تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحرب القادمة تطال 'فضاءات حضارية'

الحرب القادمة تطال 'فضاءات حضارية'

 قراءة في كتاب 'الإرهاب وأممية الاحتجاج على العولمة' للباحث المغربي يحيى اليحياوي

 ليست هذه المرة الأولى التي يعرج فيها الباحث المغربي يحيى اليحياوي على موضوع العولمة، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما سطره من قبل حول ملف الساعة ("العولمة: أية عولمة"، "العولمة الموعودة"، " في العولمة والتكنولوجيا والثقافة"..)، لكن الجديد مع مبحث "الإرهاب وأممية الاحتجاج على العولمة" (الصادر عن منشورات عكاظ، الرباط، صيف 2002)، يكمن في أنه قدم بعد أحداث الثلاثاء الأمريكي الأسود، التي أعادت لدائرة النقاش جدليات أكثر تعقيدا من ذي قبل، من طينة: عولمة الإرهاب وإرهاب العولمة، بالموازاة طبعا مع النقاش الأوسع الذي دار حول واقع ومصير الإسلام السياسي بحكم تمرير أوراق تتهم تنظيم "القاعدة" بالوقوف وراء الاعتداءات التي طالت الرموز السياسية والعسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية.

 حري بنا إذن العروج على الخطوط العريضة لهذا المبحث، بحكم اشتغاله حول موضوع العولمة من جهة، ولكن رابطا إياه مع موضوع الإرهاب الذي يهيمن على أغلب الدراسات والمقالات الصادرة عن مراكز الأبحاث الاستراتيجية في العالم بأسره.

 1- في الإرهاب والعولمة و"نهاية التاريخ"

 لا يجد المؤلف الحديث في علاقة الإرهاب بالعولمة وبأطروحة نهاية التاريخ أكثر من مبرر، بقدر ما يجده مؤسسا على أكثر من مسوغ:

 - فالظواهر الثلاث هذه، وإن لم تتزامن كليا في "توقيتها"، فهي تشتغل مجتمعة على خلفية من الفعل ورد الفعل: فالعولمة، كما أطروحة نهاية التاريخ، تحتكمان إلى نفس المنظومة الفلسفية والفكرية... في الوقت الذي يعتبر فيه الإرهاب (وإلى حد بعيد) رد فعل على عنف ذات المنظومة وأشكال الإقصاء المتفرعة عنها.

- كما أن الظواهر الثلاث تلك هي إفراز طبيعي لنظام سياسي واقتصادي مأسست له أطروحة نهاية التاريخ وبنت لمرجعيته ممارسات العولمة بموازاة استنبات تدريجي من لدنهما لمختلف ضروب الترهيب والإرهاب.

 وعلى هذا الأساس، فاختلاف الطبيعة فيما بين الإرهاب والعولمة ونهاية التاريخ وتشابه المرجعية التي تحكم كلا منهم وتحكمهم جميعا أيضا، لا ينفي قطعا تواجد روابط فيما بينهم إن لم تكن ذات صبغة تبريرية قائمة، فهي حتما ذات قوة تفسيرية من شأنها على الأقل تفكيك معطيات السياق العام.

أما فيما يتعلق بالمقدمات التي من الوارد أنها ستحكم بقوة شكل العلاقة بين الإرهاب والعولمة وأطروحة "نهاية التاريخ" المتحدث فيها هنا، فيحصرها المؤلف في ثلاثة عناصر:

 + ما وقع بالولايات المتحدة  لا يمكن أن يستقرأ فقط في كونه استهدافا لدولة كبرى رفعت لواء العولمة الليبرالية خطابا وممارسة وشرعنت لها ـ بالترغيب والترهيب ـ لتصبح قانون الكون ونظام الدول والحكومات، ولكن أيضا في كونه رد فعل ذو دلالة كبرى على نبوءة "نهاية التاريخ" التي لا تعتبر العولمة إلا مظهرا من مظاهرها وتجل من تجلياتها.

 ومعنى هذا أنه لو سلمنا بأن الاعتداءات هي من فعل محتجين على العولمة، مناهضين لها، وبالتالي عاقدين العزم على تحويل اتجاهها، فإنه لن يكون من المتعذر التسليم بأن الأحداث إياها هي، في المحصلة النهائية، موجهة ضد منظومة الفكر التي رفعتها أطروحة "نهاية التاريخ" وجعلت "شمولية الديموقراطية الليبرالية في العالم أجمع كشكل نهائي لحكم البشر" على حد ما ذهب إليه فرانسيس فوكوياما.

 إذا كان التاريخ منتهيا فيما بلغه النموذج الأمريكي في الاقتصاد والسياسة والثقافة، وإذا كان استمرار ذات النموذج هو من تعميمه ومن هيمنته على ما سواه من نماذج، فإن ما وقع يوم 11 أيلول (سبتمبر) 2001 من "إرهاب" قد لا يمكن اعتباره إلا مقدمة للانتفاضة على النموذج إياه وعلى النظام الفلسفي الذي أقام له الصرح والبنيان.

 + ما ترتب وما سيترتب مستقبلا عن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) إنما ينبئ ببداية التكريس الحقيقي لمنظومة التصورات التي لم يفتأ منظر " نهاية التاريخ" يدفع بها لأكثر من عقد من الزمن.

ومعنى هذا أن "الحملة على الإرهاب" القائمة حاليا ليست هدفا في حد ذاتها القصد منها إعادة الاعتبار للنموذج الأمريكي "الجريح"، بل وسيلة لصيانة "نمط العيش الأمريكي" وجعل " قيم العولمة" أساس النظام العالمي الذي لا تتوانى  الولايات المتحدة  تبشر به وتعلن  النية  على صياغته  وقيادته و"ضمان استقراره".

 + يتعلق العنصر الثالث بطبيعة النظرة التي تقدمها أطروحة " نهاية التاريخ" ـ كما ظاهرة العولمة ـ عن الإرهاب بمختلف أشكاله، إذ لا يعدو هذا الأخير كونه إن لم يكن ظاهرة لاعقلانية فهو على الأقل إفراز لظواهر لاعقلانية لم "تستنبط بعد حركة العقلنة وعلمنة الأفكار"، لأن الأديان والعادات التي كانت تبقي البنى مقفلة وتحترم ما يصفه المؤلف بالوتائر الطبيعية والتقويم الديني لا تستطيع الادعاء اليوم كما يشير إلى ذلك فوكوياما (وإن كان الأمر يتعلق بالإسلام)، بأنها تحقق أهدافها الشمولية!!

 من الأسئلة الحرجة تلك التي أفرزتها أحداث الثلاثاء الأمريكي الأسود، يعرج المؤلف على سؤال تبعات العولمة وأطروحة " نهاية التاريخ" من قبلها، كنظم منغلقة ودوغمائية ولاعقلانية ليس فقط في استصدارها لحقوق الدول والشعوب والثقافات في التميز، بل وأيضا في فرضها، دونما مسوغات تاريخية، لتمثل واحد موحد على الأفراد والجماعات!

 مع أن العمليات الانتحارية قد تبدو أمرا لاعقلانيا و" فعلا شنيعا" من وجهة نظر أغلب المحللين في الغرب والشرق على حد سواء، إلا أنها، من وجهة نظر منفذيها على الأقل، تبقى مبنية على أكثر من مسوغ، كما يشير إلى ذلك الكاتب،إذ لم يعد لهم من طرق بديلة لمواجهة عنف العولمة خطابا كما في الممارسة، ولم تعد لديهم القابلية للانصياع للحرب السيميائية التي لا يفتأ الخطاب الأمريكي أساسا يشنها.

 من هنا ف"الإرهاب" الممارس يوميا على الأفراد والجماعات ـ من لدن العولمة الليبرالية ـ كما الحرب شبه المعلنة على العديد من الدول العربية والإسلامية لا يستقرآن فقط بالقياس إلى الاستفراد المستمر للولايات المتحدة في تقرير مصير حاضر الكون ومستقبله، بل وأيضا بالاحتكام إلى تمثل للكون يجعل من القيم اليهودية ـ المسيحية قيما عقلانية خالصة مقابل قيم عربية ـ إسلامية "غير عقلانية" أو" لا تستحضر عالم "الأفكار الحداثية" في السلوكات المترتبة عنها.

 طبيعي جدا، أنه في حال التسليم بهذا الاعتقاد فإن الحرب القائمة حاليا كما القادمة، لن تطال دولا محددة ولا شعوبا معينة بقدر ما ستطال " فضاء حضاريا" لم تعد المجاملات كافية لتعيينه "كفضاء إرهاب".

 2-  جدلية الإرهاب والعولمة

 ما الذي يجمع الإرهاب بالعولمة وما السياق العام الذي تعتمل هذه العلاقة في إطاره وما المرجعية الكبرى التي يحتكمان إليها في الخطاب كما في الممارسة؟

للإجابة على هذا السؤال، ينطلق المؤلف من عرض نقاط التقاطع الموحدة أو المفرقة بين الإرهاب والعولمة. فثمة بين الإرهاب والعولمة علاقات توحد وتكامل موضوعية وعلاقات تنابذ وتضاد لا تقل عن الأولى موضوعية.

 فهما يتوحدان لحد الانصهار في خاصية التطرف التي تطبع تمثلهما، ويتقاطعان في ميزة العنف التي يسلكانها، ويتماهيان في طبيعة الوسائل التي يعتمدانها تمريرا للتمثل إياه أو تبريرا لما يترتب عن ذات التمثل من فعل ومن رد فعل.

ثم هما يتكاملان كون كليهما هو إلى حد بعيد صنيعة الآخر وكونهما معا وقودا لنار واحدة وينهلان فضلا عن ذلك من معين واحد. وهما أيضا، وعكس كل هذا وذاك، متنابذين، متضادين إذ اتساع فضاء أحدهما هو من تقليص فضاء الآخر وتقدم إيديولوجية أحد الطرفين هو من انتقاص إيديولوجية الطرف الآخر دون أن يبلغ ذلك مستوى الإلغاء أو التنافي.

 من هذا المنطلق إذن، لو أردنا فهم علاقة الإرهاب بالعولمة كظاهرتين "كونيتين" أحدهما عابر وظرفي (أي الإرهاب) والآخر كصيرورة اقتصادية وثقافية (أي العولمة) لكان من الواجب مساءلة السلوك الذي امتزجت فيه الظاهرتين في أقوى صورهما أي يوم تهاوت إحدى قلاع القوة العسكرية والمالية بالولايات المتحدة في عمليات انتحارية لربما لم يسبق لوسائل الإعلام المختلفة أن صورت مثيلا لها في التاريخ.

 واضح أن تفجيرات نيويورك وواشنطن لم تستهدف فقط رمز القوة الاقتصادية والمالية التي تستنبت من بين جدرانيها "قيم" العولمة وقوانين السوق وتقدس بداخلها مبادئ الليبرالية والمبادرة الخاصة والحرية الفردية، ولكنها استهدفت أيضا أركان الترسانة العسكرية التي يستظل فاعلو العولمة بظلها كلما طرأ طارئ من شأنه أن يهدد مصالحهم أو يحد من حركتهم أو يحول دون بلوغهم أي نقطة من نقط الكون تتراءى لهم فيها المنفعة أو الزيادة في الثروة.

 لم يكن من مواز منطقي لعنف الانفجارات بالولايات المتحدة إلا عنف سياسات هذه الأخيرة وسطوتها على ثروات الآخرين ـ كما في الخليج العربي منذ بداية التسعينات على الأقل ـ وإذلالها لدول تتطلع للاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي ـ كالعراق مثلا ـ وإلحاق الغبن والضيم بشعوب ـ كما في أمريكا اللاتينية وفي فلسطين وفي غيرها ـ تدافع عن حقها في الوجود والاعتراف بذات الوجود.

 وبقدر ما يلتقي الإرهاب والعولمة في تطرف التمثل، فهما يلتقيان أيضا في تطرف استخدام الوسيلة وأداة الجريمة: فالعولمة تدفع بالحرب الاقتصادية إلى أقصاها مستثنية من حركيتها دولا وشعوبا ومدنا وجهات وأفرادا وجماعات، مجردة إياهم من سلاح المال والسلطة ومقصية لهم من دورة رأس المال.

 والتطرف بدوره يدفع ب "شرعية العنف" في تعذر إسماع صوته بالمنظمات الدولية ـ بالنسبة للدول ـ أو عبر التنظيمات القائمة ـ النقابات بالأساس ـ أو من خلال الاحتجاجات الجماهيرية كما كان الشأن عند كل اجتماع دوري للدول الصناعية الكبرى والمؤسسات المالية التي تدور في فلكها.

 هناك قناعة متزايدة مفادها أنه لو كان بمقدور فاعلي العولمة أن يتعايشوا دون مصادمة كبرى مع أضدادهم (ممثلين في الفقراء والمهمشين والعاطلين وغيرهم) ولو كان لهم أن يتجاهلوا الحركات الاحتجاجية وأن يستبيحوا ثروات الدول وحقوق الشعوب  فإنه لن يكون باستطاعتهم التحكم في حجم ردود الأفعال التي تترتب عن هذه الممارسات بصرف النظر عن لون هذه الردود أو هويتها أو مرجعيتها أو عقيدتها. فمن الوارد اعتبار العولمة شريكا للإرهاب، تنمي عناصره وتقوي أدواته وتدفع به إلى أتون العنف ليرتد عليها نهاية المطاف تماما كما ارتدت على الولايات المتحدة دول ومنظمات وجماعات كانت من صنعها في العلن والخفاء قبل أن تتمرد عليها وتعلن العصيان في وجهها.

 منتصر حمادة، جريدة أخبار العرب، أبو ظبي، 20 يونيو 2003

يمكنكم مشاركة هذا المقال