يحار المرء حقا، ويوما عن يوم، في تحديد طبيعة ووظيفة فضائية الجزيرة القطرية والدور، المعلن كما الخفي على حد سواء، الذي تتكفل به أو تم تكليفها بلعبه، منذ إنشائها أواسط بداية تسعينات القرن الماضي، وإلى حين كتابة هذه السطور:
+ فالفضائية كانت لوحدها، ببداياتها الأولى على الأقل، طفرة إعلامية حقيقية في فضاء إعلامي عربي متكلس، جامد، يدور بفلك السلطة والسلطان، ملكا كان أم أميرا أم رئيسا أم ما سواه من أشكال الحكم الأخرى، البدوي الصرف منها، كما "المتمدن" سواء سواء.
+ والفضائية كانت، ببداية بثها، رائدة في إثارة القضايا العربية والإسلامية الكبرى، تغطية بالصوت والصورة، تحقيقا بعين المكان، كما عبر محاورة أصحاب الشأن، مفكرين ومثقفين وسياسيين ومواطنين عاديين بالشارع وغيرهم. +
والفضائية تميزت في تغطيتها، بنزاهة يعتد بها، الحروب على العرب وعلى المسلمين، وناصرتهم حقا وحقيقة،
لا بل ودفعت بمراسليها بمناطق خطرة، بفلسطين كما بالعراق كما بأفغانستان، كما بمشرق الوطن العربي ومغربه، وتكبدت جراء سلوكها، مقتل وسجن أكثر من مراسل لها، جرت عليها استعداء أكثر من صاحب مصلحة،
حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية كادت توشك على دك مقرها في أعقاب تغطيتها لأطوار الحرب الأنجلوأمريكية على العراق أواخر مارس من العام 2003.
كلها كانت عناصر قوة للفضائية، ومكمن إقبال واسع من لدن الجماهير العربية والإسلامية عليها، حتى أنها باتت، بحالة الحرب على العراق وعلى أفغانستان، مصدر الخبر والإخبار الأول، لا بل والمفضل والموثوق به من لدن الحاكم والمحكوم على حد سواء.
قد يكون السر وراء هذه "الطهرانية"، كامنا في براءة البدايات الأولى. وقد يكون الطموح للتميز، في فضاء إعلامي عربي خاصيته الأساس التماثل في الأداء، والتشابه في الطبع والطبيعة والتطبع. وقد يكون إلى جانب كل ذلك، التطلع إلى بناء صرح إعلامي يعتد به، على نمط ما نرى ونلاحظ بالشبكات الأمريكية أو الأوروبية الكبرى. قد يكون كل ما سبق واردا، أو جزءا منه على الأقل.
لكن ذلك لم يكن ربما إلا الشجرة التي أخفت وتخفي عنا متاهات الغابة ومخاطرها:
+ فالقناة لم تتردد، ببداية هذا القرن، في التماهي مع الاستراتيجية الأمريكية بالعراق، تماما كما تماهت دولة قطر معها، وهي التي فتحت، قبل مارس العام 2003، قاعدة السينية، حيث تمت كل الترتيبات العسكرية، العملياتية كما الاستخباراتية، لضرب العراق، ثم احتلاله، ثم فرض التعتيم على الفظاعات التي ارتكبت بحق أرضه وعرضه وممتلكاته. +
والقناة لم تتردد، فيما بعد، في تهميش المقاومة بأفغانستان وفلسطين، لا بل واستنكفت عبارتا "المجاهدين" و"الاستشهاديين" في حق الفلسطينيين، ونعتتهم، في أعقاب كل عملية يقومون بها، ﺑ"الانتحاريين" أو "المتسللين" أو " العناصر" أو ما سوى ذلك. +
والقناة لم تتلكأ في التعتيم، و"الربيع العربي" في أوجه، على حركات الاحتجاج والانتفاضة، بالبحرين كما بالكويت، كما ببعض أجزاء العربية السعودية كما بغيرها...
حتى باتت أخبار هذه الحركات مغيبة بالكامل من نشرات أخبارها، ومن شبكة برامجها الحوارية أو التحقيقية أو غيرها.
لا يختلف الأمر كثيرا في تعامل القناة مع الأحداث الجارية بسوريا. فهي، القناة أعني، باتت ولكأنها ناطق رسمي باسم دعاة إسقاط النظام عبر تشديد الضغوط عليه، أو تسليح المعارضة الداخلية لمواجهته، أو تأنيب الجماهير العربية والإسلامية على النظام إياه، من خلال تغطية للأحداث إياها، ولكأن الجيش النظامي لوحده هو الذي يقتل، لا بل ويقتل من أجل القتل، ودونما تمييز بين الطفل أو المرأة أو الشيخ أو ما سواهم.
إن القناة، شأنها شأن الإمارة الثاوية خلفها، إنما أضحت وبامتياز ولكأنها المعبر الحقيقي عن معارضي النظام السوري، حتى أنها عملت وتعمل على تشكيل شبكتها البرامجية بالبناء على ذات الموقف.
إنها، تماما كالإمارة الممولة لها، إنما تشن حربا بالوكالة حقيقية، مؤداها النهائي تمكين الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، من تحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه بمشاريع الشرق الأوسط الكبير ثم الموسع ثم الأوسع...
إنها، بتعبير مباشر، باتت تخدم ربيع الهيمنة الغربية على العرب والمسلمين، تحت غطاء ومسوغ "ربيع عربي"، أضحى بالمحصلة قول حق ظاهر، متدثر بباطل مضمر.
* "حرب الجزيرة على سوريا"، التجديد العربي، 13 مارس 2012.