تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي: الثابت بالملاحظة أن الإعلام السمعي/البصري بالمغرب عصي على التغيير

يعتبر يحيى اليحياوي، الباحث في قضايا الإعلام والاتصال، أن ما تنشره الملاحق الإعلامية للجرائد المغربية يقدم في الغالب الأعم انطباعات شخصية وردود فعل هي أقرب إلى إبداء الرأي منها إلى النقد رغم كونها صادقة. ويؤكد اليحياوي في حوار مع "الجريدة الأخرى" أن المهم بالنسبة إليه هو وضع الحدث الإعلامي في سياقه العام.

فيما يلي نص الحوار:

الجريدة الأخرى: هل يمكن اعتبار ما تنشره الملاحق الإعلامية للصحف المغربية نقدا إعلاميا؟

يحيى اليحياوي: لست متأكدا من وجود ملاحق إعلامية بالجرائد المغربية وحتى تلك التي تخصص مجالا لذلك أسبوعيا أو لنقل ببعض من الانتظام إنما تقدم في الغالب الأعم انطباعات شخصية وردود فعل هي أقرب إلى إبداء الرأي منها إلى النقد. هي انطباعات صادقة في العديد منها لكنها لا تصل إلى مستوى النقد بحكم افتقارها للتأطير المعرفي الذي يمكنها من وضع الحدث الإعلامي (أي حدث ) في سياقه العام المفضي للمعنى أو النبش في الخلفيات الثاوية خلفه. إذ غالبا ما يبقى الاهتمام مقصورا على الحدث في ذاته دونما التعامل معه كنتاج مجتمع أو ثقافة أو صيرورة تاريخية أو ما سوى ذلك. وعلى أية حال فالقائمين على هذه الملاحق لا يتطلعون إلى نقد البرامج الإعلامية بالأدوات الأكاديمية المتاحة بقدر ما يودون تقديم عينة من آراء نخبة من الجماهير (أو المشاهدين) حول هذه المسألة أو تلك.

قد يجد المرء تفسيرا لقصور النقد الإعلامي بالصحافة إذ الجريدة محكومة بالآنية ومدة عمرها قصيرة وطبيعتها لا تفترض التعرض للقضايا بعمق وبتجرد ونوعية الجمهور المستهدف محددة إلى حد ما. بالتالي فإكراهات المساحة بالجريدة وضيق السعة لكل المجالات يحول دون وجود نصوص نقدية تأسيسية بهذه المنابر مبنية على مراجع وموثقة ببيانات واستشهادات وإحصاءات واستبيانات ميدانية وما سواها.

بالمحصلة نحن إذن بالصحافة إنما بإزاء آراء لأفراد من المجتمع غالبا ما يستفزها هذا البرنامج أو تثيرها بعض التصريحات أو تنفر من بعض التغطيات فتراسل المنبر المكتوب الذي لا يجد غضاضة (في غياب طرح جدي) في تمرير ذات الآراء ملئا للفراغ أو من باب الادعاء بأن له ملحقا إعلاميا وهكذا لدرجة أضحت ذات "الملاحق" عبارة عن برامج أسبوعية للفضائيات أو للإذاعات أو لما سواها.

النقد التلفزي بالمغرب غير ممأسس والصحفيون الذين يتخرجون من المعاهد "العليا" لا يتوفرون على الأدوات المنهجية والمعرفية لمزاولة مهنة النقد (سيما بعد إلغاء السلك الثالث بالمعهد العالي للصحافة) وهم فضلا عن كل هذا وذاك ليسوا في موقع يمكنهم من ذلك بحكم هشاشة القطاع وإمكانية تعرض هذا الصحفي أو ذاك للمعاتبة أو للتضييق أو للطرد (حتى) إن تجرأ على شبكات ولوبيات قائمة أو ضاغطة.

الجريدة الأخرى: ما هي الأدوات المعرفية التي يجب أن تتوفر لإنتاج نقد إعلامي؟

يحيى اليحياوي: أتصور أن النقد الإعلامي ليس حقلا معرفيا قائم الذات مستقلا. الناقد مطالب بأن ينهل من حقول معرفية مختلفة وإن بدرجات متفاوتة (من علم الاجتماع والسياسة، من علم النفس والفلسفة وعلوم الإحصاء، من اقتصاد الشبكات ومن سوسيولوجيا الإعلام والاتصال ومما سواها). والسبب في ذلك كون الاشتغال في النقد الإعلامي هو من الاشتغال في تقاطع كل هذه الميادين وتداخل بعضها البعض وتمظهرها بالمحصلة على مستوى الإعلام بكل أشكاله وتلاوينه.

لكن الناقد مطالب قبل كل هذا وذاك بأن يكون على دراية واسعة بمجال اهتمامه الأصل أي المجال الإعلامي الخالص. بالتالي فمن المفروض أن يكون على علم بالنظريات السائدة (وهي غربية في معظمها وأنجلوساكسونية تحديدا) والمناهج المعتمدة في تحليل المضامين كما في طرق وسبل استطلاع الآراء كما في أدوات استغلال معطياتها واستخراج الآية منها.

ليس هناك، فيما أتصور، منهجا معياريا يمكن للمرء أن يعتمده. فذاك مرتبط بالمحيط الذي يفعل فيه الناقد ومستوى التراكم المحصل عليه في المجال الإعلامي وأيضا درجة دمقرطة النظام السياسي الذي من شأنه ضمان حق النقد والحق في التمايز والاختلاف وغيرها.

المهم من كل هذا أن يكون الناقد قادرا على الانتقال بالمادة من كونها حدثا إلى كونها جزءا من سياق، من منظومة ومن نسق قائم في مجتمع ما وفي زمن ما.

الجريدة الأخرى: هل يجوز للصحفي إنتاج نقد إعلامي أم أن ذلك من مسؤولية الباحث المتخصص في الإعلام؟

يحيى اليحياوي: أزعم أننا لا نتوفر بالمغرب على نقاد إعلاميين متخصصين إذ الذين يكتبون في هذا المجال غالبيتهم أتت من فروع ثقافية مجاورة كالسينما أو المسرح أو الأدب أو الفن التشكيلي أو من فراغ حتى في العديد من الحالات. بالتالي فالبذور متأتية من حقول متقاربة وأيضا متباعدة لكن نقطة التقائها هي هذا الذي تسميه نقدا إعلاميا. هذا جانب.

الجانب الثاني هو أنه مادام الميدان أضحى مليئا بالدخلاء، فالأولى بدخوله أهله أعني الصحفيين على الأقل بحكم الممارسة والتجربة والاطلاع على الأمور من داخلها. فعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو لم يفقه المجال الإعلامي إلا عندما بدأ يتردد على القنوات ويطلع على خباياها (أنظر "حول التلفزة" لبورديو وسيما الفصل الخاص ب "خلفيات الصورة").

من جانب ثالث، أنا أفضل تكامل الصحفي والأكاديمي إذ للأول التجربة والمعرفة من الداخل وللثاني المسافة والأدوات المعرفية (المنهجية تحديدا) للمقاربة سيما وأن العمل عموما (بداية هذا القرن) أضحى جماعيا وشبكيا ومبنيا على تعدد التخصصات. وأستطيع بهذه النقطة أن أجزم أن أحسن الأعمال النقدية لا يمكن أن يقوم بها إلا الصحفي صاحب الخلفية الأكاديمية الصلبة. السؤال هو: أين له أن يتلقى هذه الخلفية؟

الجريدة الأخرى: كيف يمكن الانتقال من المستوى الأكاديمي إلى المستوى الصحفي في صياغة وتقديم نقد إعلامي؟

يحيى اليحياوي:النقد نقد في طبيعته حتى بتباين درجات الإمساك بأدواته ومناهجه. بمعنى أن النقد الصحفي ليس دائما انطباعيا والنقد الأكاديمي ليس دائما مبنيا على فرضيات سليمة أو من شأنه الخلوص إلى نتائج جيدة وبناءة. صحيح أن الشكل الجمالي عنصر من المادة الإعلامية (صورة أو صوتا أو أسلوبا)  وهو مطلوب ومرغوب فيه، لكن المضمون لا يقل عن ذلك أهمية أو جمالية. المهم في العملية أن تكون الجهة المستقبلة للنقد واعية بأهميته في التصحيح أو في إعادة النظر فيما تقوم عليه أو تقدمه.

من ناحية أخرى، يبدو لي أنه من المتعذر حقا التمييز بين المستويين. فبورديو مثلا لم يعمد إلى انتقاد التلفزة في منظومتها الرمزية بل وأيضا في تلاعباتها ومكر القائمين عليها سيما عندما وظفته باستوديوهاتها (للتأثيث) دونما أن تمكنه من قول كل ما لديه. بهذه النقطة أزعم أن العبرة قائمة من بين ظهرانينا.

الجريدة الأخرى: ما مدى فعلية  ما تنشره الصحف في هذا الإطار؟

يحيى اليحياوي: ليست لدي معطيات مدققة عن مدى تأثير النقد الإعلامي ولا عن طريقة أو طرق التعامل مع ما يصدر بإزاء هذه الجهة الإعلامية أو تلك. لكن الثابت بالملاحظة أن الإعلام (سيما فرعه السمعي البصري) عصي على التغيير والتحول، إذ المنظومة القائمة عليه جامدة متجمدة لا يطاولها بعض من التحول إلا على مستوى المظهر في حين أن مضمونها قار ثابت.

يخال لي أن القائمين على الشأن الإعلامي بالمغرب لسان حالهم يقول: دعهم يقولون ويكتبون مادمنا نحن المقررون. لو كان من شك في هذا فلينظر المتشكك في طبيعة نشرات الأخبار والمواد "الترفيهية" والبرامج "الحوارية" وغيرها (على الرغم من تقزز الجماهير من كل ذلك) ليتأكد بالمعاينة أننا بالمغرب بحاجة إلى أكثر من النقد...

الجريدة الأخرى: اضطرت القناة الثانية قبل سنتين لتعديل برنامج أستوديو دوزيم تحت تأثير انتقادات الصحف هل يمكن اعتبار هدا مثالا على فعالية النقد الإعلامي؟

يحيى اليحياوي: لا أستطيع أن أفيدك بهذه النقطة لأني لا أتابع هذه القناة ولا أستحب سماع إسمها وأتعفف من الحديث عما تقدم أو تأخر. تكفيني جرعة الرداءة التي تلقيتها منها ومن الأولى لسنين طويلة مضت.

الجريدة الأخرى: يلاحظ أن بعض ما ينشر في هذا السياق يركز على الأشخاص أكثر من المادة الإعلامية نفسها. هل هذا الوضع سليم في نظرك؟

يحيى اليحياوي: ليس دقيقا بالمرة أمر الفصل بين المسؤول والسياسة القائم على تنفيذها سواء وضعها بنفسه (وهذا الاستثناء النادر) أو وضعت له لينفذها دونما تساؤل. هل يعقل مثلا أن يدعي وزير أنه، بنقطة من النقط، إنما يعبر عن رأيه الخاص الذي لا يلزمه كمسؤول؟ هذا كلام حق أريد به باطل. المسؤول كشخص عام من المفروض أن تقاس تصريحاته وتحركاته ويحاسب عليها سواء كان بوزارته أم بشاطئ البحر. هو رجل عام تبدأ حياته الخاصة عندما لا يكون مؤتمنا على الشأن العام اي عندما يغادر المنصب. ما سوى ذلك فهو شخص عام في حله وترحاله.

إذا كان هذا الأمر جائزا على مسؤول حكومي، فهو بالتأكيد جائز فيما يتعلق بالمسؤول الإعلامي إذ كل كلمة أو صورة أو صوت صدرت عنه أو عن المؤسسة المشرف عليها تلزمه شكلا ومضمونا. ألم يقل عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان إن الرسالة هي حاملها. نفس الشيء هنا: المادة هي تعبير عن موقف وصورة القائم عليها سواء صاغها بنفسه أم صاغها موظفوه، يحاسب عليها سواء مررت بعلمه أم في غفلة منه.

* "يحيى اليحياوي للجريدة الأخرى : الثابت بالملاحظة أن الإعلام السمعي/البصري بالمغرب عصي على التغيير"، استجواب، جريدة 'الجريدة الأخرى'، أسبوعية، العدد 49، 16-22  يناير 2006 أعيد نشرها بموقع المرصد الإعلامي الحر، العدد 76، فاتح فبراير 2006.

 

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال