في الساعات الأولى من صبيحة ال 16 من ماي 2003 اهتزت مدينة الدار البيضاء تحت وقع أحداث مريبة ومريعة لم يعهد المغاربة رديفا لها اللهم إلا ما يسمعونه ويرونه ويقرأونه عن أحداث مماثلة بهذه البقعة من العالم أو تلك. والحقيقة أن الذي جعل المغاربة مذهولين أمام ما وقع إنما لجوء شباب في مقتبل العمر إلى اتخاذ أجسادهم أدوات للجريمة ففجروها بأماكن محددة وفجروا معهم من تواجد بها حجرا وبشرا.
هم في معظمهم شباب من أحياء قصديرية، هامشية، تعرف الإقصاء في أقصى حدوده ولا مقوم لديها لحياة كريمة كما تعيشها طبقات أخرى قد لا تفصلها عنهم إلا أمتار عدة. ولما كان الأمر كذلك وأكثر فإنه يغدو من الهين استقطابهم وتجنيدهم من هذه الجهة أو تلك والدفع بهم إلى سلوك سبيل العنف المادي في أقصى درجاته بعدما أذاقهم العنف الرمزي أشد ما لديه من ضروب الاستفزاز وشتى أصناف الميز و"الحكرة" وما سواهما.
هذه مسألة إشكالية خطيرة لم ينتبه لها متبنو أطروحة "الاستثناء المغربي" ولا عمد الباحثون المختصون إلى التحذير من عواقبها الآنية كما على المدى البعيد: مسألة صيرورة تحول العنف وانتقاله السريع لدى المهمشين (من خلال تأطير دقيق) إلى اعتماد ونهج سلوكات لا تستطيع أعتى أدوات الأمن الحيلولة دونها إن لم تعمد على معالجة أسبابها بأدوات أخرى.
ليس لدينا القدرة ولا التكوين الكافي للمساهمة في فك عناصر هذه المسألة في هذه الورقة، فهو أمر يستدعي دراسة من لدن أهل الاختصاص. بالتالي فلن نعمد هنا إلا إلى ملامسة بعض من عناصر التغطية الإعلامية لهذه الأحداث ولتبعاتها ولربما أيضا امتداداتها.
والواقع أن التغطية تلك إنما تستدعي الوقوف عند بعض الملاحظات العامة الكبرى بعد أن استقرت الأمور نسبيا وأضحى من الممكن مقاربتها:
+ الملاحظة الأولى وترتبط بعفوية المادة الإخبارية في الإبان الأول والعمل من لدنها على نقل ما جرى بالكلمة كما بالصوت كما بالصورة دونما إعمال للتحليل المباشر أو توجيه صك الاتهام لهذه الجهة أو تلك الجماعة.
وعلى الرغم من تخلف بعض المنابر الإعلامية عن مواكبة الحدث واستمرار إبقائها على شبكة برامجها العادية، وعلى الرغم من خروج بعض المسؤولين وإشارته بالأصبع المباشرة إلى ضلوع أطراف خارجية في ذلك (دونما تثبت من الدليل) فإن الثابت أن "الجسم الإعلامي" بقي بمجمله على مستوى الذهول شأنه في ذلك شأن كل المغاربة، فعم بالتالي التنديد وتعددت مصادر الاستنكار وتزايدت ردود الفعل المحملة بالعديد من أحكام القيمة ودفع بسؤال السبب والمسببات إلى ما بعد.
بالتالي فما سوى التغطية الإخبارية الجافة (بالسمعي-البصري مثلا) وباستثناء صور الأحداث وبيانات الأحزاب في صدر صفحات منابرها المكتوبة واستقاء بعض ردود فعل المواطنين، ما سوى ذلك لم نعثر على أثر يذكر (في الأيام الأولى أساسا) لبرامج حوارية تضع الخلفية للأحداث، ترصد واقع الحال، تستشرف الأبعاد وتساعد على فهم ما جرى. وهو أمر بمستطاع المرء تفهمه، فالأحداث كانت من الفظاعة ما لا يساعد على إعمال العقل واستحضار التحليل المحايد.
+ الملاحظة الثانية وتتعلق بالدلالات السيميائية الموظفة من لدن وسائل الإعلام المختلفة لتوصيف أحداث الدار البيضاء (عمليات انتحارية، أعمال إرهابية، كاميكاز وما سوى ذلك).
وعلى الرغم من كونها كل ذلك، فإننا لم نلحظ وحدة في المصطلحات تستجلي طبيعة ما وقع: فهي عمليات انتحارية دون شك، لكنها غير عادية ولا ذات خلفية شخصية ولا مبنية على دواعي فردية بمستطاع المرء وضعها في سياقها الخاص.
نحن هنا بإزاء حالة "انتحار جماعي" لا يخضع بسهولة لمبادئ علم النفس التقليدي، وبإزاء أفراد اعتمدوا أسلوب القتل الجماعي (أداتهم في ذلك أجسادهم) "لإبلاغ رسالة" أو " نشر موقف". وهي أعمال إرهابية أيضا ليس بالضرورة كما تفهمه الإدارة الأمريكية وتروج له، بل على الأقل من زاوية أنها أرهبت الآمنين وطاولت العديد من الأبرياء لربما لم يكونوا مستهدفين.
بالتالي، فلم تعمد وسائل الإعلام (بمختلف أصنافها وأطيافها) على رفع ذات اللبس سيما في زمن أضحى فيه لعبارة الإرهاب وقع خاص بين الدول كما داخل الدولة الواحدة (على الأقل منذ أحداث الحادي عشر من شتنبر).
+ الملاحظة الثالثة وتتمثل أساسا في تحول العديد من المنابر الإعلامية (خصوصا المرئية منها والمسموعة ( إلى أدوات تروج للنيابة العامة بياناتها وتنقل بالصوت والصورة توزيعها لصكوك الاتهام ضد هذه الجهة أو تلك لدرجة تعطي الانطباع للمرء ولكأن كل مشتبه فيه هو متورط حقا وكل من تم التشكيك في سلوكه أو فعله أو منطوقه هو إما مساهم في الأحداث أو متواطئ فيها أو محرض عليها بهذه الوسيلة أو تلك.
بالتالي، فعوض أن نلاحظ الحد الأدنى من المسافة بين الإعلام والنيابة العامة، بدا لنا الأمر ولكأنه اصطفاف الأول خلف الثانية، كل ما يصدر عنها هو القول-الحق...وهو ما لا موضوعية بصلبه قياسا إلى مبدأي سرية التحقيق وضمان المحاكمة العادلة (وأولها أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته).
هذا الاصطفاف لم يقتصر على هذا المستوى، بل ذهب لحد جعل الكل ضد الكل سيما عندما تمت الإشارة بالأصبع إلى حزب مشروع ندد من اليوم الأول بالأعمال الإرهابية شأنه في ذلك شأن باقي الأحزاب والمنظمات.
+ الملاحظة الرابعة وتكمن في انطلاقة مسلسل تسويق الخوف الذي دشنته الدولة بواسطة القوة الفعلية القائمة وبفعل التشريع. والتلميح هنا لا يطاول فقط قانون الإرهاب الذي مرر بالبرلمان دونما اعتراض يذكر (وهو الذي ما كان أن يمرر بصيغته الحالية لولا ذات الأحداث)، بل وأيضا إلى مطالبة مسؤول من على منبر مرئي وبالمباشر، مطالبته لحزب سياسي ذي خلفية إسلامية ب "الاعتذار للشعب المغربي" للمساهمة في تبييض مسؤوليته عما جرى بالدار البيضاء.
وبصرف النظر عن الاعتبارات السياسية الثاوية خلف هذه المطالبة، وبغض الطرف عن تمرير قانون تضاعفت جراءه المواد السالبة للحريات، المضيقة عليها، وبصرف النظر عن كل ذلك، فإن المثير للانتباه إنما انسياق وسائل الإعلام خلف ما يصدر عن هذه الجهة أو تلك (لحسابات ضمنية بينها) وتبنيها لها جهارة أو في الخفاء.
وعلى هذا الأساس، فالذي ساهمت فيه وسائل الإعلام (سيما المكتوب منها) إنما إشاعة منطق الخوف الذي شعر المجتمع أنه مادته وهدفه لدرجة يخال للمرء معها أن هناك أياد خفية ثاوية خلف إشاعة ذات المنطق لحسابات تخصها وهو لربما ما تعرضت له الأسبوعيات بوفرة دون سواها من منابر.
+ الملاحظة الخامسة وتتراءى لنا كامنة في تزايد مسلكية ما أضحى يسمى بالاستئصال الذي تم التعبير عنه منذ الأيام الأولى للأحداث من خلال تبادل الاتهام والتراشق بالصفات والنعوت. وهي حالة استنبتها فضاء سياسي مريض والتقطتها منابره الإعلامية المباشرة أو بعض من تلك المنابر الدائرة في فلك السلطة.
لا يروم التلميح هنا فقط إلى ادعاء بعض المنابر الإعلامية المكتوبة (والأحزاب القائمة عليها) كونها تدافع عن "مشروع مجتمعي، ديموقراطي وحداثي"ضد المناهضين له قلبا وقالبا، بل وأيضا إلى إلصاق صفة الظلامية على أفراد وجماعات وتيارات سياسية لمجرد أنها تعبر عن موقفها علنا وبالواضح ولها، فوق كل هذا وذاك، تمثيلية سياسية بالبرلمان.
لم ينحصر الأمر عند هذا الحد، بل ذهب ببعض المنابر إلى حد "صب الزيت عل النار" عبر نشر صور العديد من المشكك في صلتهم بالأحداث أو لمجرد انتمائهم لهذا التيار أو ذاك أو حتى قبل أن يتم التحقيق معهم ويحسم القضاء في وضعهم.
ولهذا السبب (ولأسباب أخرى ربما) تم إعمال مبدأ التأويل (تأويل قانون الإرهاب بالأساس) ليتم الزج في السجن بأناس اتهموا " بالتحريض" (بالمساجد أو بكتاباتهم) أو لكونهم "هيأوا التربة للعنف" أو لمجرد كونهم استنكفوا عن إدانة ما جرى اعتقادا منهم بأن الذي وقع كان حتميا بحكم تراكمات الماضي وفشل السياسات المتعاقبة في حل أبسط أمور الناس.
+ الملاحظة السادسة وتكمن في غياب البرامج الإعلامية الجادة (بالتلفزة أساسا) لتفسير خلفيات الأحداث ومسبباتها ودواعيها والسبل القمينة بعدم ارتدادها في المستقبل.
صحيح أننا لا حظنا برامج وطاولات مستديرة وحوارات ومواجهات بهذه القناة كما بتلك (بصرف النظر عن تميز بعضها)، لكنها بقيت في الغالب الأعم سطحية ووعظية ومجاملة لهذه الجهة أو تلك ومحكومة بقانون في الإرهاب يفرض على المتحدث عباراته ومصطلحاته.
فباستثناء القول بالإدانة ومعاقبة الجناة، فإن ما سوى ذلك بقي محصورا بمستوى العموميات والخطاب الإنشائي ولم ينفذ إلى وضع ما جرى في سياقه العام ولا استطاع حتى في تغطية المحاكمات الوقوف عند تجاوزات التحقيق وغياب شروط المحاكمة العادلة كما كان يصرح به العديد من المحامين.
بالتالي، فلم تجرأ العديد من المنابر الإعلامية في الذهاب إلى أبعد اللهم إلا ما تقدمه لها النيابة العامة أو تستقيه من محامي الدفاع وهكذا...وعندما تجرأ صحفي (في سياق آخر) على إعادة نشر استجواب له مع شخصية سياسية زج به في السجن (وبالعديد غيره) على خلفية قانوني الإرهاب والصحافة ولم يشفع له السراح بعد ضغوط عدة وإضرابات لا محدودة عن الطعام إلا عفو ملكي...
+ الملاحظة السابعة وتتمثل في الإحساس (إحساسنا الخاص على الأقل) بأن ما جرى صبيحة السادس عشر من ماي 2003 إنما هو قضية دولة وليست بأي حال من الأحوال قضية شعب...وهو ما سارت على دربه العديد من المنابر الإعلامية.
ومعنى هذا أن استنفار الدولة لمختلف أجهزتها الاستخباراتية والأمنية لم يتم بالأساس إلا لكونها قد أحست بأن جزءا من سمعتها ومصداقيتها قد قضم وأن "التسامح" الذي أبدته من مدة قد ولى وهكذا.
وعلى هذا الأساس سارت مختلف المنابر تغطية للخبر، تعليقا عليه ومتابعة لأطواره منذ البدء وإلى اليوم ربما.
لم يستشعر المواطن أن الذي جرى إنما طاله هو قبل أن يطال الدولة، طال مصالحه قبل أن يطاول مصالح هذه الأخيرة...من هنا فوتيرة إصلاح الأجهزة الأمنية وتقويتها وتعميق عمليات تبادل المعلومات الاستخباراتية لم يوازها تسريع مماثل لإخراج الناس من وضعيتهم المزرية سيما المناطق التي انطلق منها المنفذون...وهو أمر لم نستشعره إلا في النوايا وما تكتبه المنابر الرسمية.
+ الملاحظة الثامنة وهي المتمثلة في عسر تحول الإعلام ببلادنا إلى سلطة رابعة ليس فقط كونه في الغالب بين يدي الدولة والأحزاب، ولكن أيضا لأنه لم يستطع كسر تجرأ الحكومة عليه كلما عن لها ذلك تحت هذا المسوغ أو ذاك.
فأحداث 16 ماي أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الحكومة استسهلت استباحة العديد من المنابر عبر الحجز أو المنع أو الزج بأصحابها في السجون...ولهذا السبب ارتكنت هذه المنابر إلى الصمت أو الاكتفاء بما تمكنها إياها وكالة الأنباء.
وعلى هذا الأساس، فلو جاز للمرء أن يقيم في جملة واحدة عاما من تغطية الإعلام لأحداث الدار البيضاء لقال بأنها كانت تغطية سطحية، تسير في حدود الخطوط الحمر وساهمت إلى حد بعيد في خلط الأوراق وبرهنت على أن بينها وبين تجربة الجزائر مثلا بون لا نراهن على ردمه في المدى المنظور.