لعله من الميزات الكبرى " للحرب الكونية على الإرهاب" (التي دشنتها الإدارة الأمريكية في أعقاب الحادي عشر من شتنبر وسطرتها من يومه عقيدة للعالم أجمع) أنها أذكت غريزة الأفراد والجماعات لمعرفة نقطة تواجد هذه الدولة أو تلك، لترسيم حدود هذه الدويلة أو تحديد مكان هذه الجزيرة على اليابسة كما بوسط البحار والمحيطات.
والواقع أن العديد من سكان هذا الكوكب (المتقدم منه كما المتخلف سواء بسواء) لم يكن ليعرف حدود أفغانستان (ولا لون بشرة أهلها ولا كهوفها وأدغالها ومغاراتها وتفشي زراعة الأفيون من بين ظهراني أبنائها) إلا حينما غزتها جيوش أمريكا واحتلتها أرضا وشعبا وطافت شعابها وجبالها ومداشرها وحدودها مع جيرانها للبحث عن " بقايا طالبان" و"إلقاء القبض على زعيم القاعدة حيا أو ميتا".
والواقع أيضا أن العديد من سكان الكوكب إياه لم تكن لتعرف حدود العراق ولا موقع عاصمته (ناهيك عن تشعب طوائفه وتباين انتماءاتهم ومرجعياتهم) لولا الغزوة الأنجلو/أمريكية الكبرى التي طاولت العراق وحولته إلى مجرد مستعمرة أمريكية تأتمر بأوامر الحاكم الأمريكي العام حتى باعتقاد بعض من "أبنائه" أنهم باتوا من مدة مكمن سيادة واستقلال.
وإذا تسنى للمرء التسليم بهذا، فإنه من البديهي تسليمه بحقيقة أنه لولا غزوتي العراق وأفغانستان لما كان له ليعلم حقا بوجود سجن يدعى أبو غريب (حتى وإن خبر العراقيون ما يجري بداخله) أو بوجود معتقل غوانتنامو حتى بمعرفة سكان أمريكا الوسطى بوجود جزيرة من بين ظهرانيهم تعج بالأمريكان بداخلها كما من حولها كما بشتى أطرافها.
لا تعرف غوانتنامو، منذ مدة، كجزيرة بقدر ما اشتهرت كقاعدة عسكرية " يرتادها" أناس من " طينة خاصة" شاءت الظروف والسياقات أن تحط بهم الرحال هناك مع مقدم القرن الجديد.
تقع غوانتنامو بين خليج المكسيك وبحر الكارايبي (حوالي 121 كيلومتر مربع) اكترتها الولايات المتحدة من كوبا في العام 1903 على عهد الرئيس ثيودور روزفلت مقابل مبلغ مالي سنوي قار يقدر بحوالي أربعة آلاف وخمسة وثمانون دولارا تسلم كاسترو نصيب العام الأول من الثورة منه ورفض تسلمه من تاريخه كونه متأت من أحد " كبار أعداء له يتحكمون في قاعدة عسكرية فوق بلاده".
ولما كان أمر استرجاعها يشترط موافقة الطرفين، فإن الجزيرة تبقى لحد الساعة ملكا نظريا لكوبا في حين أنها عمليا جزء من السيادة الأمريكية يسري عليها ما يسري على الأراضي الأمريكية وأكثر.
لم يكن المرء ليقف عند هذه الجزئية الجوهرية لولا تحول الجزيرة إلى معتقل من نوع خاص أعاد للذاكرة معتقلات سبيريا على عهد ستالين ومراكز تجميع اليهود (وسواهم) بأوشفيتز في بولونيا في أربعينات القرن الماضي.
والواقع أن شهرة هذا المعتقل لم تتسن له فقط كونه متواجدا بأراض كوبية مصادرة السيادة ولا من كونه موجودا بقاعدة عسكرية، ولكن بالأساس لكونه يضم بين زنازينه " محاربين لاشرعيين" ألقي القبض عليهم بأفغانستان بعد إسقاط حكومة طالبان ومطاردة أعضاء تنظيم القاعدة بين المداشر والجبال والكهوف أو لجوئهم إلى الدول المجاورة تحت حماية متعاطفين معهم، متبنين لطرحهم أو مناهضين للأمريكان جملة وبالتفصيل:
+ هم نفر من أكثر من 750 شخص ومن أكثر من عشرين جنسية (ومن أجيال مختلفة) زج بهم منذ خريف العام 2001 بطائرات عسكرية مقيدي الأيدي، معصوبي الأعين، مغطاة رؤوسهم بأكياس سوداء وصلوا المعتقل (بعد أيام وساعات بالجو أو مرورا عابرا بهذا المطار أو ذاك) مرهقين، مدنسين في نجاستهم من الصدر حتى أخمص القدمين وبعضهم لا يدري بأي كوكب في الكون حطت به الرحال.
+ وهم شباب وكهول وصبية زج بهم بزنزانات فولاذية هي عبارة عن أقفاص معرضة لكل أنواع العوامل الجوية يخال للمرء معهم (وهم مرتدون لثياب أرجوانية تقترب من الحمرة أو مساقين كالدواب) ولكأنهم محكومون بالإعدام ينتظرون بين الفينة والأخرى الدفع بهم إلى المقصلة.
+ وهم لا يعرفون تهمهم ولا "الجرائم" التي اقترفوها ولا القانون الذي سيحاكمون بموجبه ولا صفة الذين يحققون معهم ليل نهار وتحت طائلة أية " معاهدة" هم موضوعون.
هم بالتأكيد جاهلين لكل ذلك، لكنهم على علم بأن وضعهم "القانوني" هو وضع "المحاربين اللاشرعيين" أو "المقاتلين غير الشرعيين" وفي أحسن الأحوال "الأشخاص المشبوهين في علاقاتهم بالقاعدة وطالبان"، وأن تهمتهم الأساس تكمن في كونهم ارتكبوا "جرائم إرهابية" في حق أبرياء مباشرة يوم الحادي عشر من شتنبر أو بمجرد التعاطف مع منفذيها.
هم ليسوا سجناء حق عام بالتأكيد ولا مجرمي حرب. ولما كانوا كذلك " فلا تنطبق عليهم معاهدة جنيف ولا ملاذ لديهم للتظلم أمام المحاكم الفيديرالية الأمريكية كونهم اعتقلوا خارج الولايات المتحدة".
يقول رامسفيلد بشأن هؤلاء: " لقد أثبت أن هؤلاء هم إرهابيون بالفطرة... فنحن نبعدهم عن الشارع ونبقيهم خارج الطائرات بعيدا عن محطات الطاقة النووية وبعيدا عن الموانئ في هذا البلد وفي بلدان أخرى".
هم معتقلون بمرسوم رئاسي وقعه جورج بوش وأجاز من خلاله احتجازهم إلى ما لا نهاية ودونما توجيه تهم محددة لهم أو تعيين من يعاضدهم بالتحقيق أو يعمد إلى تسريع مقاضاتهم لينتهي الكابوس ولو نهاية درامية ويغلق الملف.
قد لا يزايد المرء على دولة كالولايات المتحدة (ضربت في رموزها و بصلب عنفوانها بوضح النهار) حقها في حماية أمنها ومتابعة من يستهدفه دولة كانت أم جماعة أم فردا. وقد لا يزايد عليها حقها في تأمين حدودها القومية ضد هذا الاختراق "الإرهابي" أو ذاك.
لكن الذي يثير الحسرة والأسى في السلوك الأمريكي إنما اتخاذ الأمن كإيديولوجيا لمعاقبة دول واحتلالها والزج بأبناء هذه الأخيرة في معتقلات علنية وسرية بدون موجب حق يذكر اللهم إلا الشبهة أو التواجد بالمكان الخطأ عندما كانت القوات الأمريكية تلقي القبض على كل من يتحرك (بمزرعته أو بسيارة أجرته أو بما سواها) فتتهمه جزافا أو تعمد إلى إطالة أمد احتجازه إلى أن يعترف بما أريد له الاعتراف به.
وعلى الرغم من إطلاق سراح بعضهم (حوالي 200 إلى حين العام 2004 دونما تبرير يذكر)، فإن الباقين لا يعرفون مآلهم حتى وإن أنصفتهم المحكمة الأمريكية العليا وقضت بإمكانية لجوئهم للمحاكم الفيديرالية للطعن في خلفية اعتقالهم أو "تعويض" بعض من مأساتهم ومعاناتهم.
لا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى اعتبار حرب بوش على الإرهاب (من لدنه كما من لدن إدارته وحلفائه) "حربا عادلة" لضمان نجاحها تستنفر السبل والوسائل المقبول منها أخلاقيا كما المرفوض سواء بسواء.
وعلى هذه الأسس، فإن إبقاء هذا المعتقل واستمراره هو ليس فقط إهانة للأخلاق (كل الأخلاق المتعارف عليها)، بل وأيضا إهانة لبني البشر في آدميتهم قبل باقي حقوقهم...إنه رمز الشذوذ الذي طبع ولا يزال يطبع السلوك الأمريكي...إنه قمة الشذوذ حقا.
* "غوانتنامو الشاذة"، التجديد العربي، 15 ماي 2006، التجديد، الرباط، 16 ماي، القدس العربي، 31 ماي 2006. 2006.