تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"سوق الإثراء غير المشروع"

الإثراء غير المشروع مكون أصيل من مكونات الفساد، دع عنك كونه شكلا من أشكاله أو فرعا من فروعه. هو ظاهرة اجتماعية (سوسيولوجية يقول البعض)، تماما كالفساد، لكنه يتعداه في كونه لا يسائل بالدرجة الأولى إلا الجانب القانوني، كما لو أن إعمال القانون كاف لوحده لاستئصاله أو للحد من تمدداته وتداعياته.

يتحدد الإثراء غير المشروع في كونه ذاك "الانتفاخ" الصريح والصارخ، في أملاك موظف عمومي ما، بما لا يتناسب مع مدخوله العادي، والذي لا يستطيع لا تبريره ولا التدليل على مصادره.

الشك هنا يطال السر في ذات الانتفاخ، ويطال أيضا مصدر هذا الأخير، ثم الطرق التي تم بها التحصيل في الزمن والمكان.

قد يتعلق الأمر بالسرقة المباشرة، تحايلا على المال العام أو نهبا له من خلف ستار. وقد يتعلق بعمليات النصب والاحتيال، أو بآليات الارتشاء أو بسبل خيانة الأمانة والعهد.

المقاربة المعتمدة في تحديد الحالات جميعها، هي مقاربة قانونية صرفة. ولما كانت كذلك، فإن الفعل في حد ذاته هو موضوع الشبهة، وليس الاغتناء كنتيجة "طبيعية" لذات الفعل.

نعاقب والحالة هذه، السرقة باعتبارها مصادرة "غير قانونية" لشيء ما في ملك الآخرين، ثم نعاقب فعل النصب، عندما يعمد شخص ما إلى تضليل شخص آخر، بنية النصب عليه وتحصيل منفعة من ذلك، ونعاقب من لا يلتزم بالعقود والعهود، عندما نتثبت من أن الفعل الكامن وراء ذلك هو من خيانة الأمانة، وهكذا.

ولذلك، فليست الزيادة الكبيرة وغير المبررة للذمة المالية للشخص الملزم بالتصريح الإلزامي للممتلكات، ليست هي المعنية هنا. المعني الأساس هو الفعل والوسيلة. ومعنى هذا أن عدم تمكن الموظف العمومي من تبرير ما بذمته هو المعني، وليس ما تحصل عليه.

لذلك، فتحديد القصد هنا هو أمر جوهري وأساس، إذ من شانه تحديد طبيعة الشبهة وكيفية التصدي لها، إما زجرا استباقيا أو متابعة مباشرة فعقاب. ومعنى ذلك، أنه يجب تحديد الشبهة بدقة، قبل الإقدام على سن العقوبة المقابلة لها والمناسبة لحجمها. ومعناه تدقيقا، أنه مادامت الشبهة غير محددة في طبيعته وطبعها، ولا منصوص عليها في "الدفاتر"، فلا عقاب ولا عقوبة.

القاعدة الناظمة للعملية برمتها هي ألا سبيل لمتابعة شخص ما، فما بالك معاقبته، على فعل غير مصنف قانونا، على الأقل من باب ألا عقوبة إلا بنص صريح وواضح، وإلا فسيعمد تلقائيا إلى متابعة من "انتفخت" ثروته "بالحلال" مثلا، لكن الشبهات أو تصفية الحسابات قد تطارده بجريرة ذلك، فتجر عليه المساءلة "بنصوص تقريبية" هي إلى الشطط أقرب منها إلى إعمال العدالة والقانون. سنكون هنا بحالة المساءل بشبهة الإثراء غير المشروع (في غياب نص صريح) كمن يقبل بمتابعة شخص ما، بتهمة المس بالأمن العام أو الإخلال بالنظام العام، فيما قد يكون ما أقدم عليه لا يمت لذات التهمة بصلة. نتابع الأول كما الثاني، لا بإعمال بنود القانون الخاص المحيل على التهمة، بل بتمطيط ولي عنق ما هو موجود من قانون عام.

إن التشديد على ضرورة تحديد معنى الإثراء غير المشروع إنما الغرض منه تمييزه عما هو إثراء مشروع، إذ الاغتناء أمر مقبول اقتصاديا واجتماعيا، فيما الذي لا يمكن القبول به اجتماعيا واقتصاديا، فما بالك من زاوية النظر القانونية، إنما أن يتأتى ذلك من مصادر "غير أخلاقية"، غير شرعية وواجبة الإدانة.

لذلك وجب تحديد الفعل المفضي للإثراء غير المشروع جهارة، سواء أخذ شكل رشوة أو سرقة أو تضليل بنية الاستغلال، ثم دفع الشخص المعني بذات الفعل، إلى إثبات شرعية ازدياد ثروته فجأة، قياسا إلى مصادر دخله أو إلى ما هو في حوزته من أملاك مادية مباشرة أو عينية.

بيد أن إثبات ذلك لا يمكن أن يتم إلا في ظل احترام المبدأ القانوني العام المتعلق بقرينة البراءة. ومفاده أن على الجهة المشتكية، وعليها وحدها، إثبات ادعائها وإبراز الحجة على ذلك، لا سيما إذا كان الأمر يحيل على مستويات النيابة العامة، التي هي صاحبة الاختصاص، لكن في أمر هو من صميم مصلحة المجتمع.

ولذلك، يرى البعض أن مطالبة شخص ما بإثبات شرعية اغتنائه السريع أو المفاجئ، قد يفسر كما لو أنه مسا مباشرا بقرينة البراءة. معنى هذا أن العملية، حتى وإن تم تأطيرها قانونا، فهي متعذرة إلى حد ما، من الناحية الإجرائية الخالصة، وإلا لتاهت المحاكم بين ملفات متشعبة، لها أن تحدد من منها هو موضوع إثراء غير مشروع ويستوجب المتابعة، ومن لا إثباتات على صاحبه إذا كان بمستطاعه أن يبرر ما هو في حوزته.

ما يزيد الأمر تعقيدا، وقد يكون مصدر شطط أيضا، أن تتكفل مستويات النيابة العامة بذلك، فتعمد إلى متابعة "الناس" من باب ما يشاع عنها،  حتى يتبين لها أو تتيقن من العكس، وعند التثبت، تكون سمعة هذا أو ذاك، قد طالها التشكيك و"تلطخت"، حتى وإن تمت تبرئة ذمتها فيما بعد.

ولذلك، فإن تحديد معايير دقيقة لإثبات الإثراء غير المشروع أمر أساس، وإلا لسقط المرء في متاهات قد يعرف مبتدأها، لكنه سيعدم السبل حصرا لضبط تداعياتها.

ليس الأمر متعذرا في المطلق، لا سيما وأنه يطال في الغالب الأعم، الموظفين السامين المعينين، ويطال من في أعناقهم عهد انتخابية محددة. لكن العبرة، عندما يتم ترويض "التجربة"، هو أن يعمد إلى سلك الخيارات الاستباقية كإحدى أدوات ردع الكبار كما الصغار على حد سواء.

لا يوجد بالمغرب قانون باسم "قانون الإثراء غير المشروع"، اللهم إلا المشروع الذي دفعت به الحكومات السابقة، وعمدت الحكومة الحالية إلى سحبه من ردهات البرلمان، بدعوى "المعالجة الشمولية" و"ضرورات التأني".

اليوم، وقد مر على سحب المشروع إياه حوالي سنة من الزمن...لا تبدو لنا في الأفق لا معالجة شمولية ولا معالجة جزئية لمفاصله...رسالة مباشرة من لدن الحكومة للقول بأن المسألة مرتبطة بسوق واسع لا يحتمل لا التقنين ولا التنظيم، فما بالك أن يحتكم للأخلاق...من يرد أن يغتني، له ذلك...أما الوسيلة ففيها نظر...

يمكنكم مشاركة هذا المقال