تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"دراسات لتقييم انتظارات مشاهدي" التلفزة بالمغرب

news-details

أعلن وزير الاتصال، من أسابيع قليلة مضت أمام مجلس المستشارين، أن وزارته  "بصدد إنجاز دراسات أساسية لتقييم حاجيات وانتظارات مشاهدي القناتين الأولى والثانية نظرا لأهمية علاقة الوسائط الإعلامية بمتطلبات المشاهدين وما تثيره من إشكالات يصعب حلها أحيانا"...سيما إشكالات " ما أصبح يبث في الإعلام المغربي من بعض المشاهد المخلة بالآداب والأخلاق الحسنة"...

والغاية المرجوة، يقول ذات الوزير، إنما العمل على تشكيل " قاعدة أساسية للشروع مستقبلا في وضع قواعد لضبط عملية الإنتاج بالتلفزة المغربية والقناة الثانية...حتى لا يبقى إعلامنا منغلقا عن تطلعات المشاهدين وانتظاراتهم وبعيدا عن أداء رسالته التربوية والتوجيهية المنشودة...".

لم يأت استشهادنا بكلام وزير في الاتصال أمام "مستشاري الأمة" باعتباره كشفا ندر مثيله أو اجتهادا قل نظيره، بل كونه أثار مسألة لطالما طالبنا بها بقطاع الإعلام كما بقطاع الاتصالات كما بباقي قطاعات ومجالات الشأن العام بالمغرب: مسألة ضرورة الدراسات القبلية على اتخاذ القرار.

والواقع أن اعتماد استشارة ذاتية أو تبني تصور شخصي أو الاحتكام إلى رأي خاص دونما وجود دراسات مدققة وتقارير مفصلة (وميدانية تحديدا) لا يكون من شأنه، في الغالب الأعم، البناء لقرار غير مضمون العواقب فحسب، بل قد يكون مصدر فظاعات كبرى لا يسلم من مفعولها لا الأفراد ولا الجماعات.

ومعنى هذا أن اللجوء إلى أسلوب الخبرة المدققة والدراسة الضافية والتقرير المفصل (في التوفر القبلي للتصور السليم والرؤية الواضحة) إذا لم يوفر للمسؤول السبل القمينة باتخاذ القرار السليم، فعلى الأقل بعضا من الأرضية الموضوعية التي على أساسها يجوز البناء والاشتغال.

ومعناه أيضا أن غياب ذات السبل أو تغييبها قسرا أو طواعية، لن يفضي فقط إلى غياب البصر عند اعتماد القرار،  بل وأيضا إلى غياب البصيرة في حال الإمعان في الدفاع عن ذات القرار.

ليس ثمة من شك، فيما نتصور، أن سلك سبيل الدراسة والتقرير (قبل اتخاذ القرار) إنما من شأنه استنبات وتكريس قيمتين أساسيتين لا يبدو في استبعادهما للديموقراطية من شأن كبير:

+ القيمة الأولى وتتمثل في "حتمية" النقاش الواسع الذي من المفروض أن يستتبع نشر هذه الدراسة أو ترويج ذات التقرير. إذ قيمة الدراسة أو التقرير إياهما إنما تأتي (ويجب أن تأتي) من حجم وسعة النقاش الذي يترتب عن ذلك في الزمن والمكان.

بالتالي، فالقيمة إياها لا تقاس فقط بالاحتكام إلى مبدأ نشر الدراسة أو توفر التقرير لدى العدد الأوفر من العامة والخاصة، بل وأساسا من ردود الفعل وجدية الاقتراحات التي من الوارد أن تفرزها ذات الدراسات والتقارير.

+ أما القيمة الثانية فتكمن في رمزية التشاركية في اتخاذ القرار التي من شأن نشر الدراسة أو تداول التقرير أن يكون خلفها إذا لم يكن بالتفصيل الدقيق فعلى الأقل في الجملة.

لا يستشعر الفرد أو الجماعة، بالحالة الأولى كما بالثانية، أنهما مجرد مختبر توضع على محكه التجارب والتصورات أو مصب القرار المثبت بهذه الصيغة أو تلك، بل يستشعران (رمزيا على الأقل) أنهما عنصران لا سبيل للقرار المعتمد أن يستقيم دونما استحضار لرأيهما أو تمثل لموقفهما.

لا يبدو لنا الأمر كذلك بالمغرب عامة وبواقعة ما تم تقديمه من لدن وزير الاتصال أمام "الغرفة الثانية" تحديدا:

+ فالدراسات أو التقارير من هذه الفصيلة غالبا ما تتم بأروقة الوزارة ويشرف عليها إداريون قارون أو موسميون يكون دفتر التحملات (إن توفر) الموجه الأساسي لصيرورتها والمحدد الحقيقي للنتائج والخلاصات التي قد تفضي إليها ذوات الدراسات أو التقارير سيان في ذلك أقام على هذه الأخيرة مغاربة أكفاء أم خبراء أجانب. ومعنى هذا أن الدراسات من هذا القبيل غالبا ما تبقى ذات طبيعة تسييرية خالصة لا بعد استراتيجي يحكمها، أي أنها تحمل بعضا من الجواب على حالة معينة ولا أجوبة عامة، شاملة وشمولية تتوخاها.

+ ثم أن الدراسات والتقارير من قبيل ما وعد به وزير الاتصال لا سبيل لبلوغها أو التداول بشأنها أو إبداء الرأي بخصوصها ليس فقط لأنها لا تنشر بالفضاء العام، بل وأيضا لأنها لا تخضع (أو هكذا يبدو الأمر) لمنطق الأخذ والرد باعتبار خاصية الوصاية والولاية على الجماهير التي تستنبت لدى المسؤولين بمجرد بلوغهم بعضا من أركان السلطة.

والعيب في هذا لا يتأتى فقط من تغليب البعد التقني والإجرائي على الجانب الاستراتيجي والبعيد المدى في قطاع مركزي كقطاع السمعي/البصري، بل وأيضا من خلفية الاحتماء بكذا تقرير أو دراسة لتبرير قرار غير مختمر أو للتبرأ من عواقبه عندما يدخل حيز التطبيق ويفرز انتكاسات.

+ ثم أن تتكفل وزارة الاتصال بذات الدراسات لا يشي فقط، في الشكل وفي الجوهر، بتشدد وصاية ذات الوزارة على القناتين وإخضاعهما لسلطان لديها تتآكل جنباته يوما بعد يوم، بل ينفي على "خطهما التحريري" صفة التمايز والتميز التي من المفروض أن تطبعهما.

ليس التلميح هنا إلى بداية التباين والتنابذ بين وزارة وصية وهيئة عليا للاتصال السمعي/البصري ومشروع في التحرير قادم، بل إلى تأكيد الوزارة على أن الذي يحكم خلفية الممارسة التلفزية بالمغرب إنما يجب البحث عنه في فضاءات أخرى لا يعدو "الفضاء" التلفزي غير كونه عنصرا من العناصر ليس إلا.

ومعنى هذا إنما تأكيد الاعتقاد بأن مرور الزمن يثبت قطعا أن فهم آليات الممارسة إياها إنما يمر عبر استحضار مستويات أخرى لا اعتبار لديها يذكر لكذا هيئة أو قانون أو مسوغ آخر سواهما.

وقصد القول مما سبق إنما اعتقادنا بأن ما أعلن عنه وزير الاتصال إنما هو قول حق أريد به باطل:

+ فالدراسات من فصيلة المزمع القيام بها تبدو ولكأنها غاية في حد ذاتها وليست أداة من أدوات اختمار القرار أو تجرده من الإكراهات الخفية. إذا لم يكن الأمر كذلك فما السر وراء عدم نشر دفتر التحملات المؤطر لها وعدم الإفصاح عن سبل تصريف استنتاجاتها وخلاصاتها؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلم القيام بالدراسات إياها في الوقت الحالي علما أن العلة بالقطاع مزمنة ولعقود طويلة خلت؟

+ وهي قول حق أريد به باطل أيضا لأنها توحي ولكأن الإشكال المطروح إنما سيجد سبيله للحل حتما لمجرد القيام بدراسة ما أو صياغة تقرير من التقارير...وهو طرح يوحي أيضا بتوفر التصور ووضوح الرؤية... في حين أن القائم أن لا أثر لقليل منهما في " سياسة" وزارة الاتصال.

لا ينتابنا أدنى شك اليوم (كما من ذي قبل) أن النظرة الاختزالية التي طاولت "الشأن العام السمعي/البصري" بالمغرب (ولسنين طويلة) إنما هي في الآن ذاته سبب واقع الممارسة التلفزية اليوم وحصيلة الإكراهات المادية والرمزية التي طبعت ذات الشأن شكلا وفي الجوهر.

والواقع أن الذي تم القفز عليه من لدن وزير الاتصال إنما تجاهله لثلاث حقائق كبرى لا وسيلة تذكر لتجاوزها:

+ الحقيقة الأولى أن المجال السمعي/البصري بالمغرب إنما هو مجال السلطة بامتياز. بالتالي فلو تم لها التنازل عن بعض من المجالات الأخرى، فمن شبه المستحيل التفريط في مجال كهذا هو أداة موسطة رمزيتها وتبرير سلوكها وسلاحا لديها لإعادة إنتاج ذاتها وإنتاج المجتمع من حولها أو بداخلها.

ولما كان الأمر كذلك وأكثر، فإن لا تفويض لأحد، حتى وإن كان حكومة، أن يمسسه أو يقترب منه فما بالك أن يدعي أنه بصدد إنجاز دراسات من شأنها البناء للآتي من قرارات. ومعنى هذا تدقيقا أنه مادام هذا المجال هو من صميم المجالات الحكر على السلطة (الصانعة الحقيقية للقرار أقصد) فإنها تتجاوز بذلك، وبتحصيل حاصل، ما سواها من اقتراحات ودراسات وتوصيات حتى وإن صدرت عن أعتى بيوت الدراسات والخبرة بالعالم.

+ أما الحقيقة الثانية فتكمن فيما نتصور في خاصية العجز البنيوي الذي طال المجال السمعي/البصري بالمغرب لعقود خلت تكسرت على محرابها شتى ضروب النقد والاستنكار والتنديد ناهيك عن توصيات الندوات وملتمسات الاستعطاف وتكاثر الوعود والوعود المضادة وما سوى ذلك.

ولما كان واقع الحال كذلك، فإن ذات المجال يبدو عصيا على الإصلاح بحكم الشروط الموضوعية التي تحكمه وتحكم الممارسة بداخله لا تنفع معها لا الدراسات النظرية ولا التقارير الميدانية ولا ادعاء من لدن هذه الجهة أو تلك بوجود الحل.

بالتالي فالمطلوب قبل الدراسات والتقارير إياها (كما بعدها دون شك) إنما تخليص ذات المجال من الإكراهات التي كان مكمنها ولا يزال ولا شيء يندر بقرب الخلاص أو هكذا نستشعر الأمر على الأقل.

+ الحقيقة الثالثة وتتمثل في الجدوى الحقيقية من طلب ذات الدراسات إذا كان جل المغاربة أضحوا براء من " تلفزتهم" وغذت هي بدورها براء منهم.

إننا قلنا ولا نزال نشدد القول بأن التلفزة بالمغرب بقناتيها إنما هي بامتياز وكر الرداءة والقبح والميوعة والتسطيح والسذاجة والاستخفاف والاستغفال في أخبارها وبرامجها و"مسابقاتها" وما تقدمه من مسلسلات وأفلام وحوارات ناهيك عن رسمياتها ورسمييها الذي يئن الفرد تحت وطأتهم ليل نهار من النشيد إلى النشيد.

ماذا عسى دراسة من هذه الجهة أو تلك تقول لنا عن مشهد من هذا القبيل؟

ما تراها تقول لنا في توصيفها لواقع الحال؟ هل تعذر الأمر حقا على وزارة الاتصال لمعرفة انتظارات المواطنين من التلفزة حتى تلجأ لطلب دراسات نشكك مسبقا في مصداقية القائمين عليها وطبيعة التوصيات التي سيخلصون إليها؟

هل تجهل وزارة الاتصال حقا أن التلفزة بالمغرب لم تنجح لا في عكس واقعنا المعاش ولا استطاعت الرقي بأذواقنا ولا كانت لها القدرة على استعادتنا من بين ظهراني القنوات الفضائية الأجنبية؟

لا يمكن للمرء حقا أن يصدق أنها تجهل ذلك والأمي ضمننا متذمر من "تلفزته" أيما تذمر. ثم إذا سلم المرء، كما يقال دائما، بأن "للمغاربة ذوق راق" فما السر في استمرارية إمطاره بالرداءة والميوعة والقبح إلى ما لانهاية؟

جريدة العلم، 10 فبراير 2004

 

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال