تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"متاهات المقاصة"

بكل بلدان الدنيا، تتحمل الميزانية العامة، ميزانية الدولة على وجه التحديد، وزر ما يفرزه السوق من تجاوزات، أو تبعات لوضعيات اقتصادية واجتماعية قد لا يكون للناس قبلا بها جراء محدودية مداخيلهم، أو بسبب تراجع القدرة على الاقتناء من بين ظهرانيهم.

الميزانية العامة لا تتحمل هنا تكاليف سلع وخدمات لا مندوحة للناس على اقتنائها، لأنها من صلب معاشهم الطبيعي، بل تكتفي بتحمل جزء من ذات التكاليف بما يضمن توافرها بالسوق وبأسعار مقبولة ومقدور عليها.

مقاصد العملية اجتماعية صرفة، وقد تكون لدواعي ودوافع سياسية أيضا، لكن أدواتها وآلياتها اقتصادية خالصة، وقد تكون مالية أو جبائية، أو ذات بعد ضريبي بغاية توزيعية أو لهدف ذو طبيعة توازنية.

للدولة قطاعاتها الكبرى ومقاولاتها، لها في إنتاج فائض القيمة نصيب، ولها في توزيعه وتوفيره بالأسواق نصيب أيضا. لها، بناء على هذه القاعدة، أن تسوق الفائض إياه بتكلفته الحدية أو بذات التكلفة، مع هامش في الربح يمكنها من ضمان استمرارية المرفق، بيعا للسلع بالسوق أو توفيرا للخدمات والمصالح التي تمنحها إياها مقاصدها كدولة.

أما ما تقوم عليه المقاولات الخاصة، لا سيما لو كانت مؤتمنة على السلع والخدمات الأساسية، فإن الدولة غالبا ما تسير بجهة تحمل جزء من التكاليف، إن كان من شأن ارتفاع هذه الأخيرة أن تثقل كاهل المواطن بما لا يطيق.

الدولة تتحمل جزءا من تكاليف، لو فرضت على المواطن بصيغتها الحقيقية، فإنه لن يستطيع تحملها، فيتضرر ثم يشكو ويتظاهر، وقد يبلغ به الأمر مبلغ الانتفاضة والثورة. إذ لكم من نظام حكم انهار بجريرة سعر كسرة خبز لم يضمنها للناس أو عمد، مباشرة أو عن طريق وكلاء، إلى رفع سعرها بما لا يتناسب وطاقة الإنسان. فكان في سوء تقديره، مقتله.

وتتحمل أيضا جزءا من تكاليف القطاع الخاص إن كان لذلك تداعيات على قدرة المواطنين، أو تجاوز على قابليتهم للاقتناء.

بالحالتين معا، تقوم الدولة مقام رادع الصدمات ومخففها، ف"تشتري" السلم الاجتماعي، بإعمال نظام يضمن التوازن بين السعر والقدرة على تحمله، وتعمد إلى توزيع المداخيل عبر تحمل جزء مما قد يضيع منها جراء محدوديتها البنيوية أو بسبب التضخم.

هو واقع حال نلحظه بقوة في المجتمعات المتقدمة، حيث تقوم الدولة على قطاعات البنى التحتية والتعليم والصحة والنقل العمومي ومرفق الماء والكهرباء، دع عنك ما تفرضه عليها وظائفها التقليدية من أمن ومن قضاء.

صحيح أن الدولة تتحصل بالمقابل على رسوم وإتاوات واشتراكات، لكنها تبقى رمزية إن نحن قسناها بتكلفة السلعة أو بالسعر الحقيقي للخدمات.

لم يكن المغرب بمنأى عن هذا التوجه. إذ سن منذ البدايات الأولى للاستقلال، نظاما في المقاصة تتحمل ميزانية الدولة بموجبه، الفارق بين السعر لدى الإنتاج والسعر النهائي المعتمد بالأسواق.

فأفرد لذلك صندوقا خاصا للمقاصة، يتحمل جزءا من تكاليف الإنتاج ولدى التسويق أيضا. سار المغرب هنا على خطى الفلسفة التوزيعية العامة، التي على الخزينة العامة لعبها في بلد لا تستطيع الغالبية العظمى من ساكنته الإيفاء بحاجياتها الأساس، إن تم اعتماد تسعيرة تتجاوز المستطاع والمطاق.

تحمل الدولة للفارق لم يكن يعني طبقة دون أخرى، بقدر ما اهتم بدعم السلعة أو الخدمة أيا تكن طبيعة أو طبقة من يقتنيها.

ولربما كان هذا الجانب هو نقطة الضعف التي "انسل" منها المطالبون بحذفه، بدعوى كونه انزلق عن وظيفته، وبات للأغنياء من بين ظهرانيه نصيب أكبر بكثير مما للفقراء.

بيد أن رفع يد صندوق المقاصة عن المحروقات مثلا، لم يفرز إعادة جديدة لتوزيع التكلفة، بل قام بتحويلها من جهة إلى جهة، مع الدفع بالأسعار لدرجة لم تعد في المستطاع.

بالآن ذاته، ثمة نية لرفع الدعم إياه عن قنينات غاز الاستهلاك، بدعوى أنه يكلف الميزانية ويفسد على الدولة مشاريعها في الاستثمار، ثم في تعميم حماية اجتماعية لا سبيل لتمويل مفاصلها في ضعف الموارد والإمكانات.

ومع أن الدولة لا تعدم الوسائل لتمويل المشروع إياه، فإنها ربطته بحذف الدعم عن الغاز، ليتسنى لها تصريف قرار خشن بلبوس ناعم يبهر الناظرين.

ألم يكن الأولى مثلا أن نفرض ضريبة على الثروة لتمويل ذات المشروع، مع الإبقاء على مرصودات الصندوق في حدها الأدنى؟ ألم يكن من الأجدى إعمال جزء من ذات الضريبة لضخه في الصندوق، مع الإبقاء على دوره ووظيفته، بما يتناسب وقدرات المواطنين؟...بكل تأكيد.

يمكنكم مشاركة هذا المقال