تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"مغاربة المهجر: ظلم ذوي القربى"

في "إحالة ذاتية" من لدنه مباشرة، أفرد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، آخر تقاريره لما بات يسمى منذ مدة بأدبيات الصحافة، ب"مغاربة العالم"، أي تلك الشريحة الواسعة من المغاربة التي اختارت، قسرا أو طواعية، العمل والعيش بالمهجر، لكنها لم تقطع صلتها مع وطنها/الأصل.

ولذلك، فاختيار التقرير لعنوان "تمتين الرابط الجيني مع مغاربة العالم"، هو من باب مطالبته بضرورة الحفاظ على هذا الرابط وصيانته ورعايته وخلق الظروف لديمومته.

لا يتعلق الأمر هنا، بدراسة أكاديمية شاملة، موثقة ومبنية، ولا بتقرير ميداني استكشافي، يرصد طبيعة وحصيلة السياسات العمومية في هذا المجال. هو "وقفة عابرة" عند بعض مكامن الخلل الصارخة التي لا تزال تطال المقاربة وزاوية النظر لهذه الشريحة من المغاربة المغتربين.

يقدر مغاربة المهجر بحوالي 6 مليون شخصا، موزعين على معظم بلدان العالم. يبلغ ما يضخه هؤلاء من تحويلات مالية سنوية حوالي 100 مليار درهما للعام 2022، في زيادة مضطردة سنة عن سنة، ناهيك عن الحركية الاقتصادية والسياحية، التي يثوون خلفها في العطل الصيفية التي غالبا ما يؤثرون قضاءها ببلدهم/الأصل، عوضا عن بلدان أخرى أكثر استقطابا وإغراء.

الارتباط بالأرض والشعور بالانتماء هما عنصران أساس في المعادلة. كما أن العزيمة على الإسهام في تنمية البلد قائمة وثابتة، وإلا لما اختار هؤلاء استثمار جزء من مدخراتهم بأنشطة اقتصادية رائدة، وبمشاريع معتبرة، ولما اختار البعض الآخر العودة نهائيا للإقامة بين أهله وذويه.

وعلى الرغم من عدم التجاوب مع الشكاوى المتزايدة من لدنهم، بخصوص ضرورة الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة لهم، خلال زياراتهم الموسمية المعتادة، أو عندما يباشرون في إجراءات الاستثمار، فإنهم مع ذلك لم ييأسوا ولم يتوانوا في الدفاع عن حقوقهم وإن في الحد الأدنى.

إنهم يشكون غياب محاور واحد، على الرغم من تعدد المستويات المؤسساتية التي تتدخل في "الملف"، ابتداء بالمستويات التنفيذية المباشرة (وزارات وقنصليات وسفارات) ووصولا إلى المستويات ذات الصفة الاستشارية الخالصة، من مؤسسة الحسن الثاني ومجلس الجالية وغيرهما. ويشكون أيضا ضعف التشريعات والقوانين التي تحفظ حقوقهم، وتضمن لهم الوضعية الاعتبارية التي يتمتعون بها، والتي من المفروض أن تمنحهم، على الأقل بمقياس ما يقومون به من تحويلات سنوية ضخمة، وما يقدمون من خبرات.

بيد أن مغاربة المهجر هؤلاء، لم يفتأوا يشتكون ضعف أو انعدام التمثيلية والمشاركة السياسية التي تجعلهم ولكأنهم مواطنون من درجة ثانية، أو لكأنهم مغاربة غير مكتملي المواطنة. إذ على الرغم من أن الدستور ينص على حقوق المواطنة الكاملة لمغاربة المهجر، ويضمن لهم ممارسة حقوقهم الانتخابية في إطار اللوائح والدوائر الانتخابية المحلية والجهوية والوطنية، فإن ذات الدستور "لا ينص صراحة على إحداث دوائر انتخابية خارج حدود الوطن".

يبدو، من منظور المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أنه لا تزال "ثمة صعوبات تنظيمية ولوجيستية إلى جانب موانع قانونية، لا تيسر إمكانية إحداث دوائر انتخابية لمغاربة العالم".

من جهة أخرى، "لا تسمح حالات التنافي التي تنص عليها المنظومة الانتخابية للنخب السياسية النشيطة خارج المغرب، والتي تتولى مسؤوليات حكومية أو انتدابية أو عمومية في بلدان الإقامة، بالترشح للانتخابات في المغرب"، احتكاما إلى القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلسي النواب والمستشارين بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية.

صحيح أن المغرب يوجد ضمن ال 111 دولة في العالم التي تضمن لمواطنيها بالمهجر، حق التصويت في الدوائر الانتخابية المحلية والجهوية والوطنية داخل البلاد، إلا أنه ليس ضمن ال 9 دول التي وضعت منظومة انتخابية وآلية تضمن بكيفية منتظمة، لمواطنيها المقيمين بالخارج تمثيلا برلمانيا بهذه الصفة.

وعلى الرغم من أن إحداث دوائر انتخابية تمكن مغاربة المهجر من ممارسة حقهم في الانتخاب، تبدو متعذرة في المدى القصير (وقد تستوجب تعديلا دستوريا جزئيا)، فإن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يوصي ب"وضع الترتيبات التنظيمية والتقنية، لا سيما الرقمية منها، الكفيلة بتيسير التسجيل في اللوائح الانتخابية الوطنية والتصويت في الانتخابات التشريعية...".

يبدو الأمر في نظره، تقنيا وتنظيميا، فيما هو لربما أبعد من ذلك بكثير.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

26 دجنبر 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال