ليس لدي معطيات محددة عن حيثيات القرار المتخذ من لدن الهاكا، بشأن التراخيص الأخيرة، اللهم إلا البلاغ الذي وزعته المؤسسة على الصحافة. ومع ذلك، فإن القراءة الأولية لمعطيات البلاغ، وإن كانت قراءة انطباعية، تحيل على مجموعة ملاحظات:
+ الأولى: أتصور أن القرار من شأنه أن ينزل على أصحاب المشاريع، بالتلفزة كما بمشاريع الإذاعة المغطية للمجال الوطني، نزل الصاعقة، ليس فقط على اعتبار طبيعة الشخوص التي تقدمت بذات المشاريع، ولا الرهانات والحسابات التي لربما قد تكون بنتها على ذلك، ولكن أيضا لأن بعض هؤلاء شرع منذ مدة، في إقامة بعض من البنى التحتية، وقام بصيانة بعض المرافق التابعة له، لربح الوقت وبغرض الشروع مباشرة في العمل، بعد صدور قرار الترخيص. هذا يشي بأنه كانت ثمة وعود لدى بعض هؤلاء، لكنها تبخرت بآخر لحظة لاعتبارات لا نعلمها.
+ الثانية: الغريب في الأمر أن أصحاب المشاريع كلهم ذوو جاه وقبول لدى صاحب القرار في المغرب، وكلهم لا يعدمون مصادر التمويل لإقامة مشروع إعلامي كائنا ما يكن حجمه، وأنا مستعد للقول بأنهم من أولئك الذين لا ترد لهم كلمة بالبلاد، لا بل هم جزء من السلطة بالمفهوم العام للعبارة. فكيف يستبعدون الواحد تلو الآخر، ولكأن ثمة نية مسبقة قائمة لاعتمادهم جميعا، وهذا غير ممكن، أو استبعادهم جميعا، وهذا ما تم، لربما مخافة غضب هذا أو احتجاج ذاك.
+ الثالثة: القول بأن ضخ تراخيص للتلفزة جديدة، من شأنه زعزعة التوازنات بسوق الإشهار بالنسبة للفاعلين القائمين، العموميين كما الخواص، والمس بوضعيتهم المالية على المدى المتوسط، هو قول يحتمل قراءتين: فإما أن المجلس الأعلى يريد أن تقتصر كعكة الإشهار على المتواجد من الفاعلين، لضمان استمراريتهم والحيلولة دون إفلاسهم (سيما بالنسبة للمحمية الفرنكفونية ميدي 1 سات). وهذا أمر ليس من صلاحيات المجلس، الفصل فيه أو الارتكاز عليه لاتخاذ القرار، وإلا فسيكون المجلس كمن يمنح حماية للقائمين، أو كمن يتدثر بدور الخصم والحكم.
وإما أن منطق التدرجية لدى المجلس، قد ذهب به لحد الطعن في مبدأ المنافسة بطريقة غير مباشرة، أو غير منتبه إليها بدقة، في تداعياتها وأثرها الفعلي على القطاع. أنا أقول: مادام السوق بمنظومة ليبيرالية قائمة، أو تدعي أنها كذلك بالمغرب، هو الفيصل، فليترك للفاعلين الاشتغال بظل آلياته وميكانيزماته، وليكن المحك هو "البقاء للأقوى" كما يقال.
أما أن يتخذ المجلس قرارا، تحت مسوغة حماية المنافسة من بين ظهراني القائم من الفاعلين، فهذا معناه أن ذات المجلس إنما يريد حصر المنافسة في البعض، لنكون بالمحصلة بإزاء احتكار ناعم، أو في أحسن الأحوال بإزاء منافسة مقيدة.
ثم لم أفهم جيدا ما المقصود بقول المجلس: "بانتظار رؤية واضحة حول توازنات القطاع"، ولكأنه يراهن على تزايد منسوب الإشهار، قبل أن يشرع في منح التراخيص. وهذا أمر متعذر المنال بالمديين القصير والمتوسط، لأن وعاء الإشهار بالمغرب معروف، ومستويات نموه ضعيفة للغاية، وبالتالي لا يمكن المراهنة عليها لوحدها للمجازفة في الاستثمار بالقطاع.
+ الرابعة: بتراخيص الإذاعات "الجهوية"، يبدو لي أن المجلس قد تغيأ استكمال التغطية الراديوفونية للبلاد، ليس كتغطية جغرافية خالصة، بل كتغطية بجانب التخصص، ليزاوج بذلك بين الترخيص العمودي الذي عمد إليه بالتراخيص الأولى، وبين الأفقي الذي اعتمده هنا. وهذا أمر سليم إلى حد ما، سيما مع الترخيص لإذاعة قرب، موجهة للعالم القروي وإذاعة للوساطة، جمعوية التطلع. كان بودي لو كان ثمة قناة متخصصة في الثقافة أو في التراث الشعبي أو ما سواها، لكن يبدو أنه لم يكن هناك من مرشح بهذا الجانب.
إلا أنه يبدو لي، بهذه النقطة، أن الهيئة إنما باتت ولكأنها هيئة في السمعي الصرف، وليس في السمعي والبصري، وهذا يتطلب إعادة النظر في التسمية، على الأقل من زاوية ما منحته من تراخيص راديوفونية.
+ الخامسة: يبدو أن المجلس لم يتمثل بعد عالم الصورة الذي غزا العالم، بعد ثورة الرقمنة وطفرة السواتل، وتزايد منسوب المنافسة. ويبدو لي أيضا أنه لا يزال يراهن على الإذاعة في زمن باتت التلفزة هي الأهم، لا بل حتى التلفزة باتت على المحك، جراء وصول أجيال الإنترنيت المتتالية، والتي بدأت تمرر للصوت والصورة والكلمة بالتزامن والتلازم كما التلفزة وأكثر. ويبدو لي بالمحصلة المؤقتة، أننا لا نزال نراهن على نموذج في التلفزة مرتكز على الإشهار، في حين أن هذا النموذج بدأ يتراجع بقوة، أمام ثقافة المجان والقرب، التي بدأت الشبكات التلفزية تشتغل وفقها.
* "اليحياوي عن تراخيص الهاكا الأخيرة: المجلس لعب دور الخصم والحكم"، استجواب، جريدة الصباح، 26 فبراير 2009.