تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"المرأة والوصلات الإعلانية"

السؤال الأول: ما هو الدور الذي تلعبه وصلات الإشهار في الحياة العامة؟ وما تأثيرها على المجتمع؟

يحيى اليحياوي: الإشهار بالتعريف السيميائي، هو الإخبار بالسلعة أو الخدمة، بمزاياها، بمواصفاتها، بدورها، بأهميتها وبالوظيفة الاستعمالية لذات السلعة أو الخدمة. هي بالأصل عملية إخبارية، لا تستهدف السوق أو جانب الاستهلاك، بل هي عملية إعلانية بامتياز.

عندما باتت السلعة أو الخدمة جزءا أساسا من الدورة الإنتاجية، ومن العملية الاقتصادية بوجه عام، لم تعد ذات الخاصية هي صاحبة القول/الفصل، بل أصبحت الغاية الأهم كامنة في استنفار الملكة الاستهلاكية لدى المتلقي، فردا كان أم جماعة، واستقطابه بالطرق اللينة كما الخشنة على حد سواء، كي يقبل على الخدمة أو السلعة، ويقتنيها بالمحصلة.

الوصلة الإشهارية هنا لم تعد براء بالمرة، بل باتت محددة الهدف والغاية، غاية استنفار الشعور والإحساس، وخلق الحاجة والرغبة في الاقتناء، وفي بعض الأحيان الاقتناء من أجل الاقتناء، كما الحال بالدول الصناعية الكبرى. بالتالي، باتت الوصلات الإشهارية بالتلفزة كما بالإذاعة، كما بمداخل الأسواق كما بجنبات الطرق، كما على جدران الشركات والمنازل، بل وحتى بالبريد الشخصي دونما استئذان، باتت كلها جزءا من المعاش اليومي للفرد، إذا لم أقل من روتينه اليومي.

من الطبيعي أن يكون التأثير على حياة الفرد والجماعة قويا وذا مفعول، ليس فقط بجانب استقطاب الجماهير لاقتناء السلعة، بل وأيضا بالفعل في مخيالهم الجمعي، ليصبحوا مستهلكين، سواء توفرت لديهم القابلية والقدرة على ذلك، أم لجأوا لنظم الاقتراض لإشباع رغبات، ليست دائما ثابتة لديهم.

عنصر التأثير في المجتمع كامن هنا على مستوى السلوك، أي في قدرة المعلن على بلوغ  كل الشرائح الاجتماعية القادرة كما القابلة، على الاستهلاك على حد سواء. والتأثير كامن أيضا في تفوق الآلة الإشهارية على المناعة الذاتية التي قد يبديها المرء بإزاء هذه الوصلة الإشهارية أو تلك. وكامن، فوق كل ذلك، في خاصية التكرار التي غالبا ما تستنفذ تمنع الجماهير في الاقتناء، في الاستهلاك، وفي الاندماج في ماكينة لا أفق لها ولا حصر.

أنا أتصور أن ذلك قد لا يبدو أخلاقيا بالمرة، لكنه قائم، بل وبات محركا من محركات الدورة الاقتصادية والتجارية، سيما تلك التي تنبني على المنظومة الرأسمالية والليبرالية في الإنتاج والاستهلاك.  

السؤال الثاني: لماذا لا يحترم المعلن في بعض الوصلات الإعلانية الخصوصية الثقافية للبلد، وهل يجب إعادة النظر في بعض الوصلات الإعلانية؟

يحيى اليحياوي: العديد من الوصلات الإشهارية بالمغرب وبغيره، لا تحترم منظومة القيم القيم السائدة، وطبيعة الثقافة القائمة، بل إن العديد من الثاوين خلف بعض الوصلات يجاهرون بضرورة أن تتجاوز العديد من عناصر هذه القيم والعديد من مكونات هذه الثقافة، إما لكونها عصية على الاستهلاك، أو لكونها لا تجاري بمنطوقهم، دورة رأس المال والتجارة.

لهذا السبب ترى أن العديد من الوصلات تستفز المشاهد أو المستمع، بل ولا يستطيع أن يتلقى المرء بعضها وهو بين أسرته وأبنائه، وغالبا ما تكون سببا في تشتت العائلات وانحراف الأبناء. هذه حقائق لا مجال للإتيان بحالات محددة لإثباتها. هل من المعقول مثلا أن تمرر وصلات إشهارية بالتلفزة عن مجففات النساء والعائلة ملتئمة حول مائدة الغذاء؟ هل من المعقول أن يمرر لإشهار بصيغة تنفر الأب والأم قبل الأبناء؟ هذا بتصوري خدش للحياء العام، واستهداف واضح للحد الأدنى من القيم الاجتماعية التي لا تزال قائمة.

أنا لا أحمل المسؤولية لأحد، لكني أعزوها لكون الذين يثوون خلف الإشهار بالمغرب، تكونوا بالغرب، وحملوا معهم منظومة قيم ذات الغرب، ولم يستطيعوا موطنتها أو تكييفها مع واقع الحال، فصدموا المجتمع واصطدموا معه بأكثر من حالة. هم يدفعون بتصور في الحداثة، لكنهم لا يدركون بأن الفضاء الذي يفعلون فيه لا يتطابق تماما مع ذات التصور، بل ويناهضه لدرجة الرفض.

أنا لست ضد أن يتكون هؤلاء بالغرب، لكني مع أن تكون لهم القدرة على تطويع ما تلقوه وفق منظومات القيم، وطبيعة ثقافة الشعوب حيث يفعلون. وأنا لست ضد أن تتطور بعض من القيم السائدة لتواكب العصر، لكن شريطة أن يتم ذلك دون مجابهة مباشرة خشنة مع ذات القيم. لهذا السبب، ولأسباب أخرى أيضا، فأنا لا أرى أنه يجب إعادة النظر في بعض الوصلات، بل يجب صياغتها بطرق لا تصدم المتلقي، حتى وإن كانت الرسالة ذاتها هي الممررة. المهم هنا أن تمرر الرسالة، لكن دونما أن تستفز، أو تدفع للرفض أو تؤدي للفتنة.

السؤال الثالث: لماذا يتم تسليع المرأة في بعض الوصلات الإعلانية التي لا تستدعي حضورها أصلا؟

يحيى اليحياوي: المرأة لا توظف في الإعلان. المرأة توظف في الإشهار، وهذا مكمن الخطر الأساس. ليس لدي مانع من أن توظف صورة المرأة بإطار برامج تنظيم الأسرة، أو أن يلجأ لصورتها للتشهير بالعنف الممارس عليها، أو القهر التي تلقاه بالعالم القروي. وليس لدي أدنى تحفظ أن توظف صورتها لمحاربة هاته الآفة أو تلك. لكني لست مع أن تستوظف صورتها لتمرير سلعة، أو الدفاع عن خدمة أو إشهار مستجد تجاري ما.

العبرة هنا بطبيعة الرسالة وليس بالحامل لها. إذا كانت الرسالة سليمة ومفيدة للمجتمع، فليس ثمة مانع من أن تتبناها المرأة بصوتها وصورتها، وهي بكل الأحوال الأقرب لقلب المتلقي، أما إذا كانت الرسالة توظيفية خالصة بغرض بلوغ مصلحة أو إدراك ربح، فهذا أمر مستهجن بكل المقاييس.

بمعنى أنه من الوارد والمقبول أن يتم اللجوء للمرأة لغرض إعلاني وإخباري ذي طبيعة اجتماعية وتنويرية محددة، لكنه من الغبن لها ولكينونتها أيضا، أن توظف لتكون أداة بيع وشراء، ومكمن ابتزاز إشهاري بغرض الربح التجاري الصرف.

"المرأة والوصلات الإعلانية"، استجواب، مجلة نجمة، شهرية، الدار البيضاء، 11 يونيو 2008، يوليوز- غشت 2008.

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال