تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الباحث و الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي لهداية نت: الصحافة الإليكترونية امتداد للصحافة الورقية

الباحث و الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي لهداية نت

حاورته منى وفيق – الرباط

الصحافة الإليكترونية امتداد للصحافة الورقية

 

 و أخيرا هي ذي هداية نت تحاور الباحث الإعلامي المغربي النشيط و المعروف يحيى اليحياوي.

 يحيى اليحياوي باحث و خبير إعلامي من مواليد 1961 بسيدي قاسم بالمغرب.
الحوار مع هذا الرجل لا يخلو من غزارة وصدق و لذا ما استغربت أن يكون لقاؤنا معه ثريا كل هذا الثراء.

مرت 10 سنوات على دخول الإنترنت للمغرب.ألا زلت ترى أن حجم الارتباط بالإنترنيت في المغرب لازال ضيقا؟

 يحيى اليحياوي: عندما اعتبرت أن أفق الإنترنيت بالمغرب محدود فبالاحتكام إلى ثلاثة معطيات بدت لي حينها ولا تزال إلى حد بعيد موضوعية:

 الأول لأن مجتمعنا مجتمع شفوي بامتياز والدليل على ذلك النجاح الواسع الذي لقيه الهاتف النقال ولم يبلغه الإنترنيت. الإنترنيت بطبيعته ومنذ نشأته شبكة نخبوية تفترض حدا أدنى من القدرة على ولوجه وهو ما ليس متاحا بالوقت الراهن.

المعطى الثاني لأن مجتمعنا بالمغرب مجتمع أمي بنسبة كبيرة وولوج شبكة الإنترنيت يستوجب حدا أدنى من المعرفة بالتقنية وباللغة وبما سواها. إذا كان المجتمع غير قادر على تجاوز أزمة المكتوب فكيف له أن يلج الشبكات الإلكترونية للبحث عن المعلومات أو للتعلم أو للتواصل أو لما سوى ذلك.


المعطى الثالث لأننا لا نتوفر بالمغرب على استراتيجية في ميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال (وبالتحديد على مستوى الإنترنيت) تضمن ربط الأفراد والجماعات والجهات بالشبكة ومصاحبتهم حتى يغدو بمقدورهم التعاطي مع الشبكة وتطويعها وفق حاجياتهم. خطاب "مجتمع الإعلام والمعرفة" الذي واكب مراحل "حكومة التناوب" هو خطاب للاستهلاك، فارغ من المحتوى وأستطيع القول بأنه برر لعملية خوصصة شركة اتصالات المغرب بدليل تدني أحجام الارتباط وضعف المضامين في المواقع القائمة (سيما الحكومي منها) البئيسة الشكل والغير خاضعة لعمليات التحيين المطلوبة.

ثنائية الارتباط والاستخدام معاقة إذن بالمغرب وبكل المقاييس. بهذه النقطة أنا أزعم أن دور الدولة مركزي ومحوري، لكن الدولة انسحبت وتراجعت ليس فقط في إقامة البنى التحتية الأساس بل وكذلك على مستوى إنتاج المضامين وتمكين الغالبية العظمى منها.

 أنا أعجب حقيقة من خطاب الذين يتحدثون عن الحداثة في وضع ميزته شلل مقومات العلم والمعرفة والتقنية. عن أي حداثة يتحدثون إذا لم نكن نستطيع حتى مجاراة العصر تقنيا فما بالك على مستوى المعرفة والبحث العلمي والإبداع التكنولوجي؟

ماذا عن قمة المعلومات العالمية المقامة الآن في تونس؟ كيف تجدها؟ و لِم لم تحضرها؟

يحيى اليحياوي: أنا لست مهووسا بحضور المؤتمرات والقمم سيما لو تم تنظيمها بدول لا تحترم الحد الأدنى من معايير حرية الرأي والتعبير والتفكير وتحول المعلومة من وظيفتها المعرفية إلى أداة للتجسس والاستخبار ومراقبة حل الأفراد والجماعات وترحالهم. أنا، انطلاقا من هذه الخلفية على الأقل، لم أستسغ السر خلف عقد قمة المعلومات الثاني بتونس.

 ولم أستسغ أيضا الآية من حضور الدول العربية ودول العالم الثالث عموما إلى قمة هي، في موضوعها، تهم الأمريكان والأوروبيين الذين يتفاوضوا بغرض إيجاد صيغة لتسيير مشترك لشبكة الإنترنيت عوض أن يبقى الأمر بيد مؤسسة أمريكية يحكمها منطوق القانون الخاص ومرتبطة بكتابة الدولة في التجارة الأمريكية.

صحيح أن القمة تناولت العديد من المواضيع ذات الصلة (من قبيل الفجوة الرقمية والصندوق العالمي لتمويل مشاريع تضييقها تحديدا)، لكنها تركزت بالبداية وبالمحصلة على إشكالية "حكامة الإنترنيت" ودول العالم الثالث (اللهم إلا الصين والبرازيل) لا سلطة لها ولا تأثير على مجريات النقاش ولا على القرارات التي قد تتخذ.

ثم هذا الصندوق هو بالنهاية ذر للرماد بالأعين إذ القول بإمكانية تضييق الفجوة عبر المساعدات هو من قبيل القول بإمكانية تقدم الدول الفقيرة بمجرد إلغاء ما ترتب عنها من ديون خارجية...وهو طرح مجانب للحقيقة وللمنطق أيضا.

الفجوة بين الشمال والجنوب فجوة في التنمية أساسا، أما باقي الفجوات (وضمنها الفجوة الرقمية) فهي إحدى المظاهر البارزة للفجوة التنموية ليس إلا.
بالتالي فالوعي بهذه الحقيقة هو الذي من شأنه خلق شروط الأمل من بين ظهراني دول العالم الثالث في بناء مجتمعات جديدة.

منظمة الأمم المتحدة أعلنت على لسان أمينها العام عدم رغبتها في إدارة الإنترنت بشكل أممي وذلك حماية لها من " تقلبات الحياة السياسية بالمنتظم الأممي". ما تعليقك على هذا الأمر؟

يحيى اليحياوي: شبكة الإنترنيت ومنذ "اختراعها" في ظل الحرب الباردة للقرن الماضي وإلى اليوم وهي بيد مؤسسة "الإيكان" (وهي مؤسسة قانون خاص تخضع لقانون ولاية كاليفورنيا ومرتبطة عضويا بالإدارة الأمريكية). هي التي تمنح عناوين المواقع بالعالم وهي التي بمقدورها (على الأقل نظريا) منع أي دولة من ولوج الشبكة العنكبوتية.

 لم يكن هذا الواقع مثار إشكال كبير عندما كانت الشبكة في بداياتها الأولى نخبوية، محصورة بين يدي النخب وعدد الدول المرتبطة بها ضئيل.
لكن منذ مدة (ومع الانتشار الواسع للشبكة) لم تعد دول الاتحاد الأوروبي (بالإضافة إلى الصين والبرازيل والهند وغيرها) راضية عن احتكار مؤسسة الإيكان للشبكة معتبرة هذه الأخيرة "ملكا كونيا مشتركا".

من بين أروقة القمة الثانية (كما من ذي قبل) لم يبد الأمريكان أدنى استعداد للتخلي عن احتكار الشبكة تحت مسوغ أن سقوطها بين يدي نظم دكتاتورية من شأنه تدميرها أو التضييق على مواطني تلك النظم جراء غياب الديموقراطية وتعذر سبل حرية التعبير والرأي.

وهو طرح لطالما دفعت به الولايات المتحدة في ملفات أخرى من قبيل الحيلولة دون امتلاك إيران أو ليبيا أو العراق للأسلحة النووية مخافة استخدامها دونما رقابة ديموقراطية على ذلك. هو بالتالي تبرير للحق لكنه مكتنف للباطل وهذا عهدناه في سياسات أمريكا.

 الأوروبيون يطالبون بتسيير جماعي للشبكة تحت إشراف الأمم المتحدة وهو ما أنشئت لتدارسه لجنة مختصة. لكن المفارقة أنه حتى لو تكفلت الأمم المتحدة بذلك فإنه بمقدور الولايات المتحدة التحكم فيه عن بعد والدليل على ذلك هو انسحابها من اليونسكو بداية ثمانينات القرن الماضي عندما اعتمدت المنظمة مشروع نظام عالمي جديد في الإعلام والاتصال ضدا على الولايات المتحدة وعلى النقيض مما كانت تتبناه هذه الأخيرة.

بالتالي فالولايات المتحدة لن تعدم السبل في التحكم وتوجيه الشبكة وفق ما يتراءى لها. فهي صاحبة الإمكانيات الهائلة و"المالك الشرعي للشبكة" وفوق كل هذا وذاك المالك للمفاتيح.
تماما كما في قانون البحار إذ هناك جزء من أعالي البحار مصنف ملكا للبشرية أو ملكا كونيا يختزن خيرات متنوعة لكن بلوغه غير متاح إلا للدول ذات القدرة التكنولوجية والصناعية. نفس الشيء بالإنترنيت، إذ لو سلمنا بأنه ملك كوني مشترك فالمستفيد الأول منه هي الدول الكبرى التي تتحكم في مفاصله.

هل ستتحرك شبكة الإنترنت من قبضة أمريكا في وقت قريب؟

 يحيى اليحياوي: أولا الأمريكيون أناس عمليون ولا يتعاملوا مع القضايا بتحجر بل بما يتوافق ومصالحهم الآنية والمستقبلية. وهم لا يكترثوا كثيرا بمؤاخذات الآخرين اللهم إلا عندما يكون من شأن ذلك أن يطاول مصالحهم. ثانيا، الأمريكان هم المتحكمون في مفاصل الشبكة: هم مصمموها والموظفين للغتهم بها والمتوفرون على أكبر عدد من المواقع بداخلها والمؤسسة القائمة عليها مؤسستهم. هم يتحكمون في الشبكة، في لغتها وفي المضامين الممررة عبرها أو من خلالها.

ثالثا، الأمريكان يراهنون على شبكة الإنترنيت (وعلى باقي شبكات المعلومات) كمدخل للهيمنة على القرن الحالي وهو قرن المعلومات والبحث العلمي والإبداع التكنولوجي بامتياز. بالتالي فلا أظنهم يفوضوا أمر تسيير الشبكة لغيرهم سيما وأن هذه الأخيرة تجر خلفها رهانات جيوستراتيجية وعسكرية واقتصادية وثقافية ضخمة.

لا أعتقد أن قبضة الولايات المتحدة ستتخفف في المدى المتوسط أو على الأقل في العقود التي ستبقى فيها هيمنتها مطلقة على مجريات الأحداث بالعالم.

سيخرج للسوق قريبا حاسب نقال بسعر 100دولار ليستفيد منه التلاميذ في كل دول العالم، الثالث خصوصا.

هل تتوقع مستقبلا أن تجود سوق المعلومات و التكنولوجيا بأكثر من هذا؟ و على أي مستوى؟

يحيى اليحياوي: التطور التكنولوجي غالبا ما يحمل بصلبه غريمه سيما عندما يلتقطه السوق ويدخل فضاء الاستهلاك الجماهيري (جراء الإنتاج الكثيف الذي يكسر الأسعار ويوسع من هامش الاقتناء). وهو أمر يمكن ملاحظته مع السيارة والراديو والتلفزة التي كانت في بداياتها نخبوية وتحولت إلى سلع جماهيرية تدريجيا فيما بعد. خاصية تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال تكمن في كونها تكتنز التقنية والأداة وفي الآن معا الثقافة والمعرفة.

بالتالي فالعبرة هنا بالاستعمال والاستخدام وليس فقط بالقدرة على اقتناء الأداة. هذه أدوات العبرة بداخلها لتحديد الحاجة وللقدرة على الاستخدام. التكلفة (من قبيل سعر حاسوب الألف دولار) هي إذن جزء من الإشكال ولا تختزل الإشكال بمجمله.

 لو سلمنا جدلا بهذا الكلام بالمغرب فهل نتعامل مع تكنولوجيا الإعلام والاتصال حقا التعامل الصحيح؟ هل لو أدمجنا الحواسب بالمدارس ووفرناها بمنازل التلاميذ نكون قد وضعنا حد للإشكال القائم؟ إطلاقا لا. لأن المفروض أن تكون هذه الحواسب رافدا من روافد العملية التعليمية ليس إلا على أن الأساس والأهم هو أن تحدد هذه العملية فلسفة وبأرض الواقع.

 بمعنى أنه من المفروض تحديد السياسات والاستراتيجيات (في التعليم كما في الاقتصاد كما بالإدارة كما بغيرها) والتساؤل فيما بعد (وفيما بعد فقط) عن الأدوات التكنولوجية التي من الواجب إدماجها كرافد من الروافد الأساس. العكس بالمغرب هو القائم إذ لا زال القائمون على الشأن العام يعتبرون أن الحل يكمن في التقنية في حين أن هذه الأخيرة لا تعدو غير كونها جزءا منه على أن الأجزاء الأخرى موجودة في أماكن أخرى.

 الحل منظومي بامتياز ولا يكمن فقط في معالجة هذا الجانب بمعزل عما سواه من جوانب. أما عما ستجود به التكنولوجيا بالمستقبل فهذا أمر يتطلب مبحثا لوحده. لكني أقول بأن تسارع وتيرة الاختراعات والتطبيقات العلمية والتكنولوجية منذ ثلاثة عقود من الزمن يوحي بأن الآتي أعظم وأشد إبهارا.

هل من انتفاضة تكنولوجية تخوضها دول الجنوب ضد دول الشمال يوما؟

يحيى اليحياوي: بالقرن التاسع عشر قال ماركس بأن السكك الحديدية التي أدخلتها انجلترا هي التي كانت خلف استنبات قيم الرأسمالية بالهند. وقد أصاب ماركس بهذه النقطة على أكثر من مستوى.معنى هذا:

 أن التكنولوجيا (كل التكنولوجيات) تخلخل البنى التحتية وتدفع بجهة "تليين" البنى الفوقية التي غالبا ما ترفض المستجدات التي من شأنها إفراز عدم الاستقرار. إذا لم يكن الأمر كذلك، فما تفسير تكفير العديد من الفقهاء العرب والمسلمين للعديد من المستجدات التقنية ومنذ القدم؟

أن التكنولوجيا تفترض مناخا وقابلية على الاستيعاب وإلا لفقدت وظيفتها عندما تدمج قسرا أو توضع بين يدي من لا يعرف قيمتها أو يقيم مخاطرها. وبما أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال هي في الآن ذاته أعتدة ومعارف فهي تحتكم على الآلة وعلى منظومة القيم التي تروج لها أو تفسح لها في المجال. العبرة كل العبرة (مرة أخرى) بالاستعمال، فالبارودة أداة حرب بامتياز لكنها أيضا وسيلة من وسائل الحفاظ على السلم.

نحن بحاجة إلى "انتفاضة معرفية" يعاد في إطارها طرح إشكالية المعرفة والبحث في إطار هذه الإشكالية عن السبل القمينة للاستفادة من التكنولوجيا... كل التكنولوجيات المتوفرة.

قلت في حوار سابق إنه علينا أن نستثمر في تكنولوجيا الإعلام بقوة دونما التفريط في باقي القطاعات أو جعلها ثانوية. كيف هذا؟

يحيى اليحياوي: التنمية منظومة متكاملة ومتناسقة العناصر يتناغم بداخلها الاقتصادي بالسياسي بالاجتماعي بالثقافي...لا يحس المرء في ظلها بغلبة عنصر على عنصر آخر.
اليوم مثلا بالمغرب أزعم أنه لا جدوى كبيرة من المراهنة مستقبلا على قطاع كقطاع الجلد أو النسيج ليس فقط بحكم استحالة مواجهة المنافسين القائمين والقادمين ولكن أيضا لأن إنتاج هذه السلع أصبح يستوظف تكنولوجيا عالية الكثافة المعرفية لا دراية لنا بها كبيرة.

 نفس الشيء في مراهناتنا مثلا على الطماطم. ما الفائدة من ذلك إن كانت البيوتكنولوجيا قد أضحت مصدر الإنتاج الأول لذلك وهي متوفرة لدى وكلائنا التقليديين؟
المجتمعات القادمة مجتمعات معلوماتية وشبكية ومعرفية وقوامها الأساس التكنولوجيا بكل تفرعاتها والاستمرار في المراهنة على قطاعات تجاوزها التوزيع العالمي للعمل ضرب من ضروب التفكير المتحجر.

 عندما أقول بضرورة إبلاء الأولوية لقطاع تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال فليس معناه تخصيص الأموال لاستيرادها واقتنائها بالعملة الصعبة، بل محاولة موطنتها في أفق إقامة بنية تكنولوجية ذاتية تقوم عليها الكفاءات الوطنية عوض تركها تنزف وتهاجر للخارج.

 المفارقة اليوم أن قطاع الاتصالات مثلا أضحى قطاع ريع إذ الشركات الكبرى بداخله (سيما اتصالات المغرب) لم تعد تكلف نفسها عناء المساهمة في إقامة هذه البنية بل ترتكن إلى استجلاب التكنولوجيا وبيعها للسوق الداخلي. هي من هنا وسيط لا تنطبق عليه مواصفات الفاعل التاريخي التي يلصقها به بعض الجاهلين بالسياق العام. نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية حقيقية يتم بداخلها استدعاء كل الكفاءات ومصادر البحث والمعرفة وليس إلى خطابات عرجاء تجتر الديماغوجيا إلى ما لا نهاية.

نبشت في علاقة العولمة بالحاكمية لتتبين على حد قولك تطور خطاب المؤسسات الدولية. فأين وصلت؟

يحيى اليحياوي: العولمة صنيعة الدول الكبرى والمؤسسات الدولية الدائرة في فلكها بهذا الشكل أو ذاك. وقد عضدتها في ذلك معطيات تاريخية موضوعية كثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال وسقوط المعسكر الشرقي وانتصار "المد الليبيرالي الجديد".

 العولمة (ومحركها الأساس الشركات المتعددة الجنسيات) هي الدافعة بخطاب وممارسة الحاكمية أو الحكامة أو الحكم الجيد وبصلبها مجتمعة سياسات تقويض دور الدولة وخوصصة المرافق العامة وسن سياسات تحرير الأسواق وترك هذه الأخيرة تتحكم في مآل الاقتصادات الوطنية بالشكل كما بالمضمون.

 بالتالي فالحكامة تفتح السوق لفاعلي العولمة عبر فتح رساميل المؤسسات العمومية وتوفير الصفقات الكبرى وذلك بعدما تكون العولمة قد فتحت الأسواق. من هنا فالعولمة كما الحكامة لا يعرفان إلا السوق وليس لديهما أدنى معرفة بما هو المجتمع أو بما هي الثقافة أو بما هو المجال العام أو غيرها...ولا يهمهما بالتالي معنى "الملك الكوني المشترك". لهذا السبب فإذا كانت العولمة الحالية متوحشة فلأنها مرتكزة في بنيانها على نمط في التسيير (يدعى الحكامة) هو أكثر توحشا وتغولا في السياسات الدولية مؤقلمة على المستويات القطرية بهذا الشكل أو ذاك.

 هل يحيى اليحياوي خبير مستقبليات تكنولوجية؟

 يحيى اليحياوي: عبارة خبير أضحت عبارة إلى حد بعيد قدحية سيما عندما يتم فهمها بارتباط والتكنوقراط أو موظفي المنظمات الدولية أو مستشاري الحكومات أو صانعي التقارير تحت الطلب أو مرتزقة الدواوين الوزارية أو المتصيدين للدراسات التقنية من هذه الجهة أو تلك أو المتأتية أرزاقهم من استشارات بئيسة لفائدة هذه المؤسسة أو تلك وهكذا.
أنا أعترف أني لا أتوفر على ذرة من مواصفات هؤلاء ولا أولئك.

 أنا أشتغل ب"جيوب معرفية" محددة قد تعطي الانطباع بالتخصص الضيق للوهلة الأولى لكني أعالج ذلك بوضعه في سياقه العام. ولما كان السياق أهم من المعنى أو هو الذي يعطي للأشياء معنى ما، فإني استطعت بذلك أن أتجاوز ضيق التخصص بدليل تعذر تصنيف العديد من مؤلفاتي حتى وإن بدت من عناوينها تقنية خالصة.

على أية حال فأنا أشتغل وفق تصوري الخاص وبأدوات اكتسبتها من هنا وهناك ولست مطالبا بتبرير ما أكتب احتكاما إلى دفتر تحملات معد مسبقا.

 دفتر تحملي الوحيد هو أن أكتب شيئا له مصداقية يذكرني به بعض الناس بعد مماتي.

 لك كتاب عن محنة التلفزة في المغرب.هلا حدثتنا عنه؟ و هل ثمة ما أغفلته في هذا الكتاب؟

يحيى اليحياوي: ميزة هذا الكتاب تكمن في راهنيته على الرغم من كونه كتب من أكثر من ثماني سنوات. بالتالي فالمحنة التي تحدثت عن بعض من مفاصلها بالتلفزة بالمغرب لا تزال كاتمة على الأنفاس حتى اليوم:

فهي محنة متأتية من تعذر استنبات مشروع إعلامي تكون التلفزة أحد روافده.
وهي محنة استبداد السلطة (المادية والرمزية) على التلفزة لدرجة يجعل من هذه الأخيرة جزءا من سلطة وليست سلطة قائمة الذات.
وهي محنة تلفزة لم تستطع لا عكس واقع الحال السائد ولا مساعدتنا على تجاوزه للمستقبل.
وهي محنة جهاز متكلس لم ينفع معه لا النقد ولا فورة الفضائيات من حولنا.
هي محنة مركبة بكل المقاييس لا تزال إكراهاتها ممتدة إلى اليوم من بين ظهرانينا.

 أما الذي فاتني قوله فهو قناعة أضحت متجذرة لدي مفادها أن ركاكة الأداء التلفزي هو من ركاكة القائمين عليه وأن الثقافة المتجذرة من بين أضلعهم هي ثقافة الرداءة...أي الرداءة عندما تتحول إلى قيمة تلفزية.

متى تصبح شعوبنا جماهيرا وكيف؟

 يحيى اليحياوي: الانتفاضات الكبرى (الثورات أقصد) لا تقوم بها الجماهير. الجماهير المنتفضة هي مظهر من مظاهر الانتفاضات على الأقل بجانب الشكل. الذي يثوي خلف الانتفاضات هي النخب المتنورة التي تحول الأفكار إلى مشاريع للفهم وللتغيير.

 أنا أزعم أن المشترك بين أبناء الشعب الواحد (كيفما تكن أعراقه وطوائفه) هو الذي يتحول إلى قوى ضغط بالشارع حتى وإن لم تتواجد به حشود جماهيرية. بالديموقراطيات المتأصلة، الشعوب تغير الحكومات ومسار السياسات العمومية دونما حاجة لديها للتعبير عن ذلك بالتجمهر بهذا الشكل أو ذاك.

وأزعم من هنا أن كل الشعوب (حتى تلك التي طاولها التكلس البنيوي) تضم في مكنونها عناصر التغيير لكن شريطة أن تؤطر بنخب متنورة، حاملة لمشروع، صادقة ونظيفة اليد والسلوك. نحن أبعد عن ذلك ما نكون.

راكمت العديد من الدراسات و البحوث في مواضيع الاتصال و الإعلام و العولمة.

من كان المستفيد الأكبر من هذا التراكم؟

 يحيى اليحياوي: عندما أفرغ من مسودة كتاب جديد وأسلمها للناشر يكون عملي قد انتهى ليبدأ عمل الناشر ثم القارئ. الكتاب يغدو بالتالي كتابهم رواجا تجاريا ونقدا.

 أما الجهة المستفيدة وبأي درجة فلست أدري حقيقة...لربما بعض الأجانب الذين تصلهم بعض من مؤلفاتي بهذه الطريقة أو تلك أو بعض المهتمين بالمغرب وبالعالم العربي...لكن بالتأكيد بعض الناشرين اللصوص على حد تعبير الراحل زفزاف.

 نظرك هل ستزيح الصحافة الإلكترونية الصحافة الورقية؟

 يحيى اليحياوي: أنا غالبا ما لا أطرح السؤال بهذه الصيغة. أنا أتصور أنه لكل من الصحافة الورقية والصحافة الإلكترونية دورها على الأقل من منطلق أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تراكمية الطبع والصفة. فالتلفزة لم تزح الراديو ولا السينما تماما كما أن الكتاب عبر الشبكة لم يزح الكتاب الورقي.
هناك عملية تكامل وترابط وهناك امتداد للبعض على البعض الآخر.

 الصحافة الإلكترونية نتاج ثورة الشبكات سيما شبكة الإنترنيت وهي أتت على خلفية من الرغبة في توسيع سوق التوزيع أو للتجاوز على الرقابة أو لتخفيض كلفة الإنتاج وما سوى ذلك.

لم تأت ثأرا من الصحافة المكتوبة بل جاءت كامتداد طبيعي لها.
صحيح أن الجريدة بالشبكة قد أعفت القارئ من اقتناء الصيغة الورقية لكن ذلك يبقى إلى الاستثناء أقرب منه إلى القاعدة: القاعدة في التكامل لا في الإقصاء أو التجاوز. لكن المفارقة أن الذي لا يكلف نفسه عناء قراءة الجريدة المكتوبة بالكشك المجاور لن يكلف نفسه تأكيدا تصفحها عبر الشبكة.

مالذي يتمناه يحيى اليحياوي للإعلام المغربي؟

 يحيى اليحياوي: أتمنى أن ينظر القائمون عليه إلى ما يجري من حولهم ويتمثلوا ما وصل إليه إعلام الآخرين. ثم أن يعمل على عكس واقع الحال كما هو موجود ماديا (أي كما يتموج بالمجتمع) لا كما يراد له أن يكون وفق منظور هذه الجهة أو تلك. وأتمنى فوق كل هذا وذاك أن يسهم بالصورة في تخفيف حدة ما نعيش... لا أن يستمر في سياسة التنكيص علينا. حال الإعلام بالمغرب حال يتقزز له الإنسان جملة وبالتفاصيل.

ما رأيك بسياسة الخوصصة الني انتهجتها الحكومة المغربية في كل القطاعات تقريبا؟

 يحيى اليحياوي: سياسة الخوصصة التي اعتمدت منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي هي بالحقيقة تسوية قانونية لوضعية كانت سائدة. فكل المؤسسات العمومية أو معظمها وكل المكاتب الوطنية كانت أصلا ملكا للمدير العام أو للرئيس القائم عليها أو لغيرهما. بالتالي فالدولة لم تعمد إلا للاعتراف لهم بالملكية على ذلك عبر درهم رمزي ودونما مقابل في بعض الأحيان. ما سوى ذلك فوت للأجانب بصيغة التفويض الطويل المدى أو بصيغة بيع رأس المال. يتم الحديث مؤخرا عن خوصصة الحديقة الوطنية.

 هل بلغ بنا الحد لدرجة لا نستطيع معها حتى رعي الحيوانات؟هل بلغ بنا التردي درجة لا نستطيع معها حتى إطعام قرد جائع أو حمار وحشي؟
بالتالي وبصرف النظر عن أي حكم قيمة فأنا أعتبر أن سياسة الخوصصة بالمغرب إنما تعبر عن أمرين:
عن الإفلاس الرسمي للدولة بدليل أنه في غياب ما نبيع أضحينا نفرض الضرائب على نوادل المقاهي ونرفع الأسعار أربع وخمس مرات في السنة؟
وعن تفشي الفساد ونهب المال العام ورهن حاضر ومستقبل المغرب إلى آجال لا يعلم مداها إلا الله.

عن أي انتماء للوطن يتحدث مرتزقة "العهد الجديد"؟

حكومات إلكترونية ، خاطبة إلكترونية ، صحافة إلكترونية ..إلى أين سيأخذنا عالم الإنترنت و ما المزيد؟

يحيى اليحياوي: سئل البروفيسور جون برنار (وهو من أكبر اختصاصي سرطان الدم بفرنسا) عما يتمناه قبل وفاته فأجاب: أن أبعث من قبري بعد خمسين أو مائة سنة لأرى أين وصل العلم وبلغت التكنولوجيا؟

قد يكون في هذا الكلام بعض من الانبهار بالعلم والتقنية لدرجة اعتبارهما محددا المستقبل، لكني أتصور أنهما أحد مفاتيح المستقبل دون جدال.

 كلمة أخيرة للتكنولوجيا و التقنية..

يحيى اليحياوي: كثير منا لا يميز بين التقنية والتكنولوجيا: الأولى عتاد والثانية عتاد ومنظومة قيم وثقافة في الآن معا. بالتالي فهما يسيران معا واستنبات الأولى يستوجب استحضار عنصر الثقافة والقيم في الثانية، لا بل إن القاموس الفلسفي "لالوند" يحدد التكنولوجيا بالقياس إلى الحضارة. وهذا أمر لا يمكن الحديث فيه ونحن في الختم.

هدايه نيت، 2 فبراير 2009

يمكنكم مشاركة هذا المقال