تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الهيئة العليا للسمعي- البصري دخلت في مزايدات تؤشر على كونها موجهة في اتخاذ القرار

يحيى اليحياوي الباحث والخبير الإعلامي ل "التجديد:

الهيئة العليا للسمعي- البصري دخلت في مزايدات تؤشر على كونها موجهة في اتخاذ القرار

الباحث الإعلامي يحيى اليحياوي خريج جامعة محمد الخامس بالرباط والمدرسة الوطنية العليا للاتصالات والبريد، خبير لدى المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم في مجال الاتصالات، حاصل على جائزة المغرب للكتاب سنة 1996 عن كتابة "الاتصالات في محك التحولات". له أزيد من عشرين كتابا في مجال المعلومات والإعلام والاتصالات باللغتين العربية والفرنسية منها "حركية الليبرالية ومنطق الخوصصة"، "الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال"، "العولمة ورهانات الإعلام"، "العولمة الموعودة"، "العولمة أية عولمة؟"، "محنة التلفزة بالمغرب"، "العولمة، الاتصال-العالم، تطرف الليبيرالية الكونية والفكر الواحد"، "في العولمة والتكنولوجيا والثقافة: مدخل إلى تكنولوجيا المعرفة"، "أسلحة العدوان الشامل: تطرف القوة وعولمة الخوف".

في الحوار التالي مع "التجديد" يتحدث اليحياوي عن قضايا الإعلام العربي والعولمة والمناطق الإعلامية الحرة وغيرها. فيما يلي نص الحوار:

التجديد: كيف تقيم موقع الوطن العربي اليوم على صعيد السياق الإعلامي؟

يحيى اليحياوي: قد يكون من المتعذر الإجابة على هذا السؤال في عجالة كهاته. لكن الثابت على الأقل منذ حوالي عشرة سنين أننا بإزاء حركية حقيقية في المشهد الإعلامي العربي جراء طفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمعلومات وانفتاح السماوات وعمليات الدمقرطة التي بدأت تطاول العديد من الدول العربية لهذا السبب أو ذاك.

الفضاء الإعلامي العالمي تحكمه مجموعات كبرى ووكالات عالمية وتجمعات مهنية مندمجة، وقد ازداد تمركزا بالقياس إلى ما عهدناه بسبعينات القرن الماضي جراء عمليات الانصهارات والاندغامات التي كان مجالها. فأضحى قطبي البنيان وداغما لكل الأنشطة الإعلامية والمعلوماتية المكتوب منها والمرئي والمسموع، الورقي التقليدي منها والألكتروني بكل أشكاله. لكن ما يميزه هو الحرية النسبية في تنقل المعلومات من بين ظهرانيه عكس الاحتكار الذي كانت تمارسه وكالات الإعلام العالمية طيلة الخمسين سنة الأخيرة من القرن الماضي.

بالتالي، فالوطن العربي تمكن إلى حد ما من الاستفادة من هذه الطفرة على مستوى إنتاج المعلومات وتخزينها وتداولها سيما مع توفر وتعدد سبل الإرسال وسهولة اقتنائها بالسوق الدولي. لكن الإعلام العربي لا يزال قطريا ولم تنصهر مكوناته في منظومات اقتصادية كبرى إما لاعتبارات سياسية أو لخصوصيات كل مكون من ذات المكونات.

ثم هو لا يزال يخاطب نفسه حتى بوجود صحافة بالمهجر إما بسبب طبيعة الرسالة أو تعذر منافسة كبريات الصحف والفضائيات وهكذا.

بالمقابل فبقدر الانفتاح الظاهري الواضح وتعدد المنابر (من فضائيات وصحف ومجلات وكتب ومواقع على الإنترنيت وغيرها)، فإن معظم مكونات الإعلام العربي لا تزال تشكو ضيق مجال الحريات ومضايقة السلطات بالإضافة إلى ما استتبع أحداث 11 شتنبر والتشريعات التي ضيقت من هوامش الحرية الصحفية المكتسبة (صحفيون بالسجون، مطاردون أو متابعون).

وقد عالجت العديد من التقارير هذه الإشكالات بتفصيل كبير وبجرأة أيضا ولا أرى مجالا للإطالة بشأنها.

 التجديد: تتحدث في معظم كتاباتك عن مفهوم مجتمع الإعلام. ما هو تعريفك لهذا المفهوم وهل ترى أن العالم العربي قد تحول حقا إلى مجتمع إعلام؟

يحيى اليحياوي: مجتمع الإعلام بالمغرب كما بالمنطقة العربية هو اصطلاح وليس مفهوما. ثانيا هو لا يعني الإعلام كميديا أو كسمعي- بصري. هو يعني مجتمع المعلومات بكل روافده من اتصالات وسمعي- بصري ومعلوماتية.

والقصد من تعبير مجتمع المعلومات هو المجتمع الذي تغدو المعلومات بداخله عنصرا أساسيا بل العنصر الأساس لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وما سواها ليس فقط بجانب الوسائل والأدوات والأعتدة بل وأيضا بجانب المضامين والمحتويات إنتاجا وتداولا واستهلاكا. بالتالي، فبناؤه يفترض شبكات واسعة وناجعة، يفترض برامج لتشغيلها ويفترض محتويات ومضامينا لترويجها عبر هذه الشبكات. بمعنى أنه يفترض البلوغ إلى الشبكات ويفترض النفاذ إلى بنوك المعطيات المتوفرة والمرتبطة بذات الشبكات.

لو تعذر جانب من هذين الجانبين تعذر أمر تداول المعلومات أو الحصول عليها.

ومفهوم مجتمع الإعلام يختلف عن اصطلاح المجتمع المعلوماتي باعتبار هذا الأخير تنظيما مجتمعيا مبنيا على المعلومة وعلى المعرفة. لذلك يقال بأن كل المجتمعات الإنسانية هي مجتمعات معلومات، لكن مجتمع الزمن الحاضر هو مجتمع معلوماتي. وقد كتبت في هذا الأمر مؤخرا كتابا مفصلا (كونية الاتصال، عولمة الثقافة).

أما عن علاقة الوطن العربي بكل ذلك، فأعتقد أن تقرير التنمية الإنسانية العربية للسنة 2003 قد أفاض في إثارة وتحليل المعوقات التكنولوجية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تحول دون بلوغ العرب هذا المجتمع (بمعنى مجتمع معلوماتي لا مجتمع معلومات) بجانب اهتراء البنية التحتية وضعف المضامين والتضييق على الحريات وسيادة قيم الاتكالية وضعف الإبداع التكنولوجي والوظيفة المتدنية للمعرفة والهجرة المتزايدة للأدمغة وقس على ذلك (حتى بتحقق البعد الأدواتي كما في حالة العديد من دول الخليج).

بالتالي وعلى الأقل بالبناء على ما جاء في هذا التقرير فأعتقد أن الوطن العربي أبعد من أن يبني لهذا المجتمع أو يندمج فيه ليس فقط بحكم استمرار التخوف من المعلومة ولكن أيضا بحكم غياب فضاء الحرية والديوقراطية وتعدد الرأي.

التجديد: بعد عقود سياسات نقل التكنولوجيا في العالم العربي، هل تجاوزنا اليوم مستوى النقل؟

يحيى اليحياوي: عيب هذه السياسات هو إيمانها بإمكانية نقل التكنولوجيا. التكنولوجيا إبنة بيئتها قد تنقل منتجاتها من فضاء إلى فضاء لكن لا يمكن أن تستنبت كغرس إلا في محيط يضمن لها سبل الاستنبات وإمكانية التأقلم تماما كالأغراس والأشجار.

ثم التكنولوجيا ليست عتادا فحسب، بل هي معرفة وثقافة وإن استطاع المرء أن "ينقلها" كعتاد وكتقنية فإنه لا يستطيع أن ينقلها كمعارف وثقافة وكمظهر من مظاهر حضارة الأمة التي أنتجتها. والدليل على ذلك أن سياسات النقل نجحت في نقل التقنية كمنتوج لكنها بقيت دائما رهينة العلماء والتقنيين الذين صمموها فتلجأ لهم كلما طرأ طارئ.

أنا أزعم وهذه قناعة قديمة لدي أنه إذا كان النقل يدخل في إطار تبيئة التقنية على المدى القصير والمتوسط شريطة خلق بنية تكنولوجية على المدى الطويل فلا بأس، أما إذا كان النقل سياسة قائمة عن قناعة فأنا أتساءل إلى متى؟

تسألني عن المنطقة العربية أنا أتساءل: كيف يعقل أن لدينا الإمكانات المادية الهائلة ولدينا الأدمغة بكل جهات العالم المتقدم وليس لدينا بنية تكنولوجية عربية؟ هناك خلل يجب معالجته بهذه النقطة وهو خلل مركب ولا مجال للتفصيل فيه هنا.

لو أخذنا المغرب مثلا أنظر كيف تنهم اتصالات المغرب من سوق التكنولوجيا فتستورد الصالح والخوردة سواء بسواء. هل خلقت بنية صناعية في الاتصالات؟ هل أسست للبنة في البحث العلمي في هذا المضمار؟ هل عملت يوما على استقطاب الكفاءات المهاجرة؟ لا شيء من هذا لدرجة يتعذر على المرء حقيقة معرفة ميدان اشتغالها وأنا أعني ما ألمح إليه.

التجديد:عالم القرن الحادي والعشرين هو عالم الإعلام والصورة. ما هو تقييمك لأهمية الإعلام العربي حاليا؟

يحيى اليحياوي:أعتقد أن هذا السؤال هو امتداد لسؤال سابق لكنه مكمل له إلى حد ما.

أنا أتصور أن الصورة اليوم قد وازت الحدث إذا لم تكن قد تجاوزته. فلرب صورة أكثر دلالة من عشرات المقالات والتعاليق.

أهمية الإعلام اليوم أنه أضحى رديفا للآلة العسكرية باعتراف الأدميرال الأمريكي جوزيف ناي الذي يرى أنه من الأفضل عدم اللجوء إلى القوة الخشنة (القوة العسكرية) لو كان بإمكان القوة الناعمة (قوة الإعلام) أن توصل إلى نفس الهدف والغاية. بالتالي فالإعلام أضحى أداة حرب وأداة سلم في الآن ذاته. وبالناحية الاقتصادية غدا مصدر ثروة لا يضاهى ناهيك عن الوظيفة المعرفية التي قد يقوم عليها.

بالوطن العربي لو أخذنا حالة الفضائيات لتراءى لنا أن العديد منها (الجزيرة أو أبو ظبي أو غيرها) قد فتحت ملفات هامة ووضعتها بالفضاء العام وأزاحت القدسية عنها، بل إن بعضها تم منعها كونها أثارت قضايا جوهرية كما هو حال فضائية المنار التي منع الاتحاد الأوروبي بثها على القمر يوتلسات وهكذا.

هناك إذن بقعة ضوء هنا وهناك لكنها الاستثناء وأخشى ألا تكون القاعدة في المستقبل.

التجديد: دخلت بعض البلدان العربية في سياق إنشاء مناطق إعلامية حرة. هل تشكل هذه المناطق برأيك مسألة إيجابية أم العكس؟

يحيى اليحياوي: هذه المناطق نظريا هي فضاء ترابي خاص بأنشطة الإنتاج الإعلامي وما يرتبط به من أنشطة إنتاجية وخدمية (استوديوهات تلفزيون، قنوات فضائية، مناطق تصوير إنتاج برمجيات، دور طباعة، إعلانات، تسويق...الخ).

ميزتها الأساس أن لا قيود تذكر بداخلها حول طبيعة رأس المال أو مصدره أو حول طبيعة المشروع المزمع إقامته. وخاصيتها احترام حرية تحويل الأرباح والمال المستثمر وكذا السلع والخدمات المنتجة دونما خضوع لقواعد الاستيراد والتصدير المعتمدة.

هي مبدئيا خاضعة لسيادة الدولة حيث هي مقامة لكنها معزولة عن ذات الدولة قلبا وقالبا. هي كالدولة داخل الدولة لها قانونها الخاص ولوائحها المحددة مسبقا.

أنا اضطلعت على تجربة مدينة السادس من أكتوبر حيث توجد الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي وعلى تجربة الأردن وهي تجارب تستحق التوقف والتقييم والمجال هنا لا يسمح بذلك. أقول باختصار إنه من شأن إقامتها تشغيل اليد العاملة المتوفرة والإنتاج بمقاييس عالمية والمساهمة في استقطاب التجارب العالمية المتاحة. لكن مخاطرها هو أن تتحول إلى فضاء يهيمن عليه الرأسمال الأجنبي أو يستأثر بالكفاءات الفنية دون باقي قطاعات الافتصاد أو أن يتحول إلى جيوب للتهريب وما سوى ذلك.

بالتالي فقد يكون للتجربة إيجابياتها وسلبياتها...الكل مرتبط بالفلسفة الثاوية خلف إنشائها والغاية الحقيقية منها.

التجديد: هل تخدم العولمة الإعلام العربي وهل تشكل قناة لتحرير الخطاب الإعلامي العربي فعلا؟

يحيى اليحياوي: العلاقة بين العولمة والإعلام علاقة جدلية بامتياز وقد أوضحت ذلك في أكثر من دراسة. الإعلام يفتح في المجال للعولمة بجانبها التجاري والإشهاري تحديدا ناهيك عن مده بجهة قولبة السلوك الاستهلاكي لدى الجماهير المتلقية ناهيك عن دفعه بخطابها التنميطي والتوحيدي أي بما يسميه راموني الفكر الواحد.

