تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"وعي الماضي وماضي الوعي"

ليس المقصود بالوعي هنا حالة فردية، بالاحتكام إليها يقاس إدراك المرء لمحيطه المباشر أو البعيد، بقدر ما هو إدراك جمعي، تتلمس المجموعة بموجبه ماضيها كما حاضرها ومستقبلها، وإن بمستويات مختلفة ومتباينة. هو يتجاوز الشعور الفرداني ليطاول العقل الجمعي، ويتعدى التمايز الذاتي، ليمس المشترك العام، وإن في تباين مستويات الإدراك، بين انتماء لهذه الجهة من الوطن العربي أو تلك.

من غير المفيد كثيرا التوقف هنا عند ما أسميناه ماضي الوعي عند العرب، وبكل الحقب التاريخية. حسبنا القول بأن ما بلغنا من كتابات تبين بالقطع، أنه كان ثمة لحظات وعي حقيقية، نجدها اليوم ضمن ما وصلنا من مضامين ثقافية، وعطاءات في التراث، ومنظومات القيم التي واكبت الحضارة العربية، منذ الإرهاصات الأولى للدولة العربية.

قد يكون هذا الجانب مهما، لكن الأكثر ضغطا اليوم والأشد وطأة على حاضر العرب ومستقبلهم، هو كيفية إدراكهم لهذا الماضي وسبل التعاطي معه، سيما وأنه لا زال يعيش بحاضرهم، يؤثر بسلوكهم، يفعل في نظرتهم لذواتهم وللآخر، ويسهم بقسط كبير في تحديد مواقفهم الحاضرة، وكذلك مواقفهم المستقبلية سواء بسواء.

الوعي بالماضي هنا، لا يقتصر على إدراك نفسي ما، أو لذات الإدراك فحسب، بل هو أيضا طريقة ومنهج في التعامل مع معطياته، بالارتكاز على ضوابط ونواميس فكرية "هي أقرب إلى شروط الفكر العلمي منها إلى أية أسس أخرى". المنظور هنا وخلفيات النظر، هي المحك والمقياس.

وعلى هذا الأساس، فإن الذي يميز الماضي عن التراث وعن التاريخ، إنما زاوية الرؤية التي تستوظف آليات الإبداع الفكري، الكفيل بخلق الإمكانات والبدائل الفكرية، التي تستنهض مقومات النهضة والتنمية على المستوى المادي الخالص، كما على مستوى التراكم الرمزي.

الماضي هنا (كما التراث المعبر عنه) هو تراكم كمي ونوعي لأحداث ووقائع، انتظمت بالسياق الزمني والمكاني الذي حكمها، وارتبطت بسياق تاريخي، لا يمكن استعادته أو إعادة إنتاجه، بالتالي فوضع الماضي بسياق غير سياقه، قد يشوش على الرؤية، يضببها، وقد يكون من شأنه تدمير الحاضر ورهن المستقبل، سيما إذا لم يتم إدراك أن الماضي كما الحاضر والمستقبل، إنما هم مجرد أجزاء من صيرورة عامة متداخلة، ومتفاعلة بالزمن والمكان، لكن غير سببية التوجه دائما.

والتاريخ هنا لا يقتصر على عمليات النسخ والتدوين لذوات الأحداث والوقائع، بل يستقرؤها بالسياق العام الذي اعتملت من بين ظهرانيه، فيساعد بالتالي على توفير أدوات فهم السلوك الإنساني، والاحتكام إلى سلوكه وإنتاجه الرمزي، لقياس مدى الوعي الذي بلغه. وبناء عليه، فإن النظرة التاريخية الواعية هي التي من المفروض أن تقود إلى إنارة التفكير التاريخي، وإلى تكوين نظرة تاريخية ناقدة، تقود بشكل أو بآخر إلى المستقبل. لهذا السبب، فإن المجتمع المتيقظ (الواعي بذاته وبمحيطه) هو الذي يتحكم في تاريخه، ولا يترك لهذا الأخير إمكانات سوقه أو تطويعه.

وهو أمر يستوجب حركية اجتماعية وثقافية من نوع خاص، يكون من شأنها أن تفضي للوعي أو تسترشد به.

ومعنى هذا، أنه من التجاوز حقا أن يعمد المرء إلى جعل العقل أسيرا للماضي، ليسقطه حتما في منظومة التفكير الماضوي الخالص، أي الارتباط بالماضي، والتعلق به، والعمل على إعادة إنتاج فصوله ودوراته، ولكأن التاريخ توقف وانحسر عنده، لا بل إنه ينظر إليه من منظور أنه مكمن الخلل أو سبيل الخلاص، والنقطة التي يجب التمحور حولها، أو التوقف عندها.

المراد هنا ليس الاعتراف بأهمية الماضي (وأهمية التراث من بين ظهرانيه)، بل العمل على منحه الشرعية وإضفاء المشروعية عليه، حتى يغدو المنهل الذي لا منهل غيره.

صحيح أن للماضي ثقل كبير، وهيمنة واسعة على الوعي العربي، الحديث منه والمعاصر، حيث إن ترسباته في الحاضر قائمة وثابتة. وصحيح أيضا أن للعرب الحق في الاعتزاز بماضيهم وتراثهم، وبالتالي حقهم في الاغتراف منه كثرة أو قلة. إن العيب في ذات المنظور، إنما ذهابه لدرجة الوله المرضي بالماضي، والسمو به لمرتبة القداسة. بل إن العديد من روافد الثقافة العربية (من فن وأدب وفلسفة وعلوم وسياسة واجتماع وما سواها) لا تتوانى في تمجيد ذات الماضي، والتراث الذي يحمله ما بين أضلعه، ولم تعمل إلا في القليل النادر منها، على بناء قواعد وقوانين ومبادئ يمكن أن تدعم الارتقاء.

وامتدادا لذلك، فما من قضية إشكالية كبرى، تعرض لها الفكر العربي القديم أو الحديث أو اعترضته، إلا وكان الماضي بصلبها بشكل من الأشكال، إما بصيغة التمجيد والنفخ في الأنا، وإما من باب الطعن بالاتكاء على هذا المنهج الغربي أو ذاك، أو على خلفية من القول من دنو مقام الماضي (وتراثه) قياسا إلى إكراه المستجدات القائمة أو المحتملة.

وعلى هذا الأساس، فإن الممانعة القائمة بين المتشبثين بالماضي (التقليدانيين بقول البعض) ودعاة الحداثة والمعاصرة، إنما تجد ترجمتها كاملة في هذا الفكر الثنائي المقاربة (ومنذ عصر النهضة على الأقل) المهووس بالماضي والتراث من ناحية، والمفتون بمزايا الحداثة، المطالب بالقطع مع الماضي، من ناحية ثانية.

وإذا كان لا بد من استحضار العرب لماضيهم كمعين أساس للقدرة على وعيهم بحاضرهم، فإن الثابت أن هذا الماضي كيفما كانت أمجاد التراث التي أفرزها، غير قادر على تقديم كل الأجوبة للحاضر، سيما بمضامين العمران السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني وما سواها.

بالتالي، فالعودة للماضي إياه قلبا وقالبا إنما يشي بالمحصلة الأولية، بوجود خلل في الوعي، لدى نخب سياسية وثقافية وفكرية، غير قادرة على استنبات وعي عربي جديد، يقدم الأجوبة الضافية لمجريات واقع الحال.

والعودة هذه لا تعبر فقط عن تخلف فكري يريد استنفار الماضي وتراثه لذاته أولا، ولشرعنة سياسات ما ثانيا، بل يتعداه إلى محاولة إصباغ ذات العودة بصبغة تجعل من الماضي وكذلك من التراث، نقطة البدء الأولى ونقطة الختم بالآن ذاته.

لا يبدو الوعي بالماضي هنا أداة إعاقة فحسب، على الرغم من القيمة المضافة الإيجابية التي تحملها العديد من روافده، بل ويبدو بالوقت نفسه، في كونه حاجزا سميكا يحول دون تكريس الوعي المجتمعي، فيوقعه بالتالي في الخطأ، أو يدفعه صوبا لناصية الأدلجة الصرفة. وعلى هذا الأساس، فإن الوعي بالماضي إنما هو أولا وأخيرا، من الوعي بضرورة انتقاء الإيجابي من هذا الماضي، واستنفار العناصر المحفزة بداخله، واعتبار ذات الوعي أداة لغربلة التراث الذي ثوى خلفه بالزمن والمكان. العبرة هنا بالقيمة الإنتاجية المضافة، وليس بالقبول بذات التراث ككتلة متراصة، عصية على الاختراق.

ومعنى هذا أن الوعي بالماضي هو بالأصل، من الوعي بأهمية استنباط واستكشاف مواطن القوة ومصادر القيمة ضمنه، والعمل على رسملتها، والنأي عن كل سبل النفخ في تراث، قد يكون معيقا بأكثر من جانب ومفضيا للبلبلة أيضا، وغير ذي قيمة كبرى من شأنها الإسهام في الوعي بالحاضر، أو الدفع بجهة تنوير مسالك المستقبل.

ومعناه أيضا، أن وعي الماضي أو إخضاع هذا الأخير للوعي، يفترض وضع الأصبع على "الخبرات المتوافقة مع صيرورة النهضة والرقي". من هنا، تتأتى ضرورة فهم الماضي فهما علميا دقيقا، وإخضاعه للمدارسة العلمية والعمل على غربلة مضامينه، أي الاستفادة منه إن كان بعناصره الإيجاب، والتخلص منه أو من العناصر السالبة ضمنه، إن كانت مصدر مشاكل أو أخطاء أو مثار فتنة.

يبدو لنا إذن، بالبناء على ما سبق، أن الوعي بالماضي إنما أفرز بالفكر العربي الحديث والمعاصر (منهل الوعي مبدئيا)، مقاربات ثلاث على شفا نقيض في بعض منها، فكرا وبالممارسة:

+ المقاربة الأولى وتتخذ من الماضي المعين الأوحد، وتشدد على أن عناصر الحل إنما يجب أن تنطلق منه، ليس فقط لإشاعة وعي جمعي تمجيدي للتراث، بما هو نتاج "السلف الصالح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، ولكن أيضا لأنه مصدر إلهام الأمة وعنصر وحدتها، والحامل لحضارتها، المادي منها كما الرمزي سواء بسواء. وإذا لم يكن ثمة مناص من الاعتراف بحق كل أمة أو شعب في الاحتماء بماضيها وتراثها، فإن ذات الاحتماء قد لا يكون من شأنه خلق وعي جديد، مبني على معطيات الحاضر أو تطلعات المستقبل، بمعنى أنه كيفما كانت أمجاد الماضي، فإنها تبقى محكومة بالسياق الذي اعتملت بداخله، ولا يمكنها أن تؤسس خيطا ناظما لسياق الحاضر والمستقبل. ولما كانت ذات المقاربة أحادية النظرة بامتياز، فإنها غالبا ما تستنبت وعيا مشوها، قد يبدأ بالانغلاق على الذات، وقد يصل لحد التطرف، ورفض الآخر، بل واعتماد أسلوب التشهير والتكفير في حق هذا كما بإزاء ذاك.

+ المقاربة الثانية وتأخذ بالحداثة والمعاصرة في شكليهما الغربي، ولا تتعامل مع الماضي، وعيا وتراثا، إلا في كونه شكلا من أشكال العبء المفضي للتقوقع على الذات، بل وتذهب لحد اعتباره مصدر تشويش على الوعي، وعامل ضبابية غير مجدي، وثقلا رمزيا مضرا. ويستشهد أصحاب هذا الرأي، بحالات دول وشعوب غير موغلة في الماضي، ولا يوجد تراث حضاري كبير لها (كالولايات المتحدة مثلا، أو أستراليا أو كندا أو غيرها) لكنها نجحت في خلق وعي جمعي عام، انطلاقا من خلفية صهر أعراق وملل ونحل ومذاهب وديانات مختلفة... غير مثقلي الكواهل.

هي مقاربة تنادي بالقطيعة، ولا ترى حاجة تذكر لبناء وعي جديد انطلاقا من ماض ومن تراث حكمته سياقات مختلفة. وهي مقاربة لها دعاتها، لكنها تتجاوز على حقيقة مركزية التراكم الثقافي والحضاري في تاريخ الأمم (سيما بالنسبة للعرب)، وتتجاوز على معطى أنه ليس كل ما هو ماض وتراث مذموم، وكل ما هو حاضر وقائم محمود.

+ أما المقاربة الثالثة, فتحاول أن تستنبت وعيا "جديدا" يغرف الإيجابي من تراث الماضي، والأنجع من معطيات الحداثة..على اعتبار أنه لا يمكن اقتلاع المرء من جذوره، ولا يمكن بالآن ذاته، فصله عن مظاهر المعاصرة التي تحيط به وتسائل راهنه. ليست العبرة هنا بالانتماء العاطفي، العبرة بالمنفعة وبالمصلحة، يقول أصحاب هذه المقاربة، وهما تستوجبان تلاقح الأفكار والقواعد والسلوكيات، دونما تغول ما لهذه الجهة أو تلك.

وهي المقاربة التي غالبا ما يعمدها نفر كبير من المفكرين العرب لإبداع وعي جديد، يجاري العصر ويواكبه، دونما قطيعة مطلقة مع الماضي، أو إدارة الظهر للمستقبل، أو تغافل عن مجريات واقع الحال الحاضرة.

* "وعي الماضي وماضي الوعي"، التجديد العربي، 21 ماي 2010. التحالف الوطني العراقي، 22 ماي 2010. سايس أخبار، العدد 188/189، غشت 2010. جريدة العرب، لندن، 24 ماي 2010.

يمكنكم مشاركة هذا المقال