن غالبيتهم أضحت في محيط صناعة القرار كما هو الشأن بالنسبة لديك تشيني وولفويتز ورتشارد بيرل وجون أشكروفت وروبرت كاغان ودوغلاس فيت وأبراهام شولسكس وجيمس وولسلي ناهيك عن أباطرة الإعلام من أمثال روبيرت ميردوخ وبيل كريسطول ومايكل ليدين وستيفن براين ودانييل بايبس وما سواهم.

ليس من المبالغة في شيء القول إذن بأن المحافظين الجدد (المموسطين إعلاميا كما العاملين في الظل) إنما أضحوا محتكمين على ثلاثية السلطة والمال والإعلام، على التنفيذي كما على المستوى التشريعي، على عالم الأفكار كما على مستوى ترجمتها إلى برامج وسياسات وتوجهات بالداخل كما بالخارج.

وليس من المبالغة في شيء أيضا القول بأن المحافظين الجدد (البائن منهم كما الباطن) إنما يدفعون بأفكار وسلوكات تبدو للبعض نشازا ومجانبة لعين العقل، لكنها تبدو لهم (المحافظين أعني) في تناسق كامل وعميق وما نظر له فلاسفتهم ومفكريهم لا سيما مرجعهم الأعلى: ليو شتراوس.

لم يكتب ليو شتراوس (وفق ما يقول المختصون بفلسفته) لم يكتب مقالا في السياسة ولا في العلاقات الدولية. هو دارس للفلسفتين الوسيطتين الإسلامية واليهودية (من زاوية نديتهما) وأستاذا لهما إلى حين وفاته بداية سبعينات القرن الماضي.

لكنه مع ذلك يبدو من أولئك الفلاسفة الذين غالبا ما تخضع أفكارهم للتسيس أو للتأويل السياسي فتنطلق، اعتبارا لبريقها، من جيل إلى جيل وتنتقل من مجال المعرفة المجردة إلى حقول التطبيق العملية في شكلها كما في الجوهر.

ينبني مشروع ليو شتراوس (المؤسس لتيار المحافظين الجدد) على فكرتين بديهيتين لكنهما ذوات آثار وتبعات كبرى:

+ فكرة النخبة العالمة والنزيهة، المالكة لسلطان المعرفة والتواقة لبلوغ السلطة بغرض ضمان النفاذ لمعرفتها و"إشاعة حكمتها لخير البشرية".

 ولما كانت كذلك فهي حتما صاحبة الرؤية وصاحبة التخطيط في الآن معا.

+ وفكرة مكافحة النسبية الأخلاقية "على اعتبار أن الحقيقة الفلسفية لا تقبل التسويات". وهذه الحقيقة عندما تبلغ مجال السياسة فإنها " تلهمها مضامينها وقوامها الأخلاقي" الذي تعمل النخبة العالمة على تصريفه بعدما يكون قد تسنى لها صياغته والتنظير له.

وعلى هذا الأساس، يرى شتراوس، فإن أمريكا بنخبتها العالمة و"سيادة الحقيقة" من بين ظهرانيها، إنما تملك "دعوة أخلاقية كبرى باسم فكرة الحرية...لا يصح التنازل عنها في الداخل ولا مع العالم الخارجي"، بل هي مطالبة "بضرورة التدخل لتحقيق الفكرة المطلقة والرسالة دون تردد" حتى وإن استدعى الأمر تجاوز القانون ودهسه.

يقول شتراوس بهذا الخصوص: إنه " لمن السخافة أن نعيق الانسياب الحر للحكمة بالقوانين...يجب أن يكون حكم الحكماء مطلقا، كما أنه من السخافة وبالقدر ذاته أن نعيق الانسياب الحر للحكمة عبر أخذنا بعين الاعتبار رغبات غير الحكماء. لهذا يجب ألا يكون للحكماء العاقلين مسؤوليات على رعاياهم غير العاقلين".

بالتالي، فهو يرى أن "الديموقراطية الحقة هي فعل يتعارض مع أحكام الطبيعة، لذا يجب منعه كائنة ما تكن التكاليف " على اعتبار "أن القانون الطبيعي" (وضمنه الدين) هو " شيء سماوي يبرهن على نفسه بنفسه".

لا يقتصر الأمر، عند شتراوس، عند هذا الحد، بل يتعداه إلى تدوين وصايا كبرى أضحت لدى المحافظين الجدد المشعل الذي ينير لهم الطريق:

+ الأولى وتتعلق، في نظرهم، بتلازم القوة والديموقراطية. فإذا كان شتراوس وتلامذته يقدمون مبدأ العدالة على الحرية ومبدأ الحرية على الديموقراطية، فإنهم بالتالي لا يؤمنون بعدالة لا تكون القوة والسلطة قوامها، بل يذهبوا لحد إدانة العدالة التي لا توظف القوة في تنفيذ محتوياتها.

+ الوصية الثانية وتكمن في تلميح شتراوس إلى التراتبية الاجتماعية وفي التقاطها من لدن تلامذته ليحولوها إلى مبدأ في الحكم ومسلك في الحكامة: الرئيس أولا ثم حراسه، ثم أصحاب المهن والحرف ثم، في آخر الترتيب، العبيد والدهماء.

لا تنحصر تداعيات هذه الوصية في معاداتها للعامة من الشعب، بل تذهب لحد عدم اكتراثها بالأغلبية التي من المفروض أن توضع "تحت طائلة القانون" وتعمل بتوجيه من خاصة القوم أي من نخبته العالمة.

+ أما الوصية الثالثة فتكمن فيما أسماه ليو شتراوس ب"الكذبة النبيلة". ومفادها أن الكذبة إياها إنما هي "أداة من أدوات السياسة الحكيمة...المهمة والضرورية مادامت في خدمة المصلحة الوطنية"...وهو ما لا يسري، يعتقد شتراوس، على الزوجة مثلا التي تكذب على زوجها صيانة لأسرتها، لأن المرأة "غير نبيلة" بالتالي لا يجب مسامحتها بقدر مسامحة "الحكماء المسؤولين".

يبدو إذن أن "المشروع الفكري" الذي بناه ليو شتراوس وترجمه تلامذته على أرض الواقع، إنما هو مشروع إيديولوجي بامتياز ليس فقط باعتبار نزوعه إلى المطلق في الحكم، ولكن أيضا بحكم طبيعة السياسات المترتبة عنه في الزمن والمكان.

إننا حقا بإزاء احتقار للديموقراطية صارخ سواء احتكمنا في ذلك إلى مرجعية الفكر أو إلى السياسات التي ألهمتها هذه المرجعية قلبا وفي القالب.

والواقع أن سلوك وسياسة إدارة جورج بوش الإبن إنما تعبر عن روح فكر شتراوس (والإيديولوجيا الثاوية خلفها) كما عن منطوق ذات الفكر:

+ فهي احتقرت الديموقراطية عندما قدمت العدالة والحرية (المغلفتان برداء أخلاقي) على الديموقراطية وسوغتها مجتمعة لخدمة "الفكرة المطلقة" التي تحددها "النخب العالمة" بالجامعات كما بمراكز الأبحاث والدراسات و لا سبيل لأحد لمنازعتها أو تبيان محدوديتها.

+ وهي احتقرت الديموقراطية لما عمدت إلى فرضها بالقوة على خلفية من الاعتقاد بأن "الديموقراطية هي التي من شأنها تغيير الأنظمة وطبيعة المجتمعات".

فالإدارة الأمريكية أشرفت، وفق هذا التصور، على "الانتخابات الرئاسية" بأفغانستان ركزت بالسلطة عميلا لها وتعمد بقوة النار والحديد على قيام "انتخابات" بالعراق سواء تم لها ذلك بكل البلاد أم ببعض من أجزائه...ولكأن لسان حالها يقول ب"الديموقراطية" حتى من باب المزايدة.

+ والإدارة الأمريكية الحالية احتقرت الديموقراطية عندما دهست القانون الدولي وتجاوزت على الحكومات والشعوب فاستعمرت (على خلفية من قانون شتراوس "الطبيعي") دولة ذات سيادة، فزجت برئيسها في المعتقل ودمرت بناه التحتية وشردت سكانه وتعمل حاليا على تغيير ملامحه وتقسيم ترابه.

+ واحتقرت الديموقراطية عندما دفعت ب"الكذبة النبيلة" عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، حتى عندما بينت لها التقارير أن لا أثر لذات الأسلحة دفعت بكذبة "استجلاب الإرهاب إلى أرض العراق للقضاء عليه"، ولما تبين لها أن الذي يجري بأرض العراق هو عمل مقاومة طلعت بكذبة الزرقاوي وهكذا إلى ما لا نهاية.

بالتالي، فالإيديولوجيا الاستباقية (كما أسس لها شتراوس) إنما تتغيأ إيجاد عدو وهمي تعطي الانطباع بأنها تلاحقه في حين أنها تلاحق سرابا من المستحيل الإمساك به أو توصيفه حتى.

+ والإدارة الحالية تحتقر الديموقراطية عندما تمرر لفكرة شتراوس بأن "الإنسان شرير جدا، لذا يجب أن يحكم". بالتالي، وجب استباق سلوكه قبل أن يلجأ إلى اعتماده "فيصيب به الآخرين".

ومعنى هذا، في رأي ذات الإدارة، أنه إذا ثبت حقا أن العراق لم يعد يمتلك أسلحة للتدمير الشامل، فإن الثابت أيضا في نظرها أن الرئيس العراقي "كانت له النية" في صناعة ذات الأسلحة وكانت "له الوسائل في ذلك".

بالتالي، فلم تعد العبرة بالفعل، بل أضحت النية على ذلك كافية لتوجيه الاتهام...لدرجة تغدو معها كل الحضارات متضمنة لطبيعة عدوانية "من الواجب" مواجهتها مسبقا قبل أن تنتشر عدواها.

يقول جوزيف ليبيرمان (وهو عضو صهيوني بالكونغرس الأمريكي ومن غلاة المحافظين الجدد): يجب "أن تكون حربنا...على الأمبراطورية الشيطانية الحديثة، الخلافة الإسلامية المتشددة التي تناهض حرية مواطنيها وتهدد أمن مواطني الدول الأخرى".

أليس في هذا احتقارا للحضارات قبل أن يكون احتقارا للديموقراطية؟

* "احتقار الديموقراطية"، جريدة القدس العربي، 31 دجنبر2004، جريدة العرب أون لاين، لندن، 6 يونيو 2005. جريدة   "الرأي العربي"، سكرمنتو (كاليفورنيا) ، نصف أسبوعية، 22 يونيو 2005. موقع مركز الدراسات الإسلامية، برمنغهام (بريطانيا) ، 25 يونيو 2005.

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال