أولا: كيف تحلل وترى أخلاقيات تعامل المغاربة مع وسيلة الانترنت، في التعبير عن آرائهم في ساحات الحوار والمدونات والمنتديات و الإيميلات؟
يحيى اليحياوي: ليست لنا دراسات علمية عن مواصفات المبحر المغربي بالإنترنيت، ولا عن طبيعة سلوكه، وتوجهاته، وما الذي يغريه تحديدا بالشبكة. ما يزيد من حرج هذا السؤال هو الطبيعة الشفوية للمجتمع المغربي عموما، ونفوره من المكتوب والمقروء عموما، فما بالك الارتباط بالإنترنيت، وتوظيفه لهذه الغاية أو تلك.
بالتالي، فالحديث بهذا الجانب لا يخرج كثيرا عن الانطباع، أو المتابعة لبعض السلوكيات الملاحظة بمبحري الإنترنيت، سواء المرتبطين بالشبكة مباشرة، أو المرتادين لمقاهي الإنترنيت الكثيفة الانتشار بالمغرب. السمة الأساس هنا هي القابلية المرتفعة لدى الشباب المغربي للتواصل والتعارف والنقاش عبر الشبكة، وأيضا للبحث عن إمكانات جديدة أخرى في العمل أو في التسلية أو غيرها.
الطاغي بكل هذا، فيما أتصور، هي غرف الدردشة. وهي ذات غايات متعددة، قد تبدأ بالتعارف البريء، وقد تنتهي بالفضائح، عندما يتزاوج سوء النية مع الغاية المبيتة. وقد لاحظنا كيف تحولت دردشات عادية بين الجنسين، إلى عمليات تدمير طرف من الأطراف، عندما تشاع الصور الحميمة، أو تطرح بالإنترنيت مضامين تبادل الرسائل.
أما ساحات الحوار، سيما لو كانت تثير قضايا جوهرية، فهي محدودة جدا ليس فقط بمحدودية المنابر التي تثوي خلف هذه الساحات، ولكن أيضا لكونها تبدو "ثقيلة"، بالقياس إلى خاصية الترويح عن النفس، التي يبحث عنها المرء بالشبكة عموما.
صحيح أن بعض المدونات والمواقع الجادة تطرح قضايا يلتف حولها بعض مرتادي الإنترنيت، لكنها تبقى محصورة ونخبوية الطابع، ولا تصل إلى مستوى من الجماهيرية يضمن لها سريان المضامين المثارة.
من جهة أخرى، فأنا لست متأكدا حقا من نجاعة توظيف كلمة أخلاقيات. فالشبكة عالمية ومفتوحة، وتضمن حدا كبيرا من السرية، قد تدفع بطرفي العملية التواصلية لدرجة استباحة النقط الحمر. ثم إن الشبكة ليست خاضعة لتقنين أو لمتاريس محددة، يمكن الاعتداد بها اللهم إلا الرقابة على المواقع والمدونات والرسائل الألكترونية التي قد تقوم بها هذه الدولة أو تلك.
ثانيا: هناك أحيانا كثيرة بذاءات وسب وخروج عن اللياقة والاحترام، في هاته الأساليب الحوارية...في رأيكم ما هي الأسباب العميقة لهذا المنحى، عند بعض الشباب المغربي؟
يحيى اليحياوي: هناك بالمغرب وبما سواه من الدول العربية، ترسبات نفسية وكثير من المكبوتات متأتية من اشتداد المحرم والممنوع والمعيب واللاأخلاقي والشاذ عن القيم، وما سوى ذلك. هي إفرازات مجتمع وليست بالضرورة مرتبطة بطبيعة هذه الثقافة أو تلك. بالتالي فما لا يستطعه المرء علانية وجهارة، بالإمكان إدراكه بالشبكة، سيما وأنها تضمن منسوبا كبيرا من السرية.
أنا أتصور أن ما أسميته البذاءة والخروج عن اللياقة، قائم بأرض الواقع وبالمعاش اليومي حقا وحقيقة، لكن منسوبه مرتفع بالإنترنيت، كعنف ناعم ولين، عوض العنف الخشن والمباشر الذي نراه بالشارع، بالمنزل، بمخفر الشرطة، بالمدرسة، بالإدارة، وفيما بيننا أيضا.
لا تتميز ثقافة عن أخرى بهذا الجانب فيما يتعلق بطبيعة العنف، لكن التمايز قد يكون في الدرجة والحدة. أتصور أننا لا نزال بمجتمعاتنا، نجتر أشكال من العنف الظاهر والمضمر، لا يعبر الإنترنيت إلا على بعض أشكاله، فيما الأشكال الأخرى ملازمة لنا كسلوك يومي معاش.
من ناحبة أخرى، فوجود ذلك بشبكة الإنترنيت يدلل على أننا لا نتوفر على ثقافة الحوار، بقدر نحونا نحو المصادمة والمواجهة وردود الفعل. وهذا متأت من بيئة لا يزال بها التعصب للرأي الذاتي طاغيا، والقبول بالاختلاف غير وارد. أنا لا أستطيع تعميم ذلك، لكن انطباعا مؤكدا تأتى لي مما رأيته بالعديد من المدونات والمنتديات وغيرها.
قد يكون الإنترنيت مصدر استنبات جزء من هذه السلوكيات، لكن لا يعمل إلا على عكس معظمها بالفضاء الافتراضي، وعلى نطاق واسع. ثم إن ن الإنترنيت ذاته (والفضائيات أيضا) قد نجح وإلى حد بعيد، في الترويج للكثير من "القيم" التي كانت حكرا على الغرب، من قبيل التمرد على السائد، والنفور من بعض التقاليد المكرسة بالمجتمع وهكذا.
المركز العالمي للوسطية، 6 نونبر 2007 (استقى التصريح: حسن الأشرف)