تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الفارق بين خطب الحسن الثاني ومحمد السادس أو في الفارق بين رجل تطلع لخلق السياق وبين رجل فضل التعامل في ظله

أنا صراحة لست خبيرا بعلوم اللغة أو بنظم تحليل مضامين الخطاب السياسي حتى يكون بمقدوري مقارنة خطب الراحل الحسن الثاني بخطب الملك محمد السادس، ليس فقط بحكم تواضع معرفتي بالميدانين بل وأيضا بحكم أني لا أستحب كثيرا المقارنات كونها تختزل المراحل وتغبن السياق وقد يكون من شأنها فضلا عن ذلك اختزال مرحلة في شخص أو التجاوز عما قد يكون ميزة هذا الرجل أو ذاك.

الميدان ميدان خبراء بامتياز إذ هم الذين من شأنهم أن يوضحوا علميا كيف ينتج الخطاب السياسي بالمغرب، وفق أية مرجعية، من لدن أية جهة (رئيس الدولة مباشرة أم من لدن  مستشاريه) والخلفية التي تحكم ذات الإنتاج في الشكل كما في المضمون.

وأنا بهذه النقطة، لست متأكدا من وجود دراسات أو أطروحات جامعية حول خلفيات إنتاج الخطب الملكية بالمغرب ليس فقط بحكم التقصير الذاتي للبحث العلمي في هذا الجانب، بل وبالأساس بحكم المنع (والعقاب المترتب عنه) الذي يطاول الباحث (للأسف) إن هو تجرأ على مناقشة الخطب إياها... فما بالك إن تناولها بالتحليل والتشريح.

أما وأن السؤال قد طرح علي مباشرة فأزعم أن بخطب الرجلين (شكلا ومضمونا) ما يدفع إلى الاعتقاد بالتشابه في حين أن هناك من العناصر ما يجعلهما متباينين في الطريقة كما في الصيغة كما في طبيعة الرسالة:

+ فخطب الراحل الحسن الثاني كما خطب الملك محمد السادس خضعت (بالنسبة للأول) وتخضع بالنسبة للثاني لنفس الطقوس وتشتغل وفق نفس المنظومة الرمزية حيث غالبا ما يتم البث من بين أروقة قاعة العرش (على الأقل فيما يتعلق بالخطب الوطنية أو ذات الطبيعة الاستثنائية)...قاعة كل شيء من بين جدرانيها مرتب بدقة وله دلالة خاصة إذا لم يكن للجماهير المتلقية فعلى الأقل بالنسبة للقصر صاحب الرسالة المراد بثها.

هناك إذن استمرارية شبه مطلقة بهذه الجزئية، لكنها سرعان ما تتوارى أمام طقوس التوقيت، توقيت الخطبة. فالخطب المباشرة للراحل الحسن الثاني لم تكن محكومة بتوقيت محدد ولم يكن باستطاعة المرء التنبؤ بنقطة انتهائها، في حين تحترم خطب محمد السادس التوقيت الدقيق وبمستطاع المرء (على الأقل احتكاما إلى التي سبقتها) معرفة مدتها دونما مجازفة كبرى...ربما لأنها مسجلة.

قد يكون السبب في ذلك طبيعة الخطاب نفسه وقد يكون الفارق فارق شخصية بين الرجلين: فالحسن الثاني خبر جزءا كبيرا من ظروف الحماية وكان مصاحبا لدرجة التلازم للمرحوم محمد الخامس، بالتالي لم يكن أمر التخاطب والتواصل لديه مصدر مشقة كبرى، في حين أن الملك محمد السادس ظل معظم فترة ولايته للعهد نادر الظهور، متكتما وإلى حد بعيد غير مندمج في الشأن العام المباشر. لذا لم يكن الاتصال والتواصل لديه مسألة مهمة كثيرا أو هكذا يبدو لنا الأمر.

+ وخطب الحسن الثاني بحكم طبيعتها المباشرة كانت حمالة لبعد تفاعلي واضح إذ يبدو الأمر معه (وأنا ولدت سنة فقط بعد اعتلائه العرش) ولكأنه يخاطب جمعا من حوله لا جماهيرا تموسط لها أدوات الإذاعة والتلفزة وما سواها...هي خطب إلى حد ما أفقية التوجه يتحكم المتحدث في صبيبها كما لو أنه يحدث جمعا محدودا من حوله. في حين يبدو خطاب محمد السادس (بحكم ارتكازه على المكتوب المقروء) ولكأنه عمودي التوجه، ينزل من أعلى، لا أثر للإحساس معه بالتفاعلية أو بالحميمية المضمرة التي كان يعيشها المغربي المترف منه كما المعدم سواء بسواء مع خطب الحسن الثاني.

يبدو بهذه النقطة أن عنصر التكوين حاسم وإلى حد بعيد. فنظام الحسن الثاني (ونحن نستعمل العبارة هنا للتوكيد على التميز النسبي لا على القطيعة المطلقة) كان نظاما أبويا بامتياز  وبأكثر من جانب (على الأقل بالعقدين الأخيرين) وكان ينظر إلى المتلقي باعتباره لحمة واحدة لا يأتيه التمايز من أمامه ولا من خلفه. في حين أن " نظام" محمد السادس لم يسلك ذات المسلك ولم يعتمد ذات المنظومة بحكم طريقة الأداء المباشرة والجادة، القصيرة والمختصرة، المتضمنة لرسائل ضمنية يعرف المهتمون أنها موجهة لهذه الجهة أو تلك دونما كثير تأويل.

+ وخطب الحسن الثاني، على هذا الأساس، كانت موجهة في معظمها للشعب برمته (حتى بتضمنها لرسائل مشفرة لهذه الجهة أو تلك)، في حين أن خطب محمد السادس تنحو نفس المنحى عموما لكنها موجهة تحديدا للنخبة بكل تفرعاتها "الحاكم" منها (أحزابا ونقابات ومنظمات مدنية وغيرها) كما غير الحاكم (أرباب العمل أو الإعلاميون) سواء بسواء.

قد يجد المرء لذلك بعض التفسير وإن بالسبل التقريبية: فمحمد السادس يشعر (أو هكذا نستشعر الأمر) بأن إكراهاته أمام المواطن ضاغطة والاستحقاقات المترتبة على ذلك محدودة المدة. بالتالي وجب التجنيد والحسم وتحديد الأدوار بين "المتبارين" في حين أن الحسن الثاني (بحكم هوسه " ببناء مقومات الدولة") لم تكن الإكراهات والاستحقاقات إياها في ذهنه إلا ضمن آخر المفكر فيه.

لهذا السبب لم يكن الحسن الثاني في خطبه رجل السياسة المباشر فحسب، بل كان يبدو في حديثه ولكأنه صاحب مشروع ثقافي (بعيد المدى) إذا لم نقل فكري يتبناه ويدافع عنه بجرأة ندر مثيلها. وهو ما كان يبرز لنا جليا باستجواباته المباشرة مع كبريات الصحف أو فيما يتسرب من أحاديثه مع كبار الثقافة والفكر...حيث كان أقوى من المنبر الذي يحدثه.

بالمقابل نلاحظ أن محمد السادس (ولم يتسن لنا لحد الساعة سماعه أو مشاهدته بالمباشر) إنما يراهن على العمل بالأرض، على البراغماتية في أقصى صورها وعلى الإنجازات القصيرة المدى التي بالإمكان موسطتها إعلاميا والتباهي بها فضلا عن ذلك (حالة حوض أبي رقراق أو ميناء طنجة أو غيرهما).

كل هذا يجعل من الحسن الثاني بالمحصلة رجلا تطلع دائما إلى إخضاع السياق ويجعل من محمد السادس بالبداية رئيس دولة يتطلع إلى توظيف ذات السياق قدر المستطاع.

 * "الفارق بين خطب الحسن الثاني ومحمد السادس أو في الفارق بين رجل تطلع لخلق السياق وبين رجل فضل التعامل في ظله"، جريدة الأسبوعية الجديدة، العدد 61، 26 يناير-01 فبراير 2006.

 

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال