أوراق ثقافية ... مفكرون عرب يقرأون ظاهرة النمو الثقافي المتسارع في الإمارات
شهدت الإمارات في السنوات القليلة الأخيرة ما يمكن أن يطلق عليه “فورة” ثقافية تتجلى مظاهرها في أداء عدد من المؤسسات الثقافية المحلية ومشاريعها التنموية في حقل الثقافة، إضافة الى مجموعة من التحققات الإيجابية في هذا الحقل وصلت الى مدى عالمي، وذلك في تسارع مشهود تمكن قراءته بسهولة. إضافة الى ذلك طرأ مفهوم آخر جديد على مصطلح الثقافة، ولم يأت هذا المفهوم من فراغ، فقد دخل مصطلح “الاستثمار” على خط الثقافة، ثم بدأ الثقافي يتداخل مع ما هو اقتصادي واجتماعي وحتى سياسي، وفي هذا الإطار كانت الإمارات تتعامل مع هذه التغيرات برؤى هادئة أفضت أخيراً الى مشهد محلي له سمعته المحترمة اليوم على مستوى عالمي. في ضوء ذلك، سألنا مجموعة من النخب الفكرية العربية عن هذه التحولات التي يشهدها حقل الثقافة في الإمارات سعياً الى قراءة هذا المشهد من الخارج عبر خبرات منخبة لها اعتباريتها المفكرة ولها رؤاها أيضاً واقتراحاتها النافعة.
يوسف أبولوز
في البداية سوف يمهّد هذا التحقيق الذي يسعى الى قراءة ظاهرة النمو الثقافي المتسارع في الإمارات عربياً برأي من “أهل الدار” كما يقولون. وهنا، سألنا د. ابتسام الكتبي، وهي أكاديمية إماراتية معروفة وتمتلك رؤية نقدية فاعلة في المشهد المحلي.. سألناها السؤال المحوري الوحيد للتحقيق، هو كيف تنظرون الى ظاهرة النمو الثقافي المتسارع والذي يشكل “فورة” شاملة لها الكثير من المظاهر الملموسة لأي مراقب ثقافي، وقالت د. الكتبي:
“هناك نمو في الاهتمام بالمؤسسات الثقافية، حيث يوجد كم كبير من تلك المؤسسات، إلا أننا في المقابل نجد تراجعاً ثقافياً قياساً بفترة الثمانينات التي كانت مصحوبة بزخم ثقافي هائل، بداية بأعداد المهتمين بالأنشطة الثقافية، والمترددين على المنتديات الثقافية والمتعاطين مع الشأن الثقافي، واليوم هذا المشهد غير مرئي ولا وجود له، ويعود ذلك في جزء منه إلى بروز الشأن الاقتصادي الذي أخذ الحيز الأكبر، حيث انشغل الأفراد بالتحولات المعيشية والتغيرات الاقتصادية أكثر من اهتمامهم بالتغيير الثقافي والاهتمام بالإنتاج والشأن الثقافي، كذلك تراجع محتوى المنتج الثقافي، إضافة إلى تراجع دور المؤسسات الثقافية، رغم وجود العديد من الأنشطة الثقافية لدى المؤسسة الثقافية إلا أن هناك تراجعاً في تحفيز الوعي الثقافي، ولا أقيّم الوضع الثقافي الإماراتي بوجود متحف أو بناء أو ما إلى ذلك، وإنما ما يعنيني الوعي الثقافي الإماراتي.
وحول “دور” أو غياب دور الجامعة والأكاديميين في العمل الثقافي في الإمارات قالت د. الكتبي: “انظر دائماً إلى الصورة الكلية ولا اجتزئ مشاهد منها، فلا يمكن أن يحدث تفعيل في جزء دون أن يكون المجمل متحرك، فدور الجامعة والأكاديمي فيها في فترة الثمانينات يختلف عن الدور الحالي. دورهم سابقاً كان مرتبطاً بحركة المجتمع ككل والمشهد الثقافي متصل بالمشهد السياسي والاقتصادي”.
والواقع الحالي عكس ذلك، فالمشهد بمجمله خامل ومن ثم ينسحب ذلك على جزء الصورة المتعلق بالجامعة، كذلك نجد مخرجات التعليم العام في السابق تختلف عنها في الوقت الحالي. فالمخرجات الحالية تنتج نظاماً تعليمياً لا يحفز القدرة على التفكير والوعي والفكر الناقد الذي ينظر في ما حوله نظرة فاحصة ناقدة.
والوضع العام يتسبب في إحباط كثير من الكوادر الأكاديمية، خاصة في تلك الفترة التي تتسم بكثير من التحولات، فأصبح هناك عائق لغة حيث تحولت معظم المناهج إلى اللغة الإنجليزية، وأصبح هناك عائق بين الطالب والأستاذ”.
وهنا، سألنا الدكتورة الكتبي عن رؤيتها والحلول التي تضعها حيال هذا الوضع القائم فيما لو كانت في موقع المسؤولية فقالت: “أولاً، سأبحث عن مكامن الخلل ومن أين يأتي، فلكي نضع استراتيجية لمواجهة شيء ما لا نستطيع البدء في ظل وجود خلل كامن، علينا أولاً أن نبدأ بمعالجته، والبحث عن مكان الإشكالية، فهل الإشكالية تكمن في التعليم، أم في حرية التعبير عن الرأي، فلا يمكن أن تصاغ السياسات بعيداً عن تلمس آراء الفاعلين في الساحة الثقافية.
ومن هنا نستطيع معرفة ما هي الإشكاليات وما هو السبيل للخروج من المأزق، كما سنتعرف عن قرب على إشكاليات المؤسسات الثقافية وهل هي تعاني من ضعف الدعم المادي، أم عدم وجود عناصر بشرية، ولماذا يحجم الناس عن ارتياد النشاط الثقافي هل لإحساسهم أن النشاط نخبوي ولا يصل إليهم، ولماذا لا ننتج أدباء ومثقفين وشعراء مهتمين بالشأن الثقافي كما كان الأمر في السابق وليس أشباه شعراء أو أدباء كما هو الوضع الحالي. وهذا الأمر ليس حال الإمارات فقط إنما ينعكس على مجمل الوطن العربي، فالمشهد الثقافي متداع في مجمل الوطن العربي.
الأمر لا يقتصر على اتخاذ قرار يحل كل شيء، بل الأمر يتطلب سياسة أو مجموعة من الإجراءات والسياسات الموصولة التي قد تأخذ وقتاً طويلاً لتصل إلى ما نأمل فيه”.
ثروة لم تذهب سدى
يحيى اليحياوي الباحث في علوم الاتصال من المغرب يرى أن الإمارات من بين دول الخليج الأكثر تنويراً إلى حد بعيد. وقال: الشيخ زايد رحمه الله كان من الحكام العرب المعتدلين والحكماء المتنورين، واستطاع في فترة الطفرة النفطية توظيف تلك الثروة النابضة لبناء مقومات لبقاء الدولة، ولبناء منظومة متكاملة تبدأ بالتربية والتعليم وتنتهي بالاقتصاد، واستطاعت قياساً إلى مظاهر النمو، فبالرغم من أنه ليس هناك نمو حقيقي، لأننا لا ننتج كساءنا واستطاعت الإمارات توظيف ثروتها بشكل عقلاني سليم، وبالتالي لم تذهب ثروتها سدى، وتثيرني تجربة دبي في ما يخص استغناءها التدريجي عن النفط كمصدر من مصادر الثروة، سواء في الاستثمار أو السياحة.
وفي الجانب الثقافي، فالذي يصلنا في المغرب هو ما يصدر عن دار الخليج، بينما في الثمانينات كانت الكويت بسلسلاتها المعرفية المتنوعة (عالم المعرفة، عالم الفكر، المسرح..) هي التي تحتكر سوق القراءة بالعربية في المغرب، ولكن في الفترة الأخيرة هناك تواجد نسبي للإمارات على المستوى الثقافي في ما يخص تواجد المنتوج. ولكن لديّ عتاب على الإماراتيين وهو لماذا لا يكون هناك نشاط ثقافي في المغرب أو في دول عربية، ونقل الهم الثقافي الذي يشغلنا من فضاءات عربية إلى أخرى؟”.
وقال اليحياوي: “الثقافة والمعلومة من مميزاتها أنها حين تقتسم أو توزع لا تنضب بل تتكاثر، وبالتالي المؤسسة الثقافية إذا وسعت مجالها الثقافي على مستوى الانتشار والنشر يكون هناك اتساع أكثر للمؤسسة، وعلى سبيل المثال أنا نشرت كتابات عديدة في مختلف أنحاء الوطن العربي ولم أنشر أي كتب في الإمارات”.
ولدى سؤال اليحياوي هل هناك حضور لشعراء إماراتيين أو مثقفين بشكل عام في المغرب؟ قال: لست على علاقة بالشعر الحديث ولكن علاقتي الأكثر حميمية مع الشعر الجاهلي، فعندما أحس بحاجة إلى قراءة الشعر أقرأ الشعر الجاهلي لأنني لا أتمتع بما ينتج، ولا أتصل أو اتقاطع مع ما ينتج، وفي ظني أن جزءاً كبيراً مما ينتج هو نثر ربما لا أفهمه حتى لدى شعراء المغرب، فربما ملكة الشعر تنقصني ولا أستطيع فهم تلك القصيدة الحديثة، والنتاج الثقافي الإماراتي ضعيف جداً في المغرب”.
فضاء ثقافي مُفعَّل
المفكر اللبناني كلوفيس مقصود أشار الى الفضاء الثقافي دائم التفعيل في دول الخليج العربية وفي الإمارات بشكل خاص.. وقال: في الشارقة مثلا نجد هناك انفتاحاً معرفياً وتوظيفاً للثروة للتنمية ونشر الثقافة، وبالتالي نجد هناك قدرة على تمكين المواطن العربي وليس في الإمارات فقط بل تتوسع لتشمل المواطن العربي عموماً، وذلك من خلال وسائل الإعلام والصحف التي أصبحت منابر للتكيف مع المتغيرات دون التخلي عن الثوابت، وهذا التجسير بين قدرة الانفتاح على الغير واعتبار المتغير ترسيخاً للثوابت، وهذا دور الثقافة العربية الذي ينطوي على جذور نهضوية، وتعتبر الإمارات أحد المراكز الثقافية في الوطن العربي، والتي وضعت إمكاناتها في خدمة الثقافة القومية، وإخراجها من أي احتمال تقوقع، لكي تكون مفتاح الانفتاح على العالم من دون الخوف من الذوبان”.
الثقافة والتحولات الاقتصادية
وقال الباحث والمفكر اللبناني د. كمال حمدان: ينسجم التوجه الذي نشهده في الإمارات مع متطلبات الدخول بشروط أكثر تكافؤاً في السمات الجديدة للاقتصاد والاجتماع على الصعيد العالمي، فلم تعد الدول تقاس بمدى امتلاكها لموارد طبيعية، ولم يعد النمو مرتبطاً فقط بامتلاك الموارد الطبيعية، بل أصبح النمو والنهوض والتنمية مرتبطاً باقتصاد المعرفة وتراكم ميزات الموارد البشرية وغلبة المناخ الاقتصادي المنفتح على المستقبل، وقد وعت النخب في الإمارات هذه التحولات ذات الطابع العالمي وتحاول أن تجد لها موطئ قدم في إطار هذا التحول.
ويرى د. حمدان أن هذه المسألة جيدة ولكنها غير كافية، “جيدة لأنها تسير في اتجاه تحديث وتطوير واستفادة من الدروس والعبر التي تنطوي عليها عملية العولمة خصوصاً في جوانبها الإيجابية، ولكنها غير كافية لأن الثقافة يتوجب أن تنطلق من مجتمع متدامج منوع اقتصادياً ويلعب فيه القطاع الخاص والمؤسسات الخاصة المستوعبة للعمالة التي تشكل مخرجات النظام التربوي، فعندما تكون الثقافة مرآة للتحولات سواء في تنويع الاقتصاد أو استيعاب مخرجات التعليم والموارد البشرية العالية المساهمة في البنى المحلية، عندها تكون آفاق الثقافة أكثر اتساعاً من كونها مجالاً يضاف إلى المجالات الأخرى القائمة”.
ويضيف د. حمدان: “لا أجزم أن ما يجرب في الإمارات ينطبق عليه هذا الوضع، ولكني أحذر من أن يكون الانفتاح الثقافي والتحول الثقافي ذا أبعاد بعيدة المدى، ينبغي أن يقترن أيضاً بتحولات في البنية الاقتصادية الاجتماعية سواء في تنويع الاقتصاد أو السيطرة التدريجية على الحلقة المفقودة في عالمنا العربي، وهي حلقة التصنيع فالصناعة هي التي توسع شرايين الاقتصاد. ونحن كعالم عربي لا نزال غير ممتلكين لتلك الحلقة، وامتلاكنا لها عن طريق تنويع اقتصادنا يعطي للبعد الثقافي ركائز بعيدة المدى، وفي اعتقادي أن من يراقب المشروعات الاستثمارية في الإمارات يجد أنها تقوم بجهود كبيرة على طريق هذا التنويع أو على طريق الامتلاك التدريجي لحلقة الصناعة، فالثقافة والصناعة على امتداد القرون الماضية كانتا متصلتين اتصالاً وثيقاً.
وأؤكد مجدداً أن الإمارات بتنوع إماراتها (دبي، أبوظبي، الشارقة...) تؤكد لهذا المنحى الثقافي أن يأخذ أبعاده الحقيقية”.
حماية الثقافة بالمشاريع السياسية
ويؤكد المفكر السوري د. الطيب تيزيني أن ظاهرة التحول الثقافي في الإمارات أصبحت واقعاً محققاً، ويبقى أن نفهم لماذا وما بواعثها واحتمالاتها وما آفاقها، وقال: “في ظني أن الإمارات بالفعل تحقق شيئاً ما مما أدعو إليه تحت اسم مشروع نهضوي تنويري عربي، وهو ليس مشروعاً ثقافياً فحسب، بل مشروع كامل يمس كافة القطاعات المجتمعية، ولكن أن يأتي قطر عربي ويسهم في فتح دائرة من دوائر كثيرة مغلقة فهذا يرحب به ترحيباً شديداً مع ضرورة التأكيد على استمرار فتح هذه الدائرة بعمق أكبر، وعلى اكتشاف موقع هذه الدائرة من الدوائر الأخرى التي تكون مجتمع المشروع المعني، فالثقافة وحدها لا تكفي وإن كانت حاسمة في حالات كثيرة، وإنما تستدعي مشروعاً سياسياً يحميها، وهذا ليس في الإمارات وحدها ولكن في معظم دول الخليج العربية، ومن أجل حماية هذه الظاهرة يجب أن يتأسس حامياً اجتماعيا سياسياً يحميها، وهذا يذكرني بواقعة دفع العرب ثمنها غالياً حين طرح مشروع الوحدة بين مصر وسوريا وكان الشرط الأول إنهاء المجتمع السياسي فسقطت تحت وطأة عوامل كثيرة من الداخل والخارج، وهذا ما أود التأكيد عليه في الإمارات هذا البلد النامي بصيغ جميلة، ومن أجل حماية ما يحدث من الضروري أن يكون الأمر متوازناً مع مشاريع متعددة تكون جميعها المشروع المذكور”.
وقال د. تيزيني: “حبذا لو تطرح في الإمارات مراكز ومؤسسات ثقافية جديدة الآن، ولكن ربما يكون غير وارد في الوقت الحالي، وأتمنى أن يضعه الأصدقاء الإماراتيون في جعبتهم في مشروعهم القادم، لأن الثقافة تحتاج إلى من يحميها وهي نفسها تقدم المشروعية التاريخية والأخلاقية لهذه الحماية. وأعول كثيراً على من لم يتهيبوا من فتح الدائرة الثقافية وعلى الذين بإمكانهم تكريس هذه الدائرة الثقافية عبر دوائر أخرى لن تكون إلا حامية للجميع”.
وسطية إماراتية إيجابية
واعتبر الكاتب حسن ساتي من السودان انه على مر التاريخ صناعة الثقافة عبء تتكفل به دائماً الطبقة الوسطى، فهي المعنية بمنظومة القيم الفاضلة والإنسانية من فن وشعر وغناء ومسرح.
وقال: “طيبت السماء للإمارات رؤية اقتصادية ناجعة للتقليل ممن يرزحون في الفقر وتحاول إنشاء طبقة وسطى، وبالتالي لم أستغرب ما يحدث في الإمارات، رغم تأخرها في المجال الثقافي، لأن بنيتها الأساسية تتطلب الاهتمام بالتعليم والخدمات، كذلك الجغرافيا عامل ثابت في المنطقة فالجغرافيا ظلمت المنطقة ولكن عوض عنه بالحراك الثقافي من الشارقة إلى دبي وأبوظبي، وفي تقديري هناك مشكلات للدول ذات المساحة الجغرافية الصغيرة، وهناك مزايا أيضاً. ونجد الإمارات أنها وهبت مزايا صغر الجغرافيا والثراء، ومصطلح المال في الغرب يعني (لبن الأم) وبالتالي لا يذهب هباء لأنه يسكن الدم والجينات. ومن موقع القدرة المالية نجد القيادة الإماراتية واعية جداً بالعبء والمسؤولية الواقعة عليها، سواء في السلطة أو الثروة وتحاول توظيفها في مكانها الذي يبرزها بتفرد في الخريطة العربية، فنجد الشارقة متفردة في المجال الثقافي، وتبرز دبي في الجانب الاقتصادي.
وحول الحراك الثقافي في الإمارات قال ساتي: “يعتبر الحراك الثقافي في الإمارات خطوة رائدة وذكية وليس منكفئاً، رغم أنه ليس حراكاً إماراتياً إماراتياً، لأكثر من كونه حراكاً إماراتياً عربياً. وبمعطيات التاريخ الحديث هناك بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، رؤية لعدم فصل الثقافة عن السياسة أو حتى الاقتصاد أو الرياضة.
وفي اعتقادي إعطاء البعد للتواصل مع الآخر خطوة رائدة، ونجد في دولة الإمارات وسطية تحاول أن تتعامل بدقة إيجابية مع الآخر، ليس بالوقع في حبه إلى درجة التغريب على حساب الخصوصيات، هناك معادلة تسير بها الدولة في طريقها الصحيح، وقد اختيرت الجامعة الأمريكية في الشارقة من أفضل 500 جامعة في العالم”.
وأضاف ساتي: “الثقافة يتجزأ منها مسارات كثيرة منها التعليم والمناهج التعليمية والجامعات والإبداع وفي كل هذه المسارات نجد أن الحراك الثقافي يصب في خاناته، ومن جهة المرود الثقافي فهو طويل المدى ويخضع للتراكم الكمي ثم التحول الكيفي”.
حركة السطح وحركة العمق.
الدكتور علي فخرو المفكر والتربوي المعروف من مملكة البحرين قال: “لننظر الى ما نراه في الرياضة، هناك جهود ضخمة لتكوين فرق رياضية وأفضل تدريب لبعض الرياضيين، في الوقت الذي لا يمارس فيه غالبية الناس الرياضة على الإطلاق، السؤال: هل من الأفضل أن يكون لدينا أفضل فريق في كرة القدم؟ أم يكون لدينا أكبر عدد من ممارسي الرياضة والمهتمين بصحتهم؟ أجد أن الأفضل والأهم أن يكون هناك عدد كبير من ممارسي الرياضة بفتح النوادي خير من وجود 4 أو 5 أندية بمجموعات صغيرة، وهذا الشيء نفسه ينسحب على الثقافة، فليس المهم أن يكون لدينا متحف مثلاً أو لا يكون، إنما المهم إلى أي مدى سيستفيد شعبك من هذا المتحف وسيغير نمط حياته من خلاله.
وقال د. فخرو: هناك نوع من التنافس المبالغ فيه بين مختلف عواصم الخليج إلى حد أن مبالغ كبيرة تصرف على فرق تأتي وتذهب ونشاطات مؤقتة، ولكن ما مدى تأثير ذلك على البنية المجتمعية! هذا هو السؤال الأساسي، فإذا كان لها تأثير فأنا موافق، أما إذا كانت مجرد تنافسات وسياحة ففي رأيي أن هذا لا يفيد، وفي اعتقادي أن جزءاً كبيراً مما يحدث للتنافس فقط. فكيف في دولة يكون عدد سكانها صغير تنظم مهرجانات سياحية كبيرة جداً وبالكاد يحضر فيها عدد من المواطنين المحليين في الوقت الذي لا يوجد فيه مدرسة أو كلية للمسرح أو عدد من المواطنين ولا أريد أن أحصر كلمة مواطن على المواطن المحلي ولكن على المواطنين العرب أيضاً.. أقول الأنشطة الخارجية إذا كان فيها إغناء حقيقي وليست مجرد ظاهرة مؤقتة فمرحبا بها، ففي كافة دول الخليج أنشطة ثقافية كبيرة، والسؤال هل هذه الأنشطة تؤثر وتغير وتكوّن الأفراد في المجتمع؟ الخوف من أن تكون مجرد حركة على السطح وليس في العمق”.
البنية الأساسية التحتية
ولفت الكاتب الكويتي د. سليمان العسكري الى النهضة السريعة في البنية الأساسية التحتية على كل المستويات في الإمارات.
وقال: “نجد أنه لم يؤجل موضوع وضع البنية الثقافية في المجتمع الإماراتي مع الحركة العمرانية الضخمة التي نشاهدها، وما يحدث خطوة مهمة تدل على وعي كبير في الربط بين التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وبفضل هذا الربط وصلت شعوب كثيرة في العالم إلى المقدمة، لأنه لا يمكن تطوير بنية أو نهضة اجتماعية من دون الاستناد على نهضة ثقافية وتنمية”.
وأضاف د. العسكري: نجد القائمين على بناء الدولة الجديدة في الإمارات لديهم وعي كبير وواسع بأهمية إعطاء الأولوية للتنمية الثقافية متوازياً مع التنمية العمرانية والاقتصادية بشكل كبير، مما سينعكس في المستقبل القريب على الدور المهم الذي يجب أن تلعبه الثقافة في صهر المجتمع بكافة طوائفه ومصادر تركيبته الاجتماعية والثقافية بأهمية دور الثقافية في بناء لحمة متماسكة في المجتمع الإماراتي وحمايتها من أي اختراق في المستقبل، وتستطيع الإمارات أن تقود في الوقت الحاضر نهضة ثقافية شاملة على الأقل على صعيد مجلس التعاون والمجتمع الثقافي وستحقق حماية للثقافة وستبني أسساً للحفاظ على وحدة المجتمع وتطوره الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطي من خلال بناء ثقافة واسعة تنمي لدى المواطن الحرية والتفكير العقلاني ومعرفة حقوق الآخر، وما نشاهده هو حملة ضخمة لبناء مؤسسات ثقافية، وتقود الشارقة تلك الحركة الثقافية، وكما نشاهد جائزة المرحوم الشيخ زايد بن سلطان التي تدعم الثقافة العربية في كافة تخصصاتها، كذلك مجلس دبي الثقافي الذي يهتم بفروع الثقافة بشكل واسع، وما يقوم به سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بالإشراف اليومي على تنمية الثقافة وبناء المؤسسات الثقافية وبناء أجيال جديدة تحمل مشعل الثقافة العربية في التراث القديم والمعاصر والتطلع إلى ثقافة حديثة من أجل تطور المجتمع”.
جريدة الخليج، الملحق الثقافي، 23 يوليوز 2007