تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مرتاحو مهنة المتاعب !

اطلعت مؤخرا عبر الأنترنيت على مقال للباحث الإعلامي الصديق يحيى اليحياوي يتحدث فيه عن مهنة الصحافة ويقول إنها في المغرب لا تخضع للتوصيف الذي يطلق عليها في الغرب باعتبارها مهنة للمتاعب.

دليل صديقنا اليحياوي هو أن الصحافي المغربي لا يشغل باله بالتحقيق أو الاستطلاع الحقيقي أو غيرهما من الأجناس النبيلة في الصحافة، بل يكتفي باقتعاد مكتبه والإبحار في الأنترنيت لغرضين إثنين: الشات والدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي أولا، ثم أخذ الأخبار وفق تقنية "القص واللصق" اللعينة لتي ابتليت بها الحرفة منذ زمان، وكانت بداية تقهقرها بعد أن اقتنع الناس أن بإمكانهم الذهاب قدما إلى الأنترنيت وقراءة ما يريدونه فيه عوض دفع ثلاثة دراهم في جريدة تأخذ أخبارها من نفس الأنترنيت.

من زاوية المعالجة هاته لا يمكن إلا الاتفاق مع صديقنا اليحياوي في طرحه، خصوصا وأننا نستطيع أن نضيف إليه المزيد مما نعايشه بحكم الاحتكاك اليومي بالحرفة وأهلها مما يؤكد طرحه ويكرسه.

 لكن النظر إلى المسألة من هذه الجهة فقط يتركها ناقصة بعض الشيء، إذ بغض النظر عن هذا الجانب التقصيري الفظيع في عمل صحافتنا على الأجناس الكبرى، وهو تقصير تتحمل مسؤوليته إدارات التحرير بجرائدنا الوطنية، ويتحمل مسؤوليته الصحافيون، لكن يتحمل القارئ الكريم أيضا جزءا لا بأس به من المسؤولية فيه، أعتقده الأساسي بعد أن اقتنعت الحرفة بأن القارئ المغربي لا يهتم بتحقيقات أو استطلاعات كبرى ولا يمكنه أن يجعلها سبب اقتنائه للجريدة التي يقبل عليها، مقابل اهتمامه بأجناس ثانية من حقه طبعا أن يوليها كل الاهتمام، ومن حق الصحافي أن يضع في اعتباره أنها هي التي تلقى القبول ولو اضطره الأمر ختاما إلى نسيان مهنته الأصلية وممارسة تفرعات وتنويعات عنها، إذا ما دقق فيها جيدا سيجد أن لا علاقة لها بالصحافة.

(بغض النظر عن كل هذا ) الصحافة في المغرب هي مهنة المتاعب وأكثر، والمتاعب تنضاف إذا ما علمنا بطريقة الحصول على الخبر في بلدنا الأمين.

 ذلك الوهم الكبير المسمى الحق في الوصول إلى المعلومة دونه الجبال. والخبر عندنا حالتان لا ثالث لهما إلا في بعض الاستثناءات القليلة التي تعد في حكم الشاذ الذي لا يقاس عليها نهائيا: إما جهة تصفي حسابا مع جهة "فتتطوع" لكي تعطيك ما تشاء من الأخبار التي تهدم صروح الجهة المراد تحطيمها، وإما جهة يهمها أن يخرج ذك الخبر في ذلك اليوم وفي ذلك التاريخ وبذلك العنوان وبتلك الصيغة بالتحديد لأغراض تهمها قد لا تبدو للصحافي، لكنها تكون مسطرة في عقل من قام بتسريبها أو إيصالها إلى الصحافة.

وللأسف الشديد، ورغم كثير الفقاعات الإعلامية العابرة للمجال، ورغم العديد من المحاولات الجادة بالمقابل التي يعرفها ميداننا والتي تحاول التأسيس لصحافة استقصاء وتحقيق، لا نتصور أن الصحافة المغربية بارحت مكانها الأول، بل ربما تراجعت في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة أكثر عما شهدته بداية الألفية الجديدة من نزوع نحو الشغب الصحفي الحقيقي: شغب البحث عن مكامن الغموض في كثير مجالات تهم المجتمع، لا البحث فقط عما يثير أعصاب الحاكمين مما تخصصت فيه صحافة وصلت اليوم إلى حتفها النهائي.

أكثر من هذا تبدو المحاولة التي قد تقوم بها جرائد جادة اليوم لتأسيس صحافة راقية تحقق وتستقصي فعلا محاولة أشبه ما تكون بالانتحار وسط مناخ صحفي يتم العمل بكل قوة على تمييعه قدر الإمكان، وجعله ساحة "المناقرة والسباب" المعروفة التي يعاين الكل خسائرها اليوم مما لم نعد قادرين على مجاراته أو الدخول في حيثيات استمراره وبقائه.

 هذا عن الخبر أما في مجال الرأي فالمسألة أفظع. تصور أنه من الممكن أن تقرأ يوميا لصحافيين يكتبون من وحي عقلهم وملاحظاتهم وما يفكرون هم فيه فقط هو تصور أضحى ينقرض يوما بعد يوم. عوضه أصبحت كتابة الرأي في الصحافة الوطنية في الغالب الأعم نقلا لتقارير استخباراتية، أو تصفية حسابات من الدرجة الدنيا، أو هرطقات ما أنزل الله بها من سلطان تعرض كاتبها ومن سمح له بنشرها للمساءلة القضائية لو كان للميدان رب يحميه.

لكنها بحمد الله ورعايته "سداح مداح". ومن الممكن أن تخلق فيها وتختلق ما تشاء من أجناس جديدة دون أن تخشى لومة لائم مما أنتج لنا "سنوات الضياع" المغربية التي تعيشها صاحبة الجلالة المسكينة لدينا. ألا يلقبون الصحافة في البلدان الأخرى بهذا اللقب الغريب والعجيب؟

بلى يفعلون ذلك، وهم يعرفون لماذا. أما لدينا فمن الممكن اختيار ألقاب أخرى تكون أقرب إلى الصحة وأبعد عن التمشخير الذي نحسه جميعا عندما يقول لنا شخص ما إنكم تشتغلون ضمن رحاب صاحبة الجلالة.

هي مهنة متاعب فعلا، لكن المتاعب لا يحس بها إلا من كان مؤمنا بهذه الحرفة فعلا. أما "النجارة" فيحسون بالارتياح الكامل فيها، وهي تعيد لهم في ظروفها الحالية الراحة براحة أفضل منها.


 المختار لغزيوي، جريدة الأحداث المغربية، 24 أكتوبر 2010

يمكنكم مشاركة هذا المقال