تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي: يوتوب شكل من أشكال الاحتجاج الصارخ

 يحيى اليحياوي: يوتوب شكل من أشكال الاحتجاج الصارخ

قال 'للمساء': "ثلاثية المال والفساد والسلطة مادة مفضلة لرواد الموقع"

السؤال الأول: إلى ماذا يعزى النجاح الذي يحققه الموقع الالكتروني يوتوب؟

يحيى اليحياوي: أنا لا أتوفر على معطيات دقيقة حول حجم ونسبة من يلج موقع يوتوب من المغاربة. هي مسألة معقدة، تفترض تحديد مواصفات المبحر المغربي عموما، وطبيعة سلوكه بالشبكة، ومدى ارتياده لهذا الموقع أو ذاك.

بالمقابل، هناك حالات أعطت للموقع، موقع يوتوب، انتشارا واسعا لدى المغاربة، سيما ما نشره قناص ترغيست حول ارتشاء بعض من رجال الدرك، وفيلم الرماش وأطنان الحشيش بجانبه، وهو بالبحر بطريقه لجهة التسليم، ناهيك عن بعض صور العائلة الملكية، وبعض أسرار الجيش المغربي، وبنات بعض المسؤولين الكبار في أوضاع مشينة.

حب الاستطلاع بالتأكيد هو الذي حدا بالعديد من المغاربة إلى ارتياد موقع يوتوب، لرؤية ما راج عن هذه المقاطع "الواقعية". ما زاد من جماهيرية الموقع عمد اتصالات المغرب مزود الخدمة، إلى منعه بماي الماضي، ومستوى الاحتجاج الذي صاحب ذات المنع.

من مدة بعيدة قرأت استجوابا للرئيس المدير العام الحالي لاتصالات المغرب، يقول فيه بأن الشركة توفر البنية والقناة، وليس لها دخل بالباقي يعني بالمضامين، أو بغاية التوظيف. لماذا إذن، لو كان ثمة تناسقية في الكلام، إصدار الأمر بالمنع، والشركة مجرد مزود؟ هذا يبين أشياء كثيرة لا مجال للخوض فيها هنا.

قد يكون للمنع بعض من الفاعلية على المدى القصير، لكنه غير ناجع على المدى البعيد لأن الشبكة مفتوحة وواسعة، وسبل الالتفاف كثيرة ومتشعبة، بدليل أن ثمة اليوم بروكسات تمكنك من الدخول على أي موقع ممنوع، بوسائل تقنية بسيطة وعملية.

أنا أزعم أن هناك سياقات نفسية وثقافية عميقة تجعل الممنوع مرغوبا فيه. وهو حال يوتوب، إذ كلما عمدت السلطات إلى منعه، كلما تكونت كرة ثلج لدى المرتادين للبحث عن المستجدات التي يتضمنها.

ما سيزيد الأمر تعقيدا لدى السلطات هو عندما يصبح ذات الموقع ملجأ كل محتج، أو متذمر أو من لديه القدرة على الفضح. حينها لن تنفع الجداول التقنية في منع الموقع، اللهم إلا إذا تقرر متابعة كل من يرتاده...وهو أمر مستحيل الإدراك.

  السؤال الثاني: ما هي نوعية المواضيع التي يفضل المغاربة نشرها في هذا الموقع؟

يحيى اليحياوي: مرة أخرى أقول بأنه ليس لدي معطيات حول طبيعة المواضيع المرتادة بيوتوب. والسبب فيما أتصور هو أن الموقع يمرر لكل ما يصله، ولا يعمد إلى ترتيبها وفق منهجية محددة. هو يمرر لكل ما يصله، وغير مكترث بتصنيفها أو ترتيبها، أو إخضاعها لمعايير موضوعة مسبقا. هو فضاء مشاع، تماما كالسويقة تجد به الشيء بجانب الشيء الآخر، لكن دونما أن يكون هناك تحديدا لمكان تواجد هذا البائع أو المقتني أو ذاك.

أتصور أن الذي أثار المغاربة بالأساس هو ما مرره قناص ترغيست عن رشوة بعض رجال الدرك بالمباشر الحي. ولربما كانت هذه "الأفلام" هي التي أشهرت يوتوب، وأعطته جماهيرية واسعة، سيما وقد ترتب عن ذلك مساءلة الدركيين المتلبسين، وتوقيف بعضهم، واستمرار تحدي القناص لهم.

وأتصور أيضا أنه بالمستقبل، ستتكثف الأفلام من هذا القبيل وبغيره، خصوصا من لدن الذين تتوفر لديهم معطيات محددة وموثقة. وهو لربما ما سيفتح في المجال واسعا أمام نوع من الاحتجاج على سلوكات مشينة، غير أخلاقية، أو يعاقب عليها القانون.

بالتالي، فكل ما له علاقة بالفساد المالي والأخلاقي أو مرتبط بتجاوزات السلطة، سيكون مثار اهتمام متزايد. أعني أن ثلاثية المال والفساد والسلطة ستكون المادة المفضلة للذين سينشرون بالموقع مستقبلا. وهذا شيء بالغ الأهمية بالنسبة للذين يتابعون تحول أشكال الاحتجاج السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالمغرب.

السؤال الثالث: سلطت أشرطة قناص تارجيست الضوء على الرشوة المتفشية في صفوف الدرك، هل ستفتح هاته المحاولة الباب أمام نوع آخر من صحافة التقصي التي ليس الصحفي بطلها هذه المرة؟

يحيى اليحياوي: الرشوة بجهاز الدرك والشرطة وبداخل الإدارات العمومية، متفشية بدرجات فظيعة، بل وباتت من طقوس معاش المواطن اليومية. أنا ابن منطقة الغرب، الدرك من بين ظهرانيها متربصون بسيارات النقل والشاحنات، ويستحصلون منهم على رشاوى أمام الملأ. قلت يوما لأحد الدركيين، وأنا بجانب صاحب حافلة، ألا تخشى أن أكون مفتش درك، فقال لي بالحرف الواحد: الأمر سيان عندي حتى وإن كنت حسني بنسليمان.

أنا أزعم أن أشرطة تارغيست أماطت اللثام بالمباشر الحي، عن الذين يدعون أن جهاز الدرك سليم من هذه الآفة، وبأنه من أنظف أجهزة الدولة الأمنية. في حين أن العكس هو السائد. فهو جهاز منخور بالفساد من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه.

أنا لا أستطيع أن أقول بأن ثمة نوعا جديدا من صحافة التقصي، بطلها أفراد بكاميرات صغيرة أو بهواتف نقالة، يصنعون الحدث. ودليلي في ذلك أن هؤلاء هم مجرد هواة، لا يدعون المهنية أو الاحترافية، أو يتسترون خلف خطاب من قبيل "أخلاقيات المهنة". ثم هم هواة غير معروفون، على عكس الصحفي الذي بتمريره لهذه الأشرطة قد يتعرض للمتابعة والسجن، ولربما الاغتيال من لدن اللوبيات والعصابات.

الصورة الحية بهذه الأشرطة أبلغ من كلمة بجريدة، أو نص بمجلة، أو تحليلا بمحاضرة، حيث يكون المرء بهذه الحالات حريصا، متحفظا، متحوطا من المتابعة. الصورة هنا أبلغ من كل ذلك، هي خبر وبالآن ذاته أداة إدانة. وهذا لربما سيساءل صحافة التقصي بمجملها، بعدما ثبت أنه تم تجاوزها.

بالمحصلة، أزعم أن ثمة تكاملية بين الشكلين. صحافة التقصي تستوجب توفير مناخ بالحد الأدنى، وهو مناخ مغيب بكل المقاييس مع الأسف بالمغرب، لا بل مجرم بتأويل النصوص القانونية، تحت مسوغة القذف أو المس بالأمن العام، أو استهداف شخص رئيس الدولة أو ما سوى ذلك.

السؤال الرابع: هل تحتاج أشرطة الفيديو التي تبث في الموقع إلى رقابة من نوع خاص؟

يحيى اليحياوي: يوتوب موقع افتراضي، يقوم عليه بالسيليكون فالي الشهيرة، فريق من ستين فردا، يمررون كل ما هو من اختصاص وطبيعة الموقع، أعني الصور الحية بكل أشكالها، وضمنها حتما أشرطة الفيديو المصورة.

هم يمررونها دونما خلفية محددة، ولا اعتبارا لهذا المعيار أو ذاك، اللهم إلا معيار صيغة المادة (مصورة وحية بالتحديد)، كائنة ما تكن درجات جودتها أو رداءتها.

بإمكان الدول أو الأفراد أن يحتجوا لدى إدارة الموقع، أو يطلبوا منها سحب هذا الشريط أو ذاك، سيما لو كان للمشتكي الدليل على أنها مركبة مثلا أو خاضعة للتحريف، أو ملتقطة خفية وخلسة من لدن الباباراديتز، للتشهير أو لابتزاز هذا الشخص أو ذاك (سيما لو كان مشهورا أو بمنصب حساس) أو ما سوى ذلك.

تسأليني عن الرقابة، أقول بأنه بإمكان مزودي الخدمة منع الموقع جملة وتفصيلا، كما حدث بالمغرب بداية ماي الماضي. هي عملية تقنية بسيطة، نجد لها مثيلا بالصين وتونس والسعودية وإيران وغيرها، لكن تداعياتها كبيرة، وسبل التحايل عليها متوفرة.

أنا من مناهضي الرقابة بكل أشكالها، بل أعتبرها شكلا من أشكال الديكتاتورية والاستفزاز، وغياب حرية الرأي. لكني بالمقابل مع احترام حميمية الناس وعدم التعرض لهم بسوء باستثناء من بيدهم الشأن العام، أو ثاوون خلف المال العام.

لكني بالمقابل، مع تقنين الأمور، سيما عندما تتحول إلى ظواهر اجتماعية، إذ لو تركت لحال سبيلها لتم تجاوز المحذور بالتأكيد. والتقنين الذي أتحدث فيه يجب أن يطاول واقع الحال قبل غيره، وإلا فما معنى التستر على الرشوة وهي موجودة ومتعارف على انتشارها الواسع بالمغرب؟ هي حالة واقعية المفروض معالجتها بأرض الواقع، قبل أن تبلغ مستويات تغدو بموجبها جزءا من المنظومة، وقد باتت كذلك بالمغرب مع الأسف والحسرة.

مرة أخرى أقول بأنه لا يجب أن تكون ثمة رقابة إلا بقانون. هل كان هناك قانون ارتكزت عليه اتصالات المغرب لمنع يوتوب؟ بالقطع لا اللهم إلا اجتهاد بعض اللوبيات داخل الشركة أو من حولها، أو ما سوى ذلك.

من جهة أخرى، فيوتوب بمقدورها أن تحذف شريطا قد تعتبره هذه الجهة أو تلك مهينا أو لاأخلاقيا، أو مشينا. هذا أمر هين، لكن السؤال فيمن يحدد طبيعة الشريط. فالمثلي مثلا شاذ بثقافتنا، في حين أنه غير ذلك لدى شباب يوتوب. والتعرض لرأس الدولة بالكاريكاتور عندهم مجاز ومباح، في حين أنه لدينا بالمغرب أداة لقضاء بقية العمر بغياهب السجون، أو بركن بمقابر المسلمين، أو بأحسن الظروف بالمنافي بعدما تكون قد سحبت منك حقوقك وهكذا.

السؤال الخامس: وجدت فئات عديدة من المغاربة منتفسا لها داخل يوتوب للتعبير عن مشاكلها، أين يمكن تصنيف هذا التوجه؟

يحيى اليحياوي: هناك حالة من الاحتقان الاجتماعي والسياسي مرتفعة للغاية بالمغرب، سيما وقد بات الفساد والإفساد والمحسوبية والزبونية والاستهتار بالرأي العام، أمر مشاعا ومباحا ومتاحا، ومشرعا له فضلا عن ذلك.

الأحزاب السياسية انتهت، والنقابات انطفأ بريقها بالمرة، والمثقفون استقطبوا واحدا واحدا، وما يسمى بالمجتمع المدني لم يعد يبحث إلا على موطأ قدم قرب السلطة أو من حولها. بالتالي، أصبح المواطن حافيا عاريا أمام سلطة المال، والقمع اللين المدثر بالديموقراطية، والتهاب أسعار أضحى المغربي بموجبها الحلقة الأضعف. هناك موت سريري لكل البنى المؤسساتية التي من المفروض أن تحمي المواطن، أو يجد هذا الأخير حماية ما باللجوء إليها. ولم يعد ثمة أدنى حس بالمواطنة والانتماء (دعك من نفاق جمعيات الوديان والسهول). وأنا مستعد للقول بأن المغربي بات يتشفى في بلاده نكاية في "ولاة أمرها".

هذه المرارة تجعل المرء يتعلق بأدنى قشة، لفضح ما فعله بنا "أولي الأمر من بيننا" وقد تهاوت أطر الاحتجاج التقليدية، فكانت يوتوب شكلا من أشكال الاحتجاج الصارخ والمعبر. وأزعم أنه لو كان ثمة من حد أدنى من التنظيم ومن هيكلية لهؤلاء، وذلك سيأتي مع الزمن، فإن يوتوب ستغدو أكبر جهة معارضة بالمغرب، لكن هذه المرة بالحجة الحية، وليس عبر الخطابة الفجة بأروقة برلمان المال الحرام. (انتهى).

جريدة المساء، 6 نونبر 2007

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال