تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"لغات تستفهم مستقبل هويات"

في تقديم سابق لأحد مؤلفات الكاتب المغربي الجاد يحيى اليحياوي، أشرنا إلى أن الغرب المعرفي بصفة عامة ـ حتى نترك جانبا الغرب السياسي والغرب الديني والغرب الاقتصادي.. ـ  أصبح يعيش على إيقاع ثقافة التخصص، وبالنتيجة، أصبح من الطبيعي هناك، أن تتم دعوة الباحث الفرنسي جيل كيبل مثلا ليستعرض رؤاه حول واقع الحركات الإسلامية وليس عن شعر رامبو أو أغاني جاك بريل. والحال أن ميزة ضيف هذا العرض، كونه ارتأى الانخراط في ثقافة التخصص، عوض تقليد ممارسات ثقافية غير سوية بالمرة للغاية يعج بها الحقل الثقافي العربي، ونقصد ثقافة التحرير في مجالات معرفية شتى.

لا ننتظر من اليحياوي أن يطلعنا على جديد شعر محمود درويش أو تفكيك ماهية الوجود عند مارتن هيدغر، ولكن نتوقع منه الاجتهاد مجددا في نقد مآزق العولمة والاتصال، وهو عين ما يحفل به مبحثه الأخير الذي يحمل عنوان "كونية الاتصال، عولمة الثقافة"، والصادر عن منشورات عكاظ، مع تقديم الدكتورة نزهة بلخياط، والتي كانت محقة عندما افتتحت الكتاب بالإشارة إلى أن تحديد فكر الكاتب، أو الإسم الذي أضحى مألوفا في مشهدنا الثقافي (المعلوماتي والإعلامي والاتصالاتي)، لا بد من العودة إلى سلسلة من المساهمات مختلفة المسارات والاجتهادات متعددة الأوجه التي غالبا ما تبلغ حد التنظير والتي قدمها لنا فيما يتعدى العشرين كتابا فضلا عن ثلة من المقالات والدراسات المنشورة في الفترة الممتدة ما بين 1989 و2004 باللغتين العربية والفرنسية (صدر الكتاب عن منشورات عكاظ المغربية, طبعة نشرين الثاني, نونبر 2004).

سوف نتوقف على الفصل المخصص للغة والثقافة والمجتمع المعلوماتي، حيث يشير إلى أن هيمنة بعض لغات العالم على عمليات التبادل الاقتصادي والإنتاج المعرفي والتكنولوجي ـ ونضيف معها الهيمنة على تنقل التيارات الرمزية على نطاق شبه كوني واجتماعات المنظمات الدولية وملتقيات البحث والفكر ـ لم تعد مكمن إجماع عام على حقيقتها المتزايدة، بل أضحت تقدم في كونها "تهديدا" للحق في التباين والاختلاف و"خطرا" على "هويات" الأفراد والجماعات بهذه المنطقة من العالم أو تلك. وسواء أكانت اللغة هنا وسيلة اتصال وتواصل وأداة تبليغ وتبادل للمعلومات والمعارف، أم كانت تعبيرا عن ثقافة، عن هوية أو عن علاقات قوة، فإنها غذت في الحالتين معا تسائل ذات "الحق" وتستفهم في مستقبل "الهويات" إياها.

الحديث عن هيمنة وتفوق اللغات يحيلنا بشكل مباشر على واقع اللغة الإنجليزية دون سواها، والتي أصبحت لغة العولمة القائمة ولغة التيارات الرمزية المقتنية لذات الشبكات، إن لم نقل لغة "الثقافة" السائدة شكلا وفي الجوهر. وبرأي اليحياوي، لا يأتي "تفوق" اللغة الإنجليزية فيما يبدو، من تفوق ما في بنيتها الداخلية أو توفرها على سمات مميزة لها عن غيرها، ولكنه تأتى لها كون الدولة الثاوية خلفها (الولايات المتحدة الأمريكية) انفردت بسلطان القوة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والعسكرية والسياسية وسلطان البحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

وبالتالي، فعولمة اللغة الإنجليزية المتزايدة لدرجة أضحت معها لغة التخاطب العالمي ولغة المبادلات الكونية إنما هو رديف منطقي إلى حد بعيد لعولمة الاقتصاد والمال والأعمال والبحث والتكنولوجيا التي تدفع بها الولايات المتحدة بالمنظمات الدولية كما بالمنظمات الجهوية كما في علاقاتها مع الدول والشركات.

ولئن غذت المسألة اللغوية، في عصر العولمة وانفجار التيارات الرمزية على المستوى الكوني، رهانا كبيرا في العلاقات بين دول ومناطق العالم، فليس الباعث في ذلك كونها أداة اتصال وتواصل ووسيلة نقل للمعارف والمضامين، ولكن أيضا لأنها تجر من خلفها رهانات ثقافية وهوياتية ضخمة لا تختزل لحد الساعة إلا في مظاهر ثانوية (من قبيل غزو بعض المفردات الإنجليزية للعديد من لغات العالم، كما يشير المؤلف في الهامش).

والسر في ذلك، والرأي هذه المرة لأحد الباحثين الغربيين، كامن في أن "اللغة لا تصلح فقط لتمرير المعلومات المصاغة خارجها، ولكنها تمارس آثارا على بنية المعارف المصاغة داخل نشاطات ذهنية ووفق تداخل اجتماعي بين مختلف المتدخلين. فليست الكلمات في حد ذاتها التي تعبر وتوجه تمثلا للعالم ولكن أيضا أنماط ترتيبنا للكلمات والجمل في الخطاب. وكذلك فإن أنماط تواصلنا وتبادلاتنا هي التي تنظم وتهيكل وتوجه علاقاتنا بالعالم وبالآخرين".

ومعنى هذا أن العولمة اللغوية المتصاعدة المد لا تضع اللغة كأداة في المحك، بل وأيضا في كونها أضحت "ملتقا حقيقيا للعلم والتقنيات، للتربية والثقافة والاتصال" بتعبير برانسفيك دانزن، وهو ما سينعكس حتما على إمكانات الوصول للثقافة ونشرها وإعادة إنتاجها. ليستخلص اليحياوي أن العولمة اللغوية ليست هدفا في حد ذاتها بقدر ما هي وسيلة لبلوغ أهداف محددة وآليات مقصودة تكون اللغة بداخلها الأداة والرافعة لا العكس.

بمعنى لو سلمنا بأن الثقافة (في التحديد الأمريكي) إنما هي سلعة كباقي السلع، ولو سلمنا بأن "السياسة الثقافية" الأمريكية إنما تتمثل في الدفاع المستميت على مصالح صناعاتها الثقافية، فإنه لن يتعذر التسليم بالتالي بأن اللغة في كل ذلك إنما هي عنصر لنشر منتجات ذات الصناعات وترويجها على نطاق واسع وليست شيئا آخر!

*" لغات تستفهم مستقبل هويات"، جريدة القدس العربي، لندن، 14 أبريل 2005 (منتصر حمادة).

 

 

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال