تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"سوق الريع"

لا يعنيني هنا تحديد معنى ومضمون الريع من وجهة النظر القيمية الخالصة. هذا من مضمار فلسفة الأخلاق ومن مجال نظريات السلوك الاجتماعي. يعنيني أكثر أمر العلاقة التي تضع في الميزان مسألة الريع، لكن في إحالتها على مسألتي إنتاج وتوزيع فوائض القيمة بالسوق.

ننتقل تلقائيا، بالانطلاق من هذا التنبيه، من الريع كحالة محددة وكسلوك فردي، إلى الريع كمجال للفعل الشامل، فيتحول الاقتصاد في كليته أو في جزء كبير منه، إلى اقتصاد في الريع، على النقيض وعلى أنقاض اقتصاد الإنتاج.

واقتصاد الريع المقصود في هذا الباب، إنما ذاك الاقتصاد المتمحور حول خلق وحماية واستغلال مجموعة من الامتيازات والعطايا وفرص الأعمال، لكن بمنأى عن المنافسة التي يستوجبها السوق، وبمعزل عن النجاعة الاقتصادية التي تفترضها قواعد العرض والطلب القائمة من بين ظهرانيه.

القاعدة الأساس في الاقتصاد إياه، تكمن في تسييد اعتبارات الزبونية والمحاباة والقرب لتحصيل امتيازات حصرية، لا تخضع في منطقها وآليات اشتغالها لمنطق السوق: مداخيل متعددة غير مبررة، عقود وقروض ومأذونيات، وموارد وتصريحات، ورخص واستثناءات وإعفاءات وتخفيضات في أسعار الفائدة...الخ.

هي سلوكات لا تمت إلى منطق السوق والمنافسة بصلة، لا بل قد تضر بهما. بيد أن ما يميزها، على عكس الرشوة مثلا أو اختلاس المال العام، أنها ممارسة شرعية، غالبا ما تتم في ظل القوانين والتشريعات.

إنها تضمن لصاحبها تحصيل موارد ومداخيل "شرعية"، لكن عيبها وخطيئتها أنها ليست متأتية من عملية إنتاجية، تفرز فائض القيمة، ولا تتم في توزيعها انطلاقا من طلب حدده السوق وارتضاه فاعلوه.

ثم هي موارد تستأصل حصريا من وضعيات قرب، عامة أو خاصة، جلية أو مضمرة، تكون خلفها شبكات مترابطة، مبنية على علاقات الترضية والتزكية والمجاملة والمحاباة وما سواها.

وباعتبارها كذلك، فهي ليست ممارسة اجتماعية من فعل بعض الأقليات المحتكرة للسلطة السياسية والاقتصادية فحسب، بل قد تتجاوزها لتطال فضاءات أخرى، فتمتد لتشمل الأحزاب والنقابات والأندية والجمعيات وبعض العائلات المميزة وما سواها.

الكل ينتظم في أطر تتغيأ التأثير أو الضغط (لحد الابتزاز) بغرض الحصول على أكبر نصيب من الثروة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الرمزية، قياسا إلى الهياكل والأطر التي لا تستطيع ذلك أو لا سبيل لديها لبلوغه، بسبب ضعف تنظيمها أو جراء تواضع هيكلتها، أو لعدم توفرها على مورد قبلي يمكنها من الحصول على مورد أكبر في محصلة العملية.

ولذلك، نجد أن الريع يأخذ أشكالا مختلفة ومتباينة. قد نعاين بعضها لأنها تتمظهر بالفضاء العام، كرخص النقل العمومي أو استغلال المناجم والمقالع مثلا، لكننا لا نستطيع معرفة خبايا باقي الأشكال إلا بعد حين، أي بعدما تنجلي التفاصيل وتبرز الخلفيات. والسبب في ذلك أنها غالبا ما تكون مغلفة بسياسات عمومية ظاهرها "خدمة المصلحة العامة"، فيما الغاية منها خدمة مجموعة مصالح فئوية محددة.

والحجة في ذلك نستقيها من قرار المغربة الذي اعتمدته السلطات العمومية في المغرب، بغرض استرجاع نصيب الأجانب في بعض المقاولات الكبرى، لكنها صبت مجتمعة لفائدة مجموعة من المصالح الخاصة، التي لربما كانت خلف مشروع المغربة نفسه.

تسري الحجة أيضا على منح رخص الاستيراد والحماية التجارية لبعض السلع والخدمات دون غيرها، أو منح قروض بشروط ونسب فائدة تفضيلية لفائدة بعض القطاعات دون سواها...الخ. وهو ما يظهر جليا من الإعفاءات الضريبية، الشاملة أو الجزئية، لفائدة بعض الأنشطة الفلاحية والصناعية والسياحية، ظاهريا في إطار تشجيع الاستثمار، فيما الغرض الخفي هو توفيرها لمجموعات اقتصادية واستثمارية تتلقفها باعتبارها ريعا صافيا.

الدولة هنا، وبكل مرافقها، هي مصدر الريع، هي التي تقنن آلياته، تضع له المسالك وتضخ فيه من المال العام، مباشرة أو بطرق عينية.

بيد أن الريع قد يتأتى أيضا من عدم تدخل الدولة أو تقاعسها، أو غضها الطرف عن بعض السلوكيات بالسوق. والمثال الأوضح في ذلك، إنما "سماحها" لتشكل احتكارات ضخمة ببعض القطاعات، تتحول وضعياتهم الاحتكارية إلى حالات من شطط الوضعيات المهيمنة. يتحول موقع الاحتكار هنا بتحصيل حاصل، إلى موقع ريع، لأن لا منافسة من شأنها زعزعة المواقع.

ما يترتب عن الحياد السلبي للدولة بهذه الحالة، أنها تضيع على الميزانية العامة مصادر تمويل معتبرة، ما كان لها لتضيع لو تم للمنافسة بالسوق أن تقوم وتسود.

لقائل يقول: وما مصلحة الدولة في الدفع بهذه الحالة أو تشجيع تلك؟ ما وجه الحكمة في ذلك؟

والجواب، بحالة المغرب مثلا، أن نظام الريع هو جزء من نظام اقتصادي واجتماعي ومصدر أساس من مصادر الشرعية.

الريع هنا هو عقد ضمني، غير مكتوب، تمنح السلطة السياسية بموجبه امتيازات واستثناءات وعطايا وهدايا لأطراف خاصة محددة، لقاء خضوعها وانصياعها وتماهيها مع ما تريده السلطة إياها وترتضيه.

إنها عنوان من عناوين الدولة المفترسة، ودليل على حجر جهة ما على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي، بعيدا عن أية مراقبة من لدن هذه السلطة المضادة أو تلك. مقابل ذلك، فكلما تدمقرط النظام وعمت المحاسبة، وساد منطق تقديم الحساب للناس، فإن هذه الوضعيات ستنهار حتما، لأنها لن تستطيع الصمود والمجابهة.

ودمقرطة النظام المقصودة في هذا الباب، إنما تكمن في إعمال مبدأ الشفافية وتحريك آليات المنافسة، التي تدفع بمستويات الإبداع والابتكار والتدافع، ولا تحتكم إلى سلوكات هي إلى الشذوذ أقرب منها إلى الوضع السليم.

ثم إن الدمقرطة إياها هي المدخل المؤكد والقمين بتقديم الكفاءة والاستحقاق على ما سواها من اعتبارات، وضمنها حصرا احتكار السوق والهيمنة على الثروة من منطلق القرب من صاحب القرار، أو الدوران في فلكه.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

19 شتنبر 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال