تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عن إيران المحاصرة نوويا"

news-details

لو تأمل المرء مليا في سر إصرار إيران على امتلاك ناصية التكنولوجيا النووية وسر اصطفاف الغرب حول ضرورة منعها من ذلك بكل السبل لاستوقفته حتما ثلاثة طروحات كبرى تتباين في درجات الموضوعية والقوة الاعتبارية:

+ فإيران تدفع بحقها المشروع في الحصول على التكنولوجيا النووية بغرض الاستخدامات السلمية الخالصة (وفي مقدمتها توليد الطاقة الكهربائية) ولا تتطلع (أو هكذا تقول) إلى بناء مقدرات نووية تمكنها مستقبلا من امتلاك أسلحة نووية من درجة ما.

بالتالي، فهي من هنا لا تتنكر لالتزاماتها باتفاقية حظر الانتشار النووي مادامت عمليات التخصيب جزئية، محدودة النطاق وتحت أعين ومراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي لخبرائها " الحق" في زيارة منشآت التخصيب والتأكد من ذلك بأرض الواقع.

+ والغرب (كل الغرب النووي تقريبا) باستثناء ألمانيا يرى أن تطلع إيران لامتلاك تكنولوجيا نووية " سلمية" ما هو، في حقيقة الأمر، إلا مدخل أولي من لدنها سرعان ما سيتحول لتطوير برنامج عسكري من شأنه زعزعة استقرار المنطقة والإخلال بالتوازنات القائمة ومن شأنه، في أسوأ السيناريوهات، تفجير حرب نووية لن تتوانى إيران (وهي ضمن دول محور الشر) في إشعال فتيلها بهذا الشكل أو ذاك. 

+ وإسرائيل لا تعارض المشروع الإيراني ( مدنيا يكون فما بالك لو كان ذو صبغة عسكرية) في المطلق القاطع فحسب، بحكم تخوفها من فقدان وضع التفوق النوعي الذي ضمنته لنفسها منذ عقود، بل وتدفع بطرح أن نجاح إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية هو عاجلا أم آجلا تهديد حتمي لوجودها وندير شؤم (في أخف الأحوال) على سلوكها واستراتيجياتها بالمنطقة.

هي من هنا لا تعارض طموح إيران (المعلن كما المضمر) بحد ذاته فحسب، بل وتستشهد بتصريحات الساسة الإيرانيين المناهضة لوجود إسرائيل جملة وتفصيلا.

+ أما الدول العربية (ودول الخليج تحديدا)، فلا يقتصر طرحها على مطالبتها المتكررة "بجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل"، بل وتعارض البرنامج النووي الإيراني برمته بسبب من تخوفها من احتمال الإشعاعات النووية (سيما بمفاعل بوشهر القريب) التي قد تترتب عنه دونما تلميح كبير من لدنها إلى مسألة موازين القوى.

+ أما طروحات ما سوى ذلك من دول أو مجموعات دول (الصين أو الهند أو روسيا أو غيرها)، فهي لا تتعامل مع الملف النووي (بوكالة الطاقة الذرية أو وفق ما يصدر عنها من مواقف) إلا من باب المغازلة الدبلوماسية المبطنة لهذه الجهة أو تلك دونما تحديد موقف قاطع وصريح من الملف إياه.

وإذا كان من المتعذر حقا معرفة مآل عمليات المد والجزر التي لا تزال تطبع الملف وتكون لسماته الكبرى (بأروقة الوكالة كما من بين ظهراني الترويكا الأوروبية كما عبر الملاسنات الإعلامية) فإنه من غير المتعذر ترتيب درجات الموضوعية التي تميز الطروحات إياها في شكلها كما على مستوى المضمون:

+ فإيران لا تدفع فقط بحقها المشروع في امتلاك تكنولوجيا نووية (بحثا وتطويرا) لاستخراج الطاقة الكهربائية لمعاملها ولمنازل مواطنيها، بل وتعتبر ذات الحق خطا أحمرا توافق الإيرانيون بكل أطيافهم ومواقفهم السياسية على عدم الاقتراب منه أو محاولة تجاوزه.

لو سلم المرء بذات الحق (والغرب يسلم بذلك جهارة وعلانية)، فإنه لا يمكن إلا أن يسلم بأن ذلك سيكسب إيران حتما الخبرة ويمنحها المقدرة العلمية على تحويل جزء من البرنامج إياه بغرض إنتاج أسلحة نووية سيضمن لها بعضا من الهيبة سيما وأنها محاطة بدول ذات أنياب نووية (كالهند وباكستان وروسيا وكازخستان) ومحاصرة بحزام من القواعد الأمريكية من كل جانب (يقال إن ببعضها سلاحا نوويا كما بتركيا) وعلى مقربة من مياهها الإقليمية يتربع الأسطول الخامس الأمريكي... ناهيك عن إسرائيل ذات المائتي رأس نووي وهكذا.

بالتالي، فإذا كان الحق إياه والخط الأحمر الملازم له موضوعيان، فإن المخاطر والتخوفات المترتبة عنها بمحيط كهذا لا تقل عنها موضوعية إذا لم يكن بالقريب المنظور فتأكيدا بالمدى المتوسط والبعيد. 

+ أما الدول الغربية (وعلى رأسها أمريكا والترويكا الأوروبية) فهي لا تمانع (ظاهريا على الأقل) في امتلاك إيران للطاقة النووية السلمية، لكنها تخشى من ذلك كونه سيكون مدخل إيران لبناء مقدرات تكنولوجيا عسكرية نووية " ستبتز" بها دون شك جيرانها، " ستهدد" من خلالها محيطها والتوازن الاستراتيجي القائم به،" ستقض بها مضجع" دولة عضو بالأمم المتحدة في وجودها أو " ستعرض كل المعمورة للخطر لو تسنى لذات السلاح أن يسقط بيد الإرهابيين والمتطرفين" بهذه المنطقة من العالم أو تلك.

الخشية هنا (يقول الخطاب الرسمي الغربي) ليست كامنة بالتكنولوجيا النووية (حتى وإن كانت عسكرية)، بل " باليد السياسية التي تحملها وتستعملها"... سيما لو كانت ذات "اليد غير مرتكزة على الديموقراطية" ومصنفة، فضلا عن ذلك، وحتى دونما توفرها على سلاح نووي، ضمن " محور الشر".

بالتالي، فالدول الغربية لا تسعى فقط إلى ثني إيران للعدول عن برنامجها (مقابل هذه الضمانة أو تلك، هذا الوعد أو ذاك)، بل وتلوح (في حال استمرار إصرار إيران على برنامجها) ب " ضرية إجهاضية" للمنشآت النووية تماما كما فعلت إسرائيل مع مفاعل تموز العراقي في العام 1982.

+ أما إسرائيل، فلا تكتف بالتحريض على ضرب المنشآت إياها من لدن الولايات المتحدة (وإلا لتكفلت هي ذاتها بالمهمة)، بل وتعمد إلى تحريض "حكماء" الوكالة الدولية إلى استعجال تحويل الملف إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار عقوبات دبلوماسية واقتصادية تضيق على إيران وتجبرها على الامتثال " للإرادة الدولية".

+ أما روسيا (والصين كما الهند) فإنها (وإن اقترحت تخصيب اليورانيوم الإيراني على أراضي بعض منها) فلا تتعامل مع الملف إياه من منطلقات موضوعية أو على أساس من خلفيات أخلاقية، بل من منطلقات جيوستراتيجية ومصلحية خالصة سرعان ما ستملي عليها وتحكم قرارها النهائي بمجلس الأمن كما موقفها إن هي دفعت إلى غض الطرف عن ضرب محتمل للمنشآت الإيرانية.

+ لم يبق للدول العربية (الخليجية تحديدا) من قول يذكر في ظل كل هذا ليس فقط بسبب من كونها مصطفة حول موقف الولايات المتحدة (الكاتمة على أنفاسها بالقواعد العسكرية أو بالابتزاز المباشر من خلال أطروحة "الفوضى البناءة")، بل وأيضا لأنها لم تدرك بعد أن مؤازرة إيران (ولو بالقول) هو من مؤازرة دولة مسلمة، تبنت العديد من القضايا العربية وحملت لواء القضية الفلسطينية لربما أكثر مما حملها عرب المنطقة.

أتمنى أن أرى يوما دولة عربية بوضع إيران تدافع عن حق واحد لها يصادر كما تصارع إيران للدفاع عن قضيتها بكل دول العالم وعلى كل الواجهات.

* "عن إيران المحاصرة نوويا"، التجديد العربي، 8 مارس 2006.

يمكنكم مشاركة هذا المقال