بالمقابل العولمة تفتح الباب أمام الإعلام مباشرة إما عبر عمليات التحرير وإعادة التقنين والخوصصة أو بواسطة دفعها بمنطق انفتاح الحدود والسماوات وما سوى ذلك.

بهذا المعنى يبدو لي أنه من شأن العولمة أن تساهم في "تحرير" الخطاب الإعلامي من مفرداته وتوجهاته ووتيرة سيره لكن شريطة أن تخف الإكراهات الأمنية الداخلية وألا ينظر إلى الإعلاميين ولكأنهم يتآمرون على بني طينتهم وشريطة أيضا ألا تداس الرسالة الإعلامية تحت هذا المسوغ أو ذاك سيما مسوغ الإرهاب وغيره.

التجديد: كيف ترى سياسة تحرير المجال السمعي- البصري بالمغرب. هل من الممكن أن يقود ذلك إلى تعددية في الحقل لإعلامي؟

يحيى اليحياوي: أنا من أكثر من 15 سنة أناهض الاحتكار وأطالب بالتحرير (الذي لا يتساوق دائما والخوصصة). وأطالب فضلا عن ذلك بأن يكون التحرير وفق دفتر للتحملات يحدد الحقوق ويسطر الالتزامات وينظم السوق بناء على أخلاقيات محددة.

سياسة تحرير السمعي- البصري بالمغرب وفق ما تتراءى لي غير مؤطرة برؤية في التحرير واضحة وغير محكومة بمرجعية يمكن للمرء أن يستقرئها على أساسها. هي تبدو لي ولكأنها غاية في حد ذاتها وليست وسيلة سيما بعد 50 سنة من الاحتقان المتمحور حول التلفزة والذي محورها المخزن حوله.

بهذه الزاوية على الأقل يبدو لي أن سياسة التحرير كما تراءت لي في فلسفة المشروع وبالقانون أيضا إنما تريد أن تتجاوز على جوهر المشكل عبر معالجة الحواشي.

الإشكال الحقيقي بالسمعي- البصري بالمغرب هو الهيمنة المطلقة لسلطات مادية ورمزية لن يكون معها من إمكانية للتحرير. بالتالي فأنا على قناعة بأن هناك إيهاما بالإصلاح لكن الصواب هو أن لا إصلاح بهذا المجال طالما هو مكمن سيادة وشرعنة.

تسألني عن التعددية. من الوارد أن تتعدد الأقنية والمحطات لكنها ستكون إما بيد السلطة مباشرة أو بأياد تدور في فلكها. وعلى أية حال فالعبرة بالتجربة...لننتظر ونرى كما يقول الفرنسيون.

التجديد: منذ تأسيس الهيئة العليا للاتصال السمعي- البصري ظهرت هناك ملفات متراكمة اليوم لا تزال من دون حسم. هل ترى أن مهمة الهيئة هي ضبط المجال الإعلامي بالمغرب بتحولها إلى حكم أم وسيط؟

يحيى اليحياوي: من المفروض أن تكون حكما، لكن بالنظر إلى الظهير المنشيء لها يتبين أنها لا تستطيع ذلك كونها لا تتمتع بالاستقلالية المعنوية والمادية التي تفترضها وظيفة هيئة مثل هاته. فهي ملحقة لدى رئيس الدولة وميزانيتها من ميزانية البلاط الملكي وأغلبية أعضائها معينون بظهير ولا حساب يقدمون إلا أمام الذي وقع على ظهائر تعيينهم. صفة الحكم تفترض الاستقلالية المحيلة على الحياد وعلى النزاهة وهي غير محايدة وبالتالي لا يمكن أن تكون نزيهة وأنا قلت هذا عقب تعيين أعضائها مباشرة ولم أخف رأيي كما فعل البعض.

ثم الهيئة دخلت مؤخرا في مزايدات مع بعض وسائل الإعلام جراء إصدارها لبعض القرارات وهو أمر يؤشر على كونها موجهة في اتخاذ القرار.

على أية حال فأنا لا أراهن على هذه الهيئة في تنظيم السمعي-البصري بالمغرب لتواضع معرفة أعضائها بالميدان ولكن أيضا لأني أعلم أن الميدان ملغم وبكل المقاييس.

جريدة "التجديد"، 20-22 ماي 2005 (حاوره ادريس الكنبوري).

 

 

 

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال