تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"المعرفي، الإيديولوجي، الشبكي" لكمال عبد اللطيف

كمال عبد اللطيف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012، 160 ص.

ينطلق الكاتب في تناوله لهذه الثلاثية، من وقفة أولية في المفاهيم. الغرض من ذلك برأيه، هو محاولة منه لتأطير الخطاب الناظم لها، وهو الخطاب المتمحور حول مجتمع المعرفة.

يضمر تعبير مجتمع المعرفة، كلمة المعرفة. والكلمة تعني نقيض الجهل، ثم إلى العارف، أي المتخصص في دقائق المعلومات في مجال معرفي بعينه. المعرفة هنا هي انتقال من الجهل إلى العلم، يقول الكاتب.

بيد أن وصول تكنولوجيا الإعلام والاتصال، نهاية القرن العشرين، أدت إلى حالة من الانزياح عن الدلالة الأصلية..."الأمر الذي يجعلنا نقف اليوم، أمام موضوع مختلف عن الموضوعات التي جرت عادة إسنادها إليه في موروثنا الثقافي".

وهذا يجعلنا "نخلص إلى عدم وجود أية علاقة بين مفردة المعرفة في الموروث العربي الإسلامي، وبين الدلالات التي يحملها اليوم المفهوم المركب لمجتمع المعرفة، على الرغم من إشراك الإسمين في أحرف واحدة".

وهذا يعني أن للتحولات العلمية والتكنولوجية أثر عميق على دلالة المفردات، إذ إنها "تهبها القدرة على التجدد لمواجهة موضوعات جديدة وأسئلة جديدة".

بيد أن شيوع مصطلحات رديفة (المجتمع المعلوماتي، المجتمع الشبكي، الاقتصاد المعرفي...الخ) يجعل من عملية الضبط عملية معقدة.

الاقتصاديون مثلا يتحدثون عن "اقتصاد المعرفة"، ويدرجون المفهوم "في سياق رسمهم معالم الاقتصاد ما بعد الصناعي، أي الاقتصاد اللامادي الهادف إلى بناء رأسمال جديد، ونماذج جديدة من المقاولات، وصيغ العمل والتدبير".

أما المقاربة الفلسفية، فتؤطر مجتمع المعرفة "ضمن مواصفات عصر ما بعد الحداثة".

ومع ذلك، "فلا أحد يجادل في أهمية تكنولوجيا المعلومات في مجتمع المعرفة، مثلما ألا أحد يقلل من أهمية الشأن الذي نتيجته تقنيات الاتصال في عملية تبلور المفهوم".

ولذلك، فإن "المفهوم" هو في تقاطع عميق لثلاثة حدود مضافة إلى مفردة المعرفة: التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع، تكنولوجيا المعرفة واقتصاد المعرفة، ومجتمع المعرفة.

ومع ذلك، ينبه المؤلف إلى أنه "لا توجد علاقة بين المعرفة في مجتمع المعرفة، ونظرية المعرفة في المنظور الذي رسمت ملامحه النظريات الكبرى في تاريخ الفلسفة". ويؤكد "أننا نقف اليوم أمام دلالات جديدة تسندها ثورة المعلومات وتقنيات الاتصال والهندسة الوراثية، إلى جانب الرياضيات وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا والاقتصاد واللغة".

من جهة أخرى، يزعم الكاتب أن مجتمع المعرفة هو المفهوم الذي تتقاطع فيه ثلاثة أقطاب تصنع أنماطه وغاياته: القطب التكنولوجي والقطب الاقتصادي والقطب المجتمعي...وهي "تتقاطع بصورة تفاعلية".

ويعتبر أيضا أن المجتمع الشبكي هو قاعدة مجتمع المعرفة، وهو الذي يستمد قوته من البعد التكنولوجي، "حيث المكان عبارة عن تدفقات والزمان أضحى لازماناط.

ومع ذلك، فالكاتب يفضل هنا استبدال كلمة الترادف بين التكنولوجيات بكلمة التفاعل، "بحكم أنه يعين بصورة أفضل روح العلاقة القائمة بين المفردات التي تنتظم في إطارها الخطابات في موضوع مجتمع المعرفة".

ويلاحظ، من جهة أخرى، أن الخطابات الناظمة لمفردة مجتمع المعرفة إنما تنهل مرجعياتها من منزع الرؤية الوضعية المبنية على المؤشرات الكمية والنجاعة، ثم على التصور النيوليبيرالي كما بات يتمظهر في صيغه الجديدة. وهو ما يضفي على هذه الخطابات "بعدا إيديولوجيا ضمنيا ومضمرا، ويجعلها في تناقض مباشر مع الواقع".

بيد أنه يحذر من آليات التنميط التي قد يفسح هذا المفهوم المجال لها، وهي آليات "تتجه في العمق لتركيب نموذج معرفي واحد، محكوم بطفرة تكنولوجية عالية ومتواصلة، في عالم تفترض أنه بالضرورة متعدد"...وهو ما من شأنه التحكم في العالم برمته، وفي خزائنه المادية وأنظمته الرمزية.

نافذة "قرأت لكم"

08 شتنبر 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال