"العدالة" المغربي يشمر عن ساعد المعارضة
أحمد حموش
الرباط- تصاعدت توقعات الأوساط السياسية المغربية بأن يرفع حزب العدالة والتنمية من لهجته المعارضة, ومن سقف مطالبه السياسية تحت قبة البرلمان في أعقاب تعيين الحزب المحامي مصطفى الرميد, المعروف بمواقفه الصلبة تجاه قضايا الحريات والإصلاح السياسي, رئيسا لكتلته النيابية في البرلمان الجديد الذي أفرزته تشريعيات سبتمبر الماضي.
وما ساهم في هذه التوقعات أن الرميد كان قد أقر في وقت سابق, أن ضغوطا مورست على حزبه عقب تشريعيات 2002, لكيلا يترأس الفريق النيابي لـ"العدالة"، بالرغم من أنه حصل على أغلبية أصوات نواب التنظيم بمجلس النواب.
وبحسب مراقبين، فإن هذه الضغوط مورست في حينها من وزارة الداخلية, مدفوعة من جهات سيادية عليا, بسبب مواقف الرميد الصلبة, الداعية صراحة إلى إدخال إصلاحات دستورية تقلص من صلاحيات الملك لصالح الحكومة والبرلمان، فضلا عن مناهضته صراحة لـ "خروقات حقوق الإنسان", التي تمارس في حق المعتقلين "الإسلاميين".
وفيما أكد نائب للحزب الإسلامي التوجه أن حزبه سيطرح بشكل أساسي في الدورة البرلمانية الجديدة, قضايا الفساد ونهب المال العام بجانب التنمية الاقتصادية، رأى خبير سياسي أنه من الأفضل للحزب أن يركز على المعارضة "من الشارع", وليس من البرلمان.
محاربة الفساد أولوية
وعن أهم القضايا التي ستشكل محور تحرك "العدالة" سواء داخل البرلمان الجديد أو على مستوى العمل السياسي الميداني، أشار الدكتور نجيب بوليف، النائب البرلماني عن الحزب إلى أن الحزب سيعطي الأولوية للقضايا المرتبطة بـ "ترسيخ قيم النزاهة والشفافية الإدارية، إلى جانب محاربة نهب المال العام والامتيازات الخاصة".
وقال بوليف: "آن الأوان لكي نعقد مصالحة مع ماضينا الاقتصادي كما أجرينا مصالحة مع ماضي سنوات خروقات حقوق الإنسان، لا بد من تنقية المشهد الاقتصادي الوطني, وبنائه على أسس صلبة واضحة، بعيدا عن المشاكل التي أثرت فيه سلبا إلى الآن, وجعلت نسبة نمو اقتصادنا ضعيفة, لا يتوقع أن تتجاوز 2.5 بالمائة خلال المرحلة المقبلة".
وشدد بوليف على أن القضاء سيكون كذلك ملفا بارزا يستأثر باهتمام مباشر من الحزب، "بالنظر إلى أنه يعيش اختلالات بارزة، ويؤثر بشكل مباشر في حياة المواطنين, اجتماعيا واقتصاديا".
وإلى جانب ما سبق, فسيعمل حزب العدالة والتنمية على الدفع بعجلة إصلاح التعليم العمومي, الذي يعيش تراجعا خطيرا لفائدة التعليم الخاص, إلى الأمام، ومحاربة "الفرانكفونية", والسياسات التي عادت بسلبيات كثيرة على المجتمع المغربي, من الناحية التربوية، بحسب بوليف.
وحصل "العدالة" على 46 مقعدا في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 7 سبتمبر الماضي، ليحتل بذلك المركز الثاني بعد حزب الاستقلال, الذي حصد 52 مقعدا, ويشكل أكبر كتلة نيابية معارضة في البرلمان.
وثارت تكهنات عقب التشريعيات الماضية بأن يشارك الحزب في الحكومة الجديدة عقب حصوله على المرتبة الثانية، إلا أن حزب الاستقلال بزعامة عباس الفاسي، الذي عينه الملك محمد السادس رئيسا للوزراء، فضل الاستمرار بنفس الائتلاف الحكومي السابق تقريبا، والذي يحظى بالأغلبية في البرلمان.
وسبق أن ألمح زعيم الحزب سعد الدين العثماني قبل الانتخابات, أن حزبه إن لم يشارك بصيغة مقبولة في الحكومة الجديدة, فسيقوم بدور المعارضة "القوية".
غير أن خبراء في الشأن السياسي المغربي يقللون من أهمية الدور المعارض لحزب العدالة والتنمية, معتبرين أنه من الصعب على أي حزب أن يمارس معارضة بمعناها الصحيح بالمغرب، كون التوجهات السياسية الكبرى للبلاد تحددها المؤسسة الملكية وليس الحكومة، وبالتالي لا تخضع لرقابة البرلمان.
وفي هذا الخصوص يقول الباحث السياسي يحيى اليحياوي: "إن الحكومة لا تعدو أن تكون مؤسسة موظفين إداريين يخدمون برنامج المؤسسة الملكية، وكل من يتبنى المعارضة تحت البرلمان فهو في الحقيقة يعارض فراغا اسمه الحكومة".
"أضف إلى ذلك, يستطرد اليحياوي, أن البرلمان بات ساحة للأعيان وأصحاب الجاه, وليس للنخب السياسية، ويستحيل الآن على التشريعي المغربي أن يضطلع بدوره كمؤسسة رقابية على الحكومة، وما يتبقى هو هامش صغير للتحرك ليس إلا !".
الشارع أم البرلمان
وفيما يتعلق تحديدا بـ "العدالة والتنمية"، رأى اليحياوي في حديثه لـ"إسلام أون لاين", أن "الحزب بات ملزما بفتح مزيد من جسور التواصل الحقيقية مع المواطنين، والابتعاد ما أمكن عن معارضة البرلمان".
وأوضح رؤيته قائلا: "قواعد السياسة المغربية غدت معروفة، والأغلبية البرلمانية مضمونة للتصويت على القرارات الحكومية، ومن ثم فأي تعويل على اختزال المعارضة داخل قبة التشريعي, ستبوء بالفشل لهذا السبب".
من جهة أخرى استبعد محللون إمكانية حدوث أي تحالف بين العدالة والحركة الشعبية (ذات القواعد الأمازيغية) التي تشارك لأول مرة في المعارضة بعد خروجها من الائتلاف الحكومي الجديد، للتناقض الكبير في برامج الحزبين وأسلوب عملهما.
وقال اليحياوي في هذا السياق: "للعدالة مشروع واضح يسعى لتحقيقه، بينما الحركة الشعبية كانت دوما حزبا إداريا (تابعا للقصر)، وفوجئت بوجودها في المعارضة بسبب الطريقة التي جرى بها تشكيل الحكومة الأخيرة، لهذا يستحيل في نظري أن تشكل قطبا معارضا بارزا بين الحزبين".
غير أن الدكتور بوليف توقع من جانبه أن يوجد "حد أدنى من التنسيق بين الحزبين, بخصوص قضايا معينة ترتبط بالتوجهات الكبرى للبلاد".
واحتلت الحركة الشعبية المرتبة الثالثة في الانتخابات الأخيرة برصيد 43 مقعدا.
وتتشكل الحكومة الحالية من أربعة أحزاب هي "الاستقلال" و"الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" و"التقدم والاشتراكية" و"التجمع الوطني للأحرار"، بينما نظريا تعتبر أحزاب "العدالة والتنمية" و"الحركة الشعبية" و"الاتحاد الدستوري" (يمين ليبرالي) أهم تنظيمات المعارضة.
وبين الطرفين توجد بعض الفرق النيابية الداعمة للحكومة اختارت لنفسها طريق "المساندة الناقدة"، كالفريق البرلماني الذي شكله فؤاد عالي الهمة، والذي صار يتشكل حسب تقارير إعلامية من 36 نائبا برلمانيا؛ إثر انضمام عدد من النواب المنتمين والمستقلين إليه.
إسلام أونلاين، 24 أكتوبر 2007