تعليقا على عدم ترخيصها لمحطات تلفزيونية:
اليحياوي: "لا أستبعد وجود أوامر عليا وراء قرار الهاكا الأخير"
قبل أسبوعين، أصدرت العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) قرارها بالترخيص لأربع محطات إذاعية جهوية وموضوعاتية، في مقابل تأجيل البث في المشاريع التلفزيونية المتنافسة.
قرار الهاكا أثار الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أن أصحاب المشاريع المتنافسة من طينة فؤاد عالي الهمة وعثمان بنجلون وعزيز أخنوش. في هذا الحوار نسائل الباحث والخبير الإعلامي، يحيى اليحياوي عن أسباب هذا الاستنكاف من جهة، وعن مستقبل المحطات الإذاعية المرخص لها من جهة أخرى.
ما تعليقكم على القرار الأخير الذي أصدرته الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري والقاضي بعدم الترخيص لإنشاء قناة تلفزيونية، في مقابل الترخيص لمشاريع إذاعية؟.
في الحقيقة، ما أصدرته الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) لا يمكن اعتباره قرارا، لأن القرارات تكون مبررة و مسوغة، بل هو مجرد بيان مقتضب من صفحة ونصف يخبرنا أن الهيأة قررت منح التراخيص لبعض المشاريع الإذاعية الجهوية والموضوعاتية، والاستنكاف عن تقديم تراخيص للمشاريع المتعلقة بالمحطات التلفزيونية. ونحن ننتظر من الهيأة أن تصدر نصا مبررا يتضمن أجوبة بهذا الخصوص.
وفي غياب مثل هذا النص، فإن الملاحظة الأولى التي أثارتني أن "الهاكا" تحولت إلى هيأة عليا للاتصال السمعي، لأنها تشتغل في المجال الإذاعي أكثر مما في التلفزيون. وبالتالي، يجب إعادة النظر، على الأقل، في تسميتها أو خلق هيأة جديدة تهتم بقطاع التلفزيون. الملاحظة الثانية هي أن الهيأة حاولت من خلال قراراتها تغطية مجموع التراب الوطني، فبعد أن كانت هناك تغطية أولية جهوية، بالمعنى الجغرافي للكلمة، أصبحت لدينا تغطية إضافية هي التغطية الموضوعاتية كتتمة للتغطية الجهوية.
الهاكا بررت قرارها عدم منح التراخيص للمحطات التلفزيونية بالخوف من تضرر المتعهدين الحاليين في قطاع الإشهار، هل هذه الأسباب كافية أم هناك أسباب أخرى غير معلنة؟
لتبرير قرار الهيأة، هناك سيناريوهان اثنان: الأول، أن المشاريع المقدمة لم تكن في المستوى المطلوب. وهذا مستبعد لأن بلاغ الهيأة، في حد ذاته، لا يشير إلى ذلك. والثاني، هو أن المشاريع كانت في المستوى، لكن هناك اعتبارات أخرى دفعت الهاكا إلى اتخاذ قرار عدم الترخيص لها.
التبرير الذي قدمته الهاكا والذي يتعلل بالخوف من زعزعة التوازن القطاعي في مجال الإشهار، يطرح إشكالا خطيرا هو لماذا طرحت الهاكا أصلا طلب عروض لمشاريع تلفزيونية، ما دامت تعلم مسبقا أن السوق مشبع؟. ما كان يجب على الهاكا أن تفعله هو أن تخبر الجميع بأنها لن ترخص لأحد فيما يخص التلفزيون. ولكن كونها فتحت باب تقديم المشاريع يعني أن سيناريو التعلل بضيق السوق الاشهاري يسقط. وهذا ما يخلق التناقص فإذا كنت "ما باغيش دير العرس علاش عارض الناس أصلا". والغريب في الأمر أن مثل هذه القرارات تصدر من مؤسسة عينها الملك.
وإذا أردنا التدقيق في الجانب المتعلق بالإشهار، فأصحاب المشاريع المقدمة لا يحتاجون في الأصل إلى مداخيل الإشهار. ولا أعتقد أن عثمان بنجلون أو عزيز أخنوش في حاجة الى "جوج قروش" الخاصة بالإشهار. أصحاب هذه المحطات التلفزيونية قدموا مشاريعهم لاعتبارات أخرى، ربما حتى نفسية، رغبة في أن يقارنوا بالمحطات الكبرى.
