تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"العولمة ومجتمع الإعلام" للأستاذ يحيى اليحياوي (3-3)

قراءة في كتاب "العولمة ومجتمع الإعلام" للأستاذ يحيى اليحياوي

حسناء حيمي

لولوج بواطن ومضامين هذا الكتاب ولاكتشاف خباياه وسبر أغواره، يلزم أولا الولوج إلى العالم الإبداعي لكاتبه الأستاذ يحيى اليحياوي، هذا العالم الزاخر بالعطاءات الإبداعية القيمة من أبحاث ودراسات متعددة والحافل بإصدارات متميزة.

يعد هذا الكتاب الإصدار الحادي عشر وقبله صدر للكاتب "العولمة الموعودة" سنة 1999، "العولمة: أية عولمة؟" سنة 2000 و "محنة التلفزة بالمغرب" سنة 2000 وهناك إصدارات أخرى.

والكتاب الذي بين أيدينا يعد كذلك من بين الكتب القيمة الصادرة للكاتب، إذ يحوي بين دفتيه دراسة وتحليل العديد من المفاهيم والخطابات التي أصبحت في الوقت الراهن رائجة ولا حديث إلا فيها وعنها كالعولمة ومجتمع الإعلام والمعرفة و...

وفي قراءة للصفحات الأولى من الكتاب، نجد تقديما مركزا للأستاذ المهدي المنجرة أشاد من خلاله بأهمية الكتاب وبمسيرة المؤلف المثمرة والرامية إلى تحليل القضايا الراهنة وخطاب العولمة بالأساس ودراسة خلفياتها في ميدان الإعلام بغية تقريب مفاهيمها للقارئ، كما صاغ خلاصة موجزة لمضمون هذا الكتاب حاول من خلالها الإلمام بجل القضايا المثارة فيه.

في الفصل الأول من الكتاب، يصرح الكاتب بأن الحديث عن الواقع الإعلامي العالمي السائد حديث معقد نظرا لعدة أسباب كما يورد حقائق عشر مرتبطة بثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال وبخطاب العولمة الناشئة.

هذه الحقائق التي تبرز مدى السيطرة المطلقة للدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية على ميدان الإعلام والاتصال وعلى الشبكات الجديدة من جهة ومدى إغفال الدول النامية لهذا الجانب واكتفاءها بنقل واستجلاب تكنولوجيا هذه الدول الكبرى تحت غطاء مسايرة العصر.

ليخلص الكاتب إلى تأكيد أن هذه الحقائق هي التي أصبحت تتحكم في العلاقات الدولية والتي ميزت العلاقات الإعلامية والاتصالية للقرن الماضي وكذا هذا القرن نظرا لما تحمله من رهانات وتحديات ضخمة لن تستطيع دول العالم الثالث رفعها ومواجهتها إلا بنهج استراتيجيات فعالة واتباع النموذج الغربي من اهتمام بالبحث العلمي وتوظيف القدرات البشرية لا بالاستكانة إلى ترويج طروحات عن الاستهداف الحضاري والثقافي من لدن الدول الكبرى التي لا هم لها إلا تسويق الإنتاج وتحقيق الأرباح.

يتطرق الكاتب، في الفصل الثاني، إلى الحديث عن عمليات النقل التكنولوجي التي تقوم بها دول العالم الثالث تحت ذريعة مسايرة العصر والتكنولوجيا نتيجة عقدة الانبهار بالتكنولوجيا ولغياب قيم الإبداع والتجديد. لينتقل الكاتب إلى إبراز تجليات هذه الثورة في كل الميادين المتصلة بها والطفرة التي حققتها بفضل تظافر عمليات البحث والتطوير التي تسخر لها الدول الكبرى الأموال الطائلة والميزانيات الضخمة من أجل تطوير مستمر للتكنولوجيا بكل روافدها في مقابل الدول النامية التي تكتفي باستجلاب هذه التكنولوجيا وانتظار كل جديد تأتي به لاقتنائه.

وبهذا الصدد أورد الكاتب مصطلحي صفوة التكنولوجيا في إشارة منه كذلك إلى الطابع النخبوي الذي يميز التكنولوجيا المستوردة، لينتهي إلى بلورة استفهامات ترمي إلى توعية هذه النخب الحاكمة بالهوة الشاسعة بين اختياراتها التكنولوجية والواقع المزري والمتخلف الذي تئن تحت وطأته مجتمعاتها. هذا الواقع الذي لن يتحسن إلا بصياغة البديل.

وتستوقفنا إشكالية الطرق السيارة بالعالم الثالث في الفصل الثالث حيث بين الكاتب أن فكرة هذا المشروع انبثقت عن الولايات المتحدة الأمريكية ليعم صداها وتنتشر عدواها إلى باقي الدول المتقدمة وحتى إلى دول العالم الثالث. لكن الفرق في انتشار عدوى مشروع الطرق السيارة للإعلام والاتصال يكمن في رد فعل كل من هذه الدول إزاءه.

فالدول المتقدمة التي روجت له والتي أولته اهتمامها الشديد قد وعت مدى أهميته لما يجره وراءه من رهانات ضخمة، لذا قامت بتبني الاستراتيجيات الواجب اتباعها وذلك بتوفير بنى إعلامية تحتية جد متطورة والتركيز على التكنولوجيا المتقدمة بكل روافدها وتوظيف الرقمنة إلى أقصى الحدود عكس الدول النامية التي عانت وما تزال تعاني من ضخامة مثيلاتها في الدول الكبرى ولعدم توفر الأرضية الضرورية لنشأة التكنولوجيا والتخطيط لمشروع ضخم كمشروع الطرق السيارة.

ويوضح الكاتب ذلك من خلال طرح عدة تساؤلات يستشف منها مدى الانفصام الموجود بين الاختيارات والخطابات النخبوية وبين الواقع المتأزم الذي تعيشه دول العالم الثالث.

ويقف الأستاذ يحيى اليحياوي في الفصل الرابع عند العديد من المعطيات والاستفهامات التي تروم إبراز علاقة خطاب الطرق السيارة والعولمة والمجتمع الكوكبي بدول المغرب العربي التي بناها الكاتب على عدة مستويات وأرفقها بملاحظات واستنتاجات تصب كلها في نفق واحد ألا وهو عدم وصول هذه الدول إلى المستوى الذي يبوؤها تبني هذه الخطابات ممارسة لا خطابا فقط. ورفع التحديات التي تطرحها والتي تعتبر بالنسبة للدول المتقدمة عناصر مجندة في حين لا تعدو كونها خطابا للاستهلاك في إطار سياسات تنمية الشبكات الإعلامية والاتصالية بدول المغرب العربي.

يشير الكاتب في الأخير إلى ما تخفي وراءها هذه الخطابات من نهج اللاتقنين والخوصصة والتحرير.

ويهدف الكاتب، في الفصل الخامس، إلى توعية أصحاب القرار في دول المغرب العربي وكذا الرأي العام بالرهانات الإعلامية التي ستواجههم في مجتمع معرفي سيتحكم في جزء كبير من التطورات سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا في هذا القرن. إذ أن التكنولوجيا أصبحت بمثابة شرط أساسي وضروري للتنمية الاقتصادية والعولمة أضحت تكتسح كل الخطابات.

إلا أن المغرب يعيش أزمة مجتمعاتية تجعل خطاب مجتمع الإعلام والمعرفة خطابا مستلبا وانبهاريا فقط ليخلص الكاتب في الأخير إلى التشكيك في مدى صحة وجود هذه الرهانات التكنولوجية والإعلامية نظرا لغياب الحسم في إشكاليات ثلاث: إشكالية طبيعة التنمية وإشكالية الولوج إلى هذه التكنولوجيا وأخيرا إشكالية تملك هذه التكنولوجيا اقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا.

العولمة، الحاكمية والمواطنة مفاهيم حاول الكاتب في الفصل السادس استجلاء طبيعة العلاقة التي تربط مثنياتها وتجعل من اجتماعها إحدى سمات العصر الكبرى.

 فاستهل ذلك بالحديث عن ثنائية العولمة والحاكمية وأبرز مدى الانتشار والرواج الذي لقيه مصطلح العولمة عكس الحاكمية. هذه الأخيرة التي تعنى بممارسة التسيير العقلاني في المنظمات والمؤسسات المختلفة على أساس من التشاركية واللامركزية وتحريك مبادئ الديموقراطية في حين أن العولمة هي "نمط من تدبير العلاقات الدولية على أساس كونها سلع وخدمات".

كما عمل الكاتب على استجلاء أوجه التقاطع بين العولمة والحاكمية وأجملها في أوجه ثلاثة لينتقل إلى ثنائية العولمة والمواطنة. هذه الثنائية التي يطبعها التقاطع والتنافر فيما بين عناصرها.

 أما العلاقة بين العولمة والمواطنة فقد بناها الكاتب وفق ثلاث حقائق كبرى ليخلص إلى أنه "لا مواطنة في زمن العولمة إلا مواطنة السوق المنصهرة في ديموقراطية السوق".

 في حين تلتقي المواطنة والحاكمية في عدة نقاط لكونهما نسبيتين وتاريخيتين، تتموضعان في المجتمع المدني وتدعوان إلى تقوية الديموقراطية. لكنهما تتقاطعان في مستويات جوهرية ثلاثة. وانتهى الكاتب إلى أن علاقة المواطنة والعولمة والحاكمية فيما بينها تتحدد وفق ثلاث نقط توتر كبرى تدفع بتنافر مكوناتها أكثر ما تدفع بتناسقها. فالحاكمية هي الإبن الشرعي للعولمة في حين أنه "لا مواطنة في زمن العولمة والحاكمية".

وفي الفصل السابع والأخير يتحدث الكاتب "عن معوقات الانتقال الديموقراطي: لوبي التلفزة نموذجا" حيث أبرز أن التلفزة في الدول الديموقراطية الكبرى تتمتع باستقلالها عن رهانات السياسي في حين يصف التلفزة في دول العالم الثالث بكونها جزءا لا يتجزأ من السياسي، محكومة بمنطقه، وفي المغرب بالأساس كونها بوقا للسلطة وأداة للقوي والمهيمن.

وتناول الأستاذ يحيى اليحياوي فضلا عن ذلك حقل التلفزة في علاقته مع جملة من القضايا الكبرى. إذ يستعرض أربعا من القضايا التي يعتبر أن التلفزة في المغرب لم تسمح للبناء لها أو على الأقل الترويج لها ولم تتمكن كذلك من حسمها ولا يمكن لها أن تتطور وتتقدم دون حسم إشكالها أو توضيح الرؤية بشأنها، إذ يركز في شأن قضية الديموقراطية بالمغرب على أنها أمر مستبعد ولا مفكر فيه من منطق ما تمليه النخبة.

 كما يركز بصدد إشكالية التنمية الاقتصادية على طبيعة الدور المنوط بالتلفزة والقائمين عليها المتمثل في كشف وتوضيح هفوات الخيارات الاقتصادية لا تزييفها وجعلها صائبة وحكيمة.

وبخصوص القضية الثقافية-اللغوية يؤكد الكاتب بأن التلفزة بالمغرب لا تهتم برفع المستوى الثقافي للمشاهدين لدرجة أصبحت الشرائح الاجتماعية ساخطة وغير راضية على الشبكة البرامجية للتلفزة نظرا لاستهجان البرامج الثقافية.

كما يبين الكاتب مدى التهميش الذي لحق اللغات واللهجات الأصلية التي لا تقدم إلا في إطارها الفلكلوري وتسييد اللغة الفرنسية وطغيانها.

ويشير الكاتب إلى أن تعذر الحسم في الإشكال الثقافي معلق إلى حين الحسم في إشكالية أية ثقافة نريد؟ وأية لغة نريد؟

أما فيما يتصل بالقضية الإعلامية، فيرى الكاتب أن الإشكالية الإعلامية بالمغرب لن تحسم إلا بتأسيس الأرضية المناسبة لها.

فالكاتب إذن يعتبر أن التلفزة قد استعملت كوسيلة إعاقة للديموقراطية وتطورها لكونها تلفزة السلطة عوض كونها سلطة التلفزة. كما يشير الكاتب إلى أن ممارسة اللوبي أي الضغط في التلفزة قد أسفر عن إقصاء الرأي العام وتغييب قضايا المغرب الحديث. ويصل الكاتب إلى طرح استفهام ووضع تساؤل مفاده: ما المأمول وما المطلوب من التلفزة والإعلام في العهد الجديد؟

 تساؤل أجاب عنه الكاتب من خلال بعض الاقتراحات العملية حاول من خلالها إبراز ارتباط الإشكال بغياب المشاركة الجماعية وعدم تحديد معالم المشروع المجتمعاتي والتي تقتضي نهج استراتيجية إعلامية تنبني على أسس ذاتية ودمقرطة وسائل الإعلام واستقلال التلفزة عن سلطة النخبة لأن نهج الديموقراطية الحقيقية هو السبيل الوحيد لتسيير المجتمع وتحريك آليات التنمية وضمان نجاحها لتحرير شعوب العالم الثالث من الهيمنة والاستغلال اللذين تفرضهما سلطة السوق الذي تتحكم فيه الدول المتقدمة وشركاتها المتعددة الجنسية.

(+)- طالبة بمستوى الباكلوريا حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة أحسن قراءة في كتاب "العولمة ومجتمع الإعلام" للكاتب يحيى اليحياوي الذي نظمته جمعية أصدقاء الكتاب ببني ملال احتفاء باليوم العالمي للكتاب بمقر الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة تادلة-أزيلال، يوم السبت 8 ماي 2004 (بحضور المؤلف).

 

 

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال