"في عصر ثورة وسائط الاتصال ونظم المعلوميات وسيادة الصورة، نحس في المغرب كما لو أننا نعيش عهد ما قبل التلفزة"، يقول رجل السياسة المغربي محمد الساسي في تقديمه لكتاب "محنة التلفزة بالمغرب" لصاحبه الباحث يحيى اليحياوي، الذي يضيف أن "الأمر عندنا، يتعلق بتلفزة سلطة تفكر نيابة عنا جميعا، وتركب لغة تبشيرية ودفاعية ضد أعداء مفترضين"....
إن صورة التلفزة المغربية على هذه النمطية "القاتمة"، تحتقر المهنية، بتحويل كل أنشطة السلطة الاعتيادية، إلى "أخبار" مرتبة في الصدارة ضمن تلفزة التطمين، لأن الأخبار السيئة دليل شؤم، يتابع الساسي....
وإذا كان اليحياوي يرى بأن "أزمة التلفزة المغربية" بوصفها تشخيصا لمحنة مركبة، أي محنة الحرية، ومحنة الحق في الإعلام أمام إرادة التحكم والوصاية، فإن تلك الأزمة يقول اليحياوي، في كتابه "محنة التلفزة بالمغرب"، لها وجه ثقافي فضلا عن السياسي، يمثله "واقع الجمود والسكون عوض الحركة والحيوية، وواقع الإقصاء عوض الاختلاف والغنى والتنوع، وواقع الاجترار عوض الإبداع، وواقع النقل عوض العقل"، الشيء الذي تؤكده احتجاجات العاملين بالتلفزة المتزايدة، وهجراتهم إلى وجهات مختلفة.
ويرى محمد الساسي، في ذات التقديم، أن "التلفزة المغربية لا تحفز على العطاء، ولا تستثمر في مجالات فنية أساسية، ولا تحمل هم الدراسة والبحث في الموسيقى والتراث والفنون الوطنية، وتعتبر ربما أن المغنية الجيدة هي الأجمل وجها فقط. وما تسميه إنتاجا وطنيا، هو ركام من الاستجوابات والبرامج الخفيفة، بدون أي مجهود خاص للدراسة والاستطلاع، وبدون مشاريع تعاون مع مؤسسات ثقافية وعلمية"...
إن تقييد الحرية، التي هي روح العمل التلفزي، والتي تجعل منه سلطة رابعة، واستبعاد الوظيفة النقدية، وواقع تهميش الكفاءات ذات الرأي المخالف، وقبول الرداءة اعتمادا على الولاء، والتستر على الفضائح والاختلالات العامة وأعراض الأزمة، وسيطرة أجهزة الإكراه، وسيادة منطقها الأمني، هي التي تميز عمل التلفزيون المغربي منذ إحداثه، برأي الباحث يحيى اليحياوي....
ويعتبر محمد الساسي بذات التقديم، أن "التلفزيون المغربي يعد مرجعا مثاليا في تحرير نصوص إنشاء ركيكة، باهت الملامح، عديم الدقة، حافلة بالحشو والكليشيهات المعادة، يمكن أن تكتب قبل حدوثها"....
وإذا كان محمد نبيل بنعبد الله وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، قد أجاب بانفعالية كبيرة، على سؤال وجه مؤخرا، في لقاء له بالقنيطرة حول "تخلف" التلفزة المغربية، عندما قال "أعطوني ميزانية قناة الجزيرة وحاسبوني"، فإن العديد من الغيورين على التلفزيون المغربي ضموا صوتهم لصوت الباحث يحيى اليحياوي، عندما قال في كتابه "محنة التلفزة بالمغرب": "إننا نريد سلطة التلفزة وليس تلفزة السلطة، تلفزة تستند إلى منطق القانون وتخدم التواصل الأفقي، وتحتكم إلى المشاهدين، وليس إلى مراكز القرار".
جريدة المساء، 28-29 أبريل 2007 (قراءة محمد سليكي)