تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"هل الإنترنيت فضاء حرية جديد حقا؟"

news-details

لا أستطيع، حقيقة، أن أتفق مع طرح هذه الندوة باعتبار "الإنترنيت فضاء جديدا للحرية"، وإن تسنى لي أن أتفق مع هذا الطرح، فبجهة الصيغة الاستفهامية وليس بالصيغة التقريرية التي وردت بالعنوان العام:

+ أولا، ليس ثمة فضاء جديدا وآخر قديما للحرية، وإن كان ذلك واردا فالمفروض أن نقول الشيء نفسه على الكتاب وعلى الراديو وعلى التلفزيون وعلى المتعدد الأقطاب وعلى ما سواها من مستجدات تكنولوجية، لربما كانت فضاء "جديدا" ولم تعد كذلك مع مرور الزمن.

بالتالي، فالقول بأن الإنترنيت فضاء جديدا للحرية يشي حتما بالصيغة التقريرية الحاسمة التي تستبعد السؤال والتساؤل.

+ ثانيا، الحرية لا تتحدد بالبنية التحتية أو بالرافعة المادية أو بالشبكة التي تعطيها المظهر وتضفي عليها التجلي. هي حالة اجتماعية وسياسية ونفسية ورزمانة حقوق وواجبات تكرس بأرض الواقع وتأتي الشبكات (وغيرها) للتعبير عنها شكلا وعلى مستوى الترويج.

وعلى هذا الأساس، فأنا لست متأكدا حقا، حتى بمحصلة التحليل النهائية، بأن توفر البنى والشبكات (من وجهة النظر التقنية الخالصة) هو دليل توفر فضاء حرية حتى وإن كان عكس ذلك قائما، أي قد يكون ثمة حرية بصرف النظر عن توافر الحامل أو ضعفه أو تدني مستواه.

أزعم، بهذه النقطة، أن الحوامل السابقة على الإنترنيت (بغض الطرف عن كونها شبكات أم وسائل إعلام) لا تزال مكمن حرية أيضا، بل وتتطور بجهة أن تغدو فضاء للحرية "جديد" أيضا كما هو حال الإذاعة الرقمية أو فضائيات البث المباشر أو ما سواها.

+ ثالثا، القول بأن الإنترنيت هو فضاء جديد للحرية يشي، إضمارا أو بالمعلن، بحيادية التكنولوجيا عموما وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال تحديدا وتكنولوجيا الإنترنيت على وجه التحديد. اي أن الشبكة مستقلة عن المضمون الذي تحمله أو أن وظيفة الشبكة وطبيعتها شيء ووظيفة وطبيعة المضمون الذي هي رافعته شيء آخر. وهذا أمر ليس دقيقا فحسب، بل ويجانب الحقيقة في العديد من المستويات:

°- فالتكنولوجيا (كل التكنولوجيا بما فيها تكنولوجيا الإنترنيت) ليست براء من المضامين التي تحملها...هي مصممة ومصاغة لذلك قصدا لا لغيره تماما كالبندقية المصممة للحرب في حين أنها تصلح أداة حفظ سلم، لكنها بالأساس مصممة لأغراض القتل.

°-  والتكنولوجيا هي تفاعل مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي، لكن أيضا الثقافي والرمزي على الأقل بجانب أن التكنولوجيا هي إفراز لمنظومات ثقافية ومنظومة قيم.

+ رابعا، كل التكنولوجيا (بما فيها تكنولوجيا الإنترنيت) تحمل في صلبها نقيضها ليس فقط ذاك النقيض الطبيعي الذي يدفع بجهة تجاوزها (على الأقل من زاوية التراكم لا القطيعة)، ولكن أيضا الذي ينافيها ويحاربها أو يدفع بجهة التضييق على مستعمليها.

بالتالي، فإذا كان الإنترنيت فضاء جديدا للحرية (في التصور العام)، فإنه بالآن ذاته مكمن مضايقة من لدن هذه الجهة أو تلك، على أساس من هذه الخلفية أو تلك.  

وعلى هذه الأسس، أزعم أنه لو كان الإنترنيت فضاء جديدا للحرية (وهو كذلك تأكيدا على الأقل بجانب توسيع هامش الحرية المتاح)، فإنه بالوقت نفسه مكمن مصادرة لها وارتهان لصيرورتها بالزمن والمكان على الأقل لثلاثة اعتبارات تبدو لي أساسية:

°- أولا، الشبكة عبر نشأتها وطبيعتها العسكرية لا تزال تحمل البصمات الأمنية الملازمة لها منذ ستينات القرن الماضي ليس فقط بجانب كونها تدور في فلك وكالة الأمن الوطني الأمريكية، بل وكذلك كونها متحكم فيها من لدن مؤسسة (مؤسسة الإيكان) تخضع لوصاية وزارة التجارة الأمريكية وترفض (بقمة تونس كما بغيرها) أي حكامة عالمية تحول دون مرور معظم المكالمات والاتصالات العالمية عبر التراب الأمريكي.

°- ثانيا، الشبكة تحولت منذ مدة (منذ 11 شتنبر تحديدا) لأداة رقابة ومراقبة على الأفراد والجماعات ندر مثيل لها في تاريخ التقنيات أو الاستعمالات الجانبية للتقنية.

بالتالي، فالإنترنيت أضحى جزءا مركزيا من منظومة إيشلون الشهيرة التي تحصي وتلتقط وتمركز بين يديها جل مكالمات العالم الهاتفية وعبر التلكس والفاكس والبريد الألكتروني وفق مفاتيح تمكنها من اعتراض حوالي 50 بالمائة مما يروج بالعالم (منظومة إيشلون تمكن من معالجة أكثر من مليوني مكالمة واتصال بالدقيقة).

من جهة أخرى، فإن تمكن الولايات المتحدة من التقاط كل المكالمات الخليوية والتراسلات عبر الإنترنيت (مواقعا وبريدا وما سواها)، ناهيك عن مراقبتها للبطائق البنكية وبطائق الاقتناء وغيرها، يعطيها إمكانية متابعة حل الأفراد وترحالهم ومعرفة أماكنهم وتحديد مواصفاتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية والنفسية وما سواها.

°- ثالثا، الحكومات الغربية (كما العربية) بدأت تسن منذ مدة قوانين جديدة بجهة التضييق على الحرية بالإنترنيت على خلفية من اعتبارات "الحرب على الإرهاب" أو"الأمن القومي" أو"الأمن العام" أو غيرها، بل إن الإدارة الأمريكية اعتمدت بنونبر 2002 قانونا يعطيها "الحق" في ولوج معظم بنوك المعطيات المتوفرة عالميا والحصول على المعلومات المرغوب فيها حول هذا الشخص أو المجموعة أو المنظمة أو الدولة أو الشركة أو غيرها. 

بهذه النقطة، ما يبدو عامل حرية هو تضييق من مجالها حتى وإن كان من حق الدول تقنين الشبكة وإخراجها من دائرة "اللاقانون".

وبهذه النقطة أيضا، تحميل المسؤولية لهذه الجهة أو تلك (صاحب الموقع، مزود الخدمة، المانح للموقع أو لغيره) يفتح الباب للاجتهاد المضيق حتما على الحرية... وهو حال القانون الفرنسي الذي يشدد على هذا الجانب لدرجة التضييق على الحرية.

°- رابعا، سقوط بعض الشركات (ومحركات البحث أيضا) تحت سلطة رأس المال (عبر التمويل أو الإشهار والإعلان) يعطي الانطباع كما لو أن الحرية الاقتصادية تتقدم بالشبكة على حساب باقي أشكال الحرية السياسية والثقافية وغيرها.

بمعنى أن توجه هؤلاء (المعلنون أقصد) بجهة السطوة على الشبكة من شأنه أن يعظم من دورها التجاري والاقتصادي على الأبعاد الأخرى سيما الحرية.

الخشية إذن أن تتحول الشبكة من فضاء للحرية (حسب الورقة) إلى وكر للمتاجرة والاقتصاد ولربما أيضا للتطرف والإفتاء وغيرها.

بالمحصلة:

+ لو سلمنا بأن قدوم الإنترنيت ساهم ويساهم في توسيع هامش الحرية بهذا الشكل أو ذاك، فإنه ساهم و يساهم أيضا في وضعها تحت الرقابة بطرق مختلفة تقنية وتشريعية وغيرها.

 الشبكة، من هنا، لا تضيق فقط على الحرية بل من شأنها أن تضيق أيضا على الديموقراطية بما هي (الديموقراطية) شفافية في تنقل المعلومات والمعطيات وحماية للأفراد والجماعات وضمان حقهم في البلوغ والنفاذ إلى بنوك المعطيات.

+ لو سلمنا بأن الشبكة مكمن حرية، فهي أيضا محصورة بفئة تتوفر لديها السبل والإمكانات للبلوغ والنفاذ. ما سوى ذلك يقصى بالجملة والتفصيل. هي إذن شبكة إقصائية وانتقائية إلى حد بعيد.

+ بالتالي، فالشبكة لا تفرز الحرية بقدر ما هي حامل لها، ممظهر لتجلياتها، إذ لا حرية (افتراضية) بالشبكة إذا لم تضمن في حدها الأدنى بأرض الواقع. وعلى هذا الأساس، أتصور أنه لو كان المأمول هو جعل الإنترنيت فضاء حرية بامتياز، فهذا أمر مطلوب ومرغوب فيه ومستساغ فضلا عن ذلك. أما لو كان القول بذلك كحالة واقعية قائمة، فهذا أمر يحتاج إلى إثبات ونقاش... وهو لربما ما دشنته هذه الندوة.

* "هل الإنترنيت فضاء حرية جديد حقا؟ "، مداخلة بندوة "الإنترنيت فضاء جديد للحرية"، عيد الكتاب، الدورة التاسعة، تطوان، 4 يونيو 2006.

يمكنكم مشاركة هذا المقال