طيب، ماهي الخلفيات الحقيقية إذن وراء عدم الترخيص؟
الخلفيات الأخرى تتجلى في الرغبة في الحفاظ على بقاء "ميدي 1 سات"، المحمية الفرنكفونية عبر ضمان جزء من السوق الإشهاري يوفر لها بعض الاستقرار. لكن هناك جانب آخر يتعلق، ربما، بأوامر عليا صدرت للهاكا بعدم البث في تراخيص التلفزيون، مادام أن الأعضاء الحاليين يقتربون من إنهاء ولايتهم، وبالتالي يجب ترك المجال أمام الأعضاء القادمين للقيام بعمل معين، وإلا سنكون مضطرين لإغلاق الهيأة لعدم وجود مهام تضطلع بها آنذاك. بالنسبة إلي، هذه هي القراءة التي تبدو لي، ومن لديه قراءة أخرى أقوى تزايد على هذا الطرح، يجب أن يقدم الحجة على صحتها.
هناك قراءة أخرى، سياسية ريعية إلى حد ما، وهي الخوف من إثارة الصراعات، فإذا تم الترخيص لفؤاد عالي الهمة مثلا، سيقرأ الأمر على أنه مجاملة لصديق الملك، وإذ ا رخص لبنجلون أو أخنوش فلكونهما من أثرياء المغرب، لذلك فضلت الهاكا ترك الجمل بما حمل.
هناك طرح آخر يقول بأن الهاكا فضلت عدم منح التراخيص في الوقت الحالي، خوفا من استغلال القنوات الجديدة للدعاية في الانتخابات الجماعية العام المقبل؟
شخصيا، لا أعتقد أن هناك اعتبارات انتخابوية. ما هناك هو حيرة وعدم استقلالية وتخبط للهيأة في اتخاذ قرارات تدخل في صلاحيتها. لأن الهاكا بإمكانها تفادي هذا المشكل من خلال اشتراط أن تبدأ القنوات بثها بعد انتهاء الانتخابات وظهور النتائج.
لماذا في رأيكم تم الترخيص لمحطات موضوعاتية وجهوية؟
لا أعرف، فعلا، لماذا تم الترخيص لإذاعة رياضية ولا أعتقد أن المغرب في حاجة إليها، خاصة أن رياضتنا ليست على ما يرام. الترخيص لمحطة ثقافية أو للثراث الشعبي كان أفضل. وحتى الإذاعة المتعلقة بالعالم القروي، لا أفهم لماذا رخص لها. ما يوجد لدينا هو غياب سياسة واضحة ومجموعات من التصورات الخاطئة لدى الهاكا تبني عليها قراراتها وتوهم نفسها أنها تقوم بتحرير المشهد السمعي البصري، وهو تحرير أعوج وأعور ولا يقاس عليه.
هل تعتقد أن هذه المحطات الجديدة ستقدم إضافة جديدة للمشهد السمعي البصري؟
العبرة ليست بالكثرة، بل بالمضامين. وحتي مبدأ الترخيص للمحطات الإذاعية حاليا غير سليم، لأن الإذاعات في تراجع دائم. الراديو تقنية الأربعينات ونحن الآن في عصر الفضائيات والأنترنت والصورة والجيل الثالث من الهواتف، ولا أحد لديه الوقت للاستماع إلى الراديو. عندما ترخص للمحطات الإذاعية فكأنك تسير ضد العصر.
في رأيكم، هل وصل المشهد السمعي البصري مستوى من النضج يتيح إمكانية الترخيص للموجة الجديدة من الإذاعات؟
أتساءل حول القيمة المضافة التي قدمتها الإذاعات الحالية حتى نتجه نحو مزيد من التراخيص، خاصة أن الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري لم تقم بدراسات تقييمية بالأداء والتتبع ونسبة الاستماع يتم البناء عليها لكي تتخذ قرارات الترخيص من عدمها.
هل تعتقد أن المحطات الجديدة سيكتب لها النجاح ماليا على الأقل أم ستعاني من أزمات مالية، خاصة مع ضيق السوق الإشهاري؟
أعتقد أن المحطات التي تبث حاليا تعاني من ضائقة مالية، ولكن إذا كانت لديك لوبيات تمدك بالأموال أو"إلى كان صاحبك فلان أو علان فلن تعيش أية ضائقة مالية"، والدليل قناة ميدي 1 سات "الميتة" التي تسير بأموال اتصالات المغرب والتي تدفع جزءا منها كي تبقى الفرنكفونية جاثمة على قلوبنا.
كيف تفسر غياب أي تعليقات من طرف أصحاب المشاريع التي لم يتم قبولها؟
غياب ردود فعل من أصحاب المشاريع التي يتم قبولها يفسر أولا، بأن القرار شمل الجميع والضرر عندما يعم الكل يخف. ثانيا، بأنه ليس من مصلحة أصحابها إطلاق أي رد فعل لأنه، ربما، تم إصدار قرارات عليا لتأجيل البث في ملفات الترخيص للتلفزيون ولدي إحساس بذلك.
جريدة الملاحظ، 19 مارس 2009
حاوره خالد الغالي