تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"مصر ومشكلة مياه النيل: أزمة سد النهضة" لزكي البحيري

زكي البحيري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2016، 746 ص.

يتكون هذا الكتاب من ثلاث عشرة قسما، لكننا لن نتناولها جميعا هنا ولن نحيل عليها في مجملها. سنقف عند العناصر الكبرى التي تدور حولها إشكالية هذا البحث من الناحية التاريخية والسياسية والاستراتيجية، والتي تبين أن نهر النيل هو مصدر الحياة في مصر، لا بل وسر وجودها حسب المؤلف.

"مصر هبة النيل" يقول الكاتب. إنه النهر الذي تأتي مياهه لمصر بعد رحلة طويلة، "تبدأ من العروض الاستوائية بشرق ووسط إفريقيا، مرورا بالسودان...ثم يتجه في أواخر رحلته نحو الوادي والدلتا في مصر، ويصب في البحر المتوسط".

إنه "النهر/الأسطورة" الذي بنى المصريون حوله حضارتهم ونظمهم الزراعية. لذلك، "قدسوه واحتفلوا بفيضاناته وقدموا له القرابين تقديرا لعطائه وسخائه".

وحوض النيل "وحدة هيدرولوجية واحدة، تبلغ مساحته قرابة ثلاثة ملايين كيلومتر مربع، ويضم إحدى عشرة دولة، والمعطيات المائية له كبيرة رغم أن كمية المياه التي تصل إلى نهايته لا تتعدى 84 مليار متر مكعب، وهي تمثل 5 بالمائة فقط من كمية الأمطار التي تسقط عليه".

وقد عقدت اتفاقات عدة لتنظيم جريان مياه النيل، لكنها غالبا ما كانت تصطدم بعقبات جمة، لا سيما فيما يخص مصر والسودان اللذان ما فتئا يطالبان بالاعتراف بحقوقهما التاريخية في مياه النيل، خاصة وأن 96 بالمائة من موارد المياه في مصر تأتيها من ذلك النهر.

ولعل إقدام أثيوبيا على بناء سد النهضة قد عمل على توتير العلاقات بينها وبين بلدان المصب، أي السودان ومصر. ما يزيد من تعقيد الأمور أكثر محاولات التغلغل الإسرائيلي، الذي يسعى للحصول على المياه من كافة المصادر المتاحة في المنطقة العربية وخارجها منذ زمن بعيد، لا بل إن المياه "أهم محركات إسرائيل في العديد من الحروب التي خاضتها ضد العرب".

إن مياه النيل من مقومات الأمن القومي في مصر منذ القدم وإلى الوقت الحالي، مرورا بإقامة السد العالي من لدن ثورة يوليوز 1952. بيد أن لأثيوبيا، بلد المنبع، رأي مفاده أنها تملك "كامل الحق في استخدام مواردها الطبيعية". وهذا ما يخالف القانون الدولي، بنظر الكاتب، إذ مبدأ السيادة الإقليمية المطلقة لا يستقيم في هذه الحالة. والواقع، يقول الكاتب، إن "الدولة التي يمر عبر أراضيها نهر دولي، لها السيادة والحق في الاستفادة من استعمالات الشبكة الدولية الواقعة تحت ولايتها الإقليمية، مع الاعتراف بنفس القاعدة لسائر الدول الأخرى المشتركة معها في النهر". كما لا يجوز لتلك الدول أن تحول مجرى النهر المار بها، أو توقفه عن باقي الدول حيث جريان النهر، ولا يجوز لها أن تزيد من جريان المياه أو تقلل منه بوسائل صناعية.

بيد أن أثيوبيا تتنكر لكل المواثيق الدولية المبرمة منذ بداية القرن العشرين، والتي يتم توارثها أيا تكن السلطة التي قامت بعقدها. أما المطامع الصهيونية، فهي بنظر الكاتب ثابتة. بهذه النقطة، يعتقد أن معظم حروب العرب مع إسرائيل كانت بسبب الماء. ويستشهد ببن غوريون الذي قال يوما بأن "اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجة هذه المعركة، يتحدد مصير إسرائيل".

المياه أساسية لإسرائيل لأنها هي قلب مشروعها الاستيطاني، وهي العامل الذي قد تستجلب من خلاله يهود العالم. لذلك، فهي لا تتوانى في السيطرة على مصادر المياه المتاحة في المنطقة العربية. ولعل محاولاتها تحويل مياه نهر الأردن يدخل في هذا المضمار، واقتراح تسليع المياه وتسعيرها كي يكون بمقدورها شراءه. لذلك، اقترحت إسرائيل على مصر بيعها كميات من مياه النيل بنفس ثمن القطن المنتج عن طريق استخدام هذه المياه...بما يمكن المزارع الإسرائيلي من إنتاج أضعاف ما ينتجه الفلاح المصري بنفس الكمية من الماء.

وبما أن القوانين الدولية تمنع تحويل مجرى الأنهار، فإن السادات كان قد وعد إسرائيل بمياه النيل تصل إلى القدس مارة عبر النقب. لكن اقتراح السادات لم يكن له وقع فيما بعد. المخابرات الأمريكية هي التي نصحت السادات، حسب المؤلف، وأثنته عن تحويل مياه النيل بعدما كان على وشك تحقيق حلم هرتزل وبيغين، بل وتحقيق خطوة كبيرة في طريق خطة إسرائيل "من النيل إلى الفرات".

أما التواجد الإسرائيلي بأثيوبيا، فهو قديم. إلا أن إسرائيل كثفت من تواجدها من خلال دفع أثيوبيا إلى التبرم عن اتفاقيات عدم تحويل مجاري الأنهار، وبأن لا تنمية للبلاد دون إقامة السدود على منابع النهر لديهم.

وتدفع إسرائيل بضرورة تدويل النزاع بين أثيوبيا ومصر والسودان، والدفع بأطروحة احتكار مصر لمياه النيل، و"حقوق دول المنابع المهدرة بسبب المواقف المصرية".

وقد عملت إسرائيل على تطوير مشاريعها الاستثمارية في دول المنبع، لتشجيع الزراعة والثروة الحيوانية وتنقية المياه...وهو ما يستوجب بناء السدود، وهو ما قامت به إسرائيل في كينيا وتنزانيا ورواندا، وهو ما يتقاطع مع تطلعات شعوب هذه البلدان للتنمية في المجالين الزراعي والصناعي وفي مجالات البنية التحتية...الخ.

وبما أن مصر رفضت دائما أية محاولة لتوصيل مياه النيل إلى إسرائيل، وأن المياه لن تتعدى مصر، فإن إسرائيل لا تفتأ تبذل الجهود "للهمس في أذن دول المنبع بأن مصر هي سبب تخلفها، لاستحواذها على مياه النيل وحرمان دول المنابع من ذلك". وذلك على الرغم من أن مصر هي دولة مصب وليست دولة منبع.

وعلى الرغم من تحفظات مصر طيلة  أشواط المفاوضات المتعددة، وضمنها اتفاقية "عنتيبي" التي رفضت مصر والسودان التوقيع عليها كونها لا تؤسس لمفهوم "الأمن المائي" للبلدان المعنية، فإن مصر، قبل وبعد بناء سد النهضة في أثيوبيا، ثابتة على موقفها باعتبار "أن قضية المياه هي قضية أمن قومي ومسألة حياة أو موت بالنسبة لمصر"، لكن مع استبعاد الحل العسكري.

ومع ذلك، فإن أثيوبيا، ببنائها لسدود أخرى، إنما تتطلع لأن تكون صاحبة اليد الطولى "في تقرير مدى تدفق المياه وتوقيتاتها...حيث ستكون أثيوبيا هي المتحكمة في إمدادات الكهرباء وأسعارها في المنطقة".

نافذة "قرأت لكم"

01 دجنبر 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال