Aller au contenu principal

"تأملات في شقاء العرب" لسمير قصير

سمير قصير، دار النهار للنشر، دجنبر 2005، 115 ص.

هذا كتاب بصيغة بيان، لأن صاحبه اغتيل في 2 يوليوز من العام 2005 ببيروت، فأضفى الموت على الكتاب طابع الوصية، في الوقت الذي أراد له صاحبه أن يكون نصا تأسيسيا جامعا.

يقول إلياس خوري في تقديمه للكتاب ولصاحبه: "سمير قصير كان يبحث عن بداية تواصل الفكر التنويري الذي صنعته النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فقاده الشقاء العربي إلى نهايته المأساوية".

يعتقد صاحب التقديم أن سمير قصير كان مقتنعا بمقاربة أن النهضة العربية لا بد أن تدافع عن الحداثة، وتعيد قراءة الثقافة العربية المعاصرة عن طريق ثلاثة عناصر:

°- "إعادة تقويم عصر النهضة، بما يضمن انفتاحا على عصر الأنوار الأوروبي من جهة، وإعادة النظر في الموروث الثقافي العربي من جهة ثانية.

°- تحليل الشقاء العربي بوصفه إبنا للعجز.

°- ثم رفض ثقافة الموت والدعوة إلى ثقافة الحياة، عبر تعددية ثقافية وسياسية تشكل بداية الرد على الشقاء". إذ الشقاء في نظره، ليس مرده الحداثة، بل هو نتيجة إجهاضها.

لذلك، يرى صاحب التقديم، أننا بهذا الكتاب إنما بإزاء "صرخة من أجل الحرية والديموقراطية، يطلقها صحافي يعيش الحدث ويبلورها مؤرخ يصنع الذاكرة".

ولعله من علامات الشقاء العربي حقا، أن يقتل سمير قصير بتهمة دفاعه عن الحرية والديموقراطية والذاكرة.

يقول قصير في توطئة كتابه: "لا خير في أن تكون عربيا في هذه الأيام. فاعتلال النفس من شعور البعض الآخر، هو القاسم المشترك الأعم في العالم العربي".

الكتاب مجموعة نصوص تم تبويبها على شكل فصول، سنحاول هنا أن نقدم بعضا منها فقط:

°- في الفصل الأول ("في أن العرب اليوم أكثر شعوب الأرض بلاء، ولو لم يقروا بذلك")، يتساءل الكاتب: "هل من حاجة إلى وصف شقاء العرب؟". ويجيب: "تكفي بعض الأرقام للإشارة إلى عمق المأزق الذي تتخبط فيه المجتمعات العربية: نسبة الأمية، الهوة التي تفصل بين الأغنياء، فاحشي الغنى، والفقراء، مدقعي الفقر، اكتظاظ المدن، تصحر الأقاليم...الخ".

هو بنظره، شقاء عام، شبيه بما هو موجود بكل بلدان الدنيا، لكن خصوصيته عند العرب تكمن في الشعور "المتجذر والشائع بأن المستقبل مسدود" تماما، والأفق مظلم. ثم هو شقاء متأت من نظرة الآخرين إلينا كعرب...من تمثلهم السلبي لثقافتنا وحضارتنا وما بتنا عليه.

ومع أن الكاتب يتجنب المقارنة مع الغرب الديموقراطي والمتقدم، فإنه يرى أن بلدانا أخرى بآسيا وأمريكا اللاتينية مثلا، كانت شبيهة بنا إلى حين عهد قريب، لكنها باتت اليوم، على العكس من حالنا، صاحبة منجزات كبرى. إنها "تمتلك إنجازاتها المضادة لليأس: هنا خطوات واثقة نحو الديموقراطية، وهناك نمو اقتصادي ومهارة تكنولوجية يثيران حسد أوروبا نفسها...".

لقد صار العجز رمز هذا الشقاء العربي، يقول الكاتب: "العجز عن أن تكون ما يجب بتصورك أن تكون، العجز عن الفعل من أجل تأكيد إرادتك في الوجود ولو في حدود الإمكان، في مواجهة الآخر الذي ينكر وجودك ويزدريك، ويهيمن عليك من جديد".

ويتابع: "لم يكن من حاجة إلى انتظار الاحتلال الأمريكي للعراق، كي يأكل العجز العرب، فعند كل فصل من فصول قضية فلسطين، كان العجز ماثلا وقادرا على الإرباك". ولعل الإهانات التي يتلقاها العرب بانتظام من إسرائيل دون قدرة على رد فعل، دليل أقوى على مستوى العجز الذي بلغه العرب.

ثم إن الوضع في فلسطين أصعب بما لا يقاس، لكن، "لم يستطع شيء دفع (الفلسطينيين) إلى اليأس. وتصلح قدرتهم على الاحتمال وعودتهم إلى الانقضاض ثانية، أن تكون نموذجا لكل العرب".

°- في الفصل الثاني ("في أن العرب أعدل الناس في تقاسم الشقاء")، يلاحظ الكاتب أن وضع العرب بكل بقعة "لا يضفي أي رونق على المشهد". إذ هناك من العرب من يعيش السعادة، ومنهم من يسعى إليها. إلا أنه لا يمكن تغافل أننا في الغالب الأعم، بإزاء "مجتمعات غارقة في الأزمات ودولا واقعة في المأزق، والكل لا يملك القدرة على صنع تاريخه بنفسه".

ويسوق هنا نموذج مصر، حيث تجتمع "سيئات رأسمالية الدولة...وسيئات النظام الليبرالي الفاحش". إذ إلى جانب هشاشة الدولة، نجد بموازاتها مجتمعا هشا أيضا، أسيرا "لإيديولوجيا نموه"، مع نخب لا تتردد في التسويق لديموقراطية شكلية، يطالها الزيف في شكلها وفي جوهرها.

أما السودان، حيث تبذر موارد ضخمة، فقد تم تقسيمه، ولا تزال أجزاء منه ضحية حروب أهلية طاحنة. نفس الشيء بليبيا حيث لا أفق ظاهر ولا موقف واضح.

أما بالمغرب العربي، فالصورة متباينة. فالمغرب مثلا يعيش مرحلة تداول على السلطة بتوجيه من القصر، ولم ينجح حتى في الحد من سياسة احتكار الثروات التي يجسدها نظام المخزن. أما المعارضة السابقة، التي شاركت في الحكم، فإنها فقدت لهذا السبب، الكثير من مصداقيتها. وبعد تحسن طفيف في وضع الصحافة، تعرضت الحريات الإعلامية من جديد للقمع.

وفي تونس، تم "احتواء الإسلام الأصولي"، (لكن) مقابل قبضة بوليسية محكمة، تستخدم لسجن مجتمع بأكمله، وثمة حركة احتجاجية مكبوتة، تشوه ما تم إنجازه زمن بورقيبة من إنجازات مجتمعية فعلية.

أما الجزائر، فعلى الرغم من ثرواتها الهائلة، فإننا بإزاء "تقصير في تأمين لقمة العيش لشعب في حالة تزايد ديموغرافي مطرد"...وهو ما فسح في المجال لعودة "الإسلام المجاهد"، أدى صراعه مع العسكر إلى إشعال نار حرب أهلية دامت لحوالي عقد من الزمان، وراح ضحيتها مئات الآلاف من البشر.

أما العراق، فقد بات بعد الاحتلال الأمريكي، مشردما وثرواته في حالة ضياع كامل والحرب لا تزال قائمة في أرجائه المختلفة. أما لبنان، فقد تراجع عن مكانته في رفع لواء الحداثة وفقد معظم ما كان يميزه: حرية التعبير والابتكارات الإعلامية.

أما اليمن، فقد انقسم ولم يعد "سعيدا" كما كان في زمن ما. وقد سيطر النظام القائم من بين ظهرانيه، على مسلسل التعددية السياسية على الرغم من التنازلات التي قدمها لبعض المناطق الخارجة عن القانون، "تحكمها عشائر متمردة أو حتى بعض البؤر الجهادية".

أما بلدان الخليج، كقطر والإمارات والبحرين، فإنها تعيش البذخ وشتى مظاهر الحداثة الشكلية، لكن ذلك لا يحول دون هشاشة قد تنذر بالخطر، لا سيما وأن بنية السكان يطغى عليها الأجانب، عربا وغير عرب، محرومون من كل الحقوق وضمنها الحق في التجنيس.

حتى في قطر، ثمة سيطرة للتيار المحافظ على التيار الليبرالي في صلب السلطة الحاكمة نفسها، حتى أن قناة الجزيرة، "الناطق الرسمي باسم قطر"، تخضع في تدبيرها، مباشرة أو من خلف ستار، لجماعة الإخوان المسلمين.

أما السعودية، فإن ثرواتها الهائلة لم تضمن لها المرور لحقبة جديدة من التحديث المجتمعي. ثم إن هذه الثروة في تراجع، ولم تعد قادرة على تمويل نمط في العيش يزداد بذخا في "أوساط حوالي 7 ألف أمير من آل سعود، إضافة إلى شعب لم يعد فقره خافيا على أحد".

وعلى الرغم من الجهود المبذولة، منذ 11 شتنبر 2001، فإن السعودية تخضع بقوة لتوازنات دقيقة بين سلطة آل سعود السياسية وسلطة المؤسسة الدينية. كما أن الخلافات "العشائرية داخل العائلة المالكة، على أساس نسب الأم وتقدم الأمراء الأكثر نفوذا في السن، ينذر بقيام أزمة خلافة يصعب تصورها وكيفية الخروج منها من دون عملية قيصرية مدعومة على الأرجح من الخارج".

ثمة إذن بالمشهد العام، حالة من العجز على مستوى العلاقات الدولية وحالة من القصور الديموقراطي. وثمة أيضا تغييبا يكاد يكون شاملا للحريات ولفكرة المواطنة. وهو ما يعني أن ثمة أزمة دولة بنهاية المطاف...وأزمة مؤسسات لم يعد الشعب يثق في مصداقيتها.

بالمحصلة، يقول الكاتب، فإن "العالم العربي هو القارة الوحيدة التي يعمها العجز الديموقراطي بكل مكوناته. وهو أيضا المكان الوحيد الذي يتلازم فيه غياب الديموقراطية والهيمنة الأجنبية غير المباشرة".

أما عن حركات الإسلام السياسي، فلا يتردد الكاتب في القول: إن "السلوك المجتمعي للحركات الإسلامية، ومجرد أن ننزع عنها الطابع الديني الذي ترتديه، تنم عن الكثير من أوجه الشبه بينها وبين الديكتاتوريات الفاشية. وعلى هذا الأساس، فإن الإقرار بزعم الإسلام السياسي بأنه يمثل قوة تغيير، يعني تقبل فكرة ديمومة القصور الديموقراطي واستمرار تفويت فرصة بلوغ الحداثة". إن هذه الحركات، بنظر الكاتب، إنما هي "من الأسباب المؤسسة لهذا الشقاء".

°- بالفصل الثالث ("في أن شقاء العرب آونة من التاريخ وأنه اليوم أعظم من أمس") يؤكد الكاتب على أن الإسلام في عظمته الأولى، قد سطر فصلا من الفصول "الأكثر خصوبة في تاريخ الحضارات".

بيد أن هذا الماضي لم يبق متجمدا منذ العصر الذهبي، إذ على الأقل في العقود الأخيرة، بدا العالم العربي ناشطا، وجزءا لا يتجزأ، لا بل زعيما في ثورة العالم الثالث".

ومع ذلك، فلا يظهر على السطح إلا فكرة الانحطاط المستمر و"عصر ذهبي يستحيل إحياؤه". هل يجب البدء بالتحرر من هذا العبء، يتساءل الكاتب، ليجيب: "ربما. لكن من دون التنكر للعصور الأولى التي حققت عظمة الحضارة العربية في العهدين الأموي والعباسي، وفي امتداداتهما في الأندلس". بعد ذلك، تضافرت الأسباب والمسببات لتجعل فترات الانحطاط هي القاعدة، على الرغم من استثناءات "عصر النهضة أواخر القرن الثامن عشر".

°- بالفصل الرابع ("في أن الحداثة لم تكن ساعة شقاء العرب") لا ينكر الكاتب أن النهضة العربية "سواء بمضمونها أم بأشكال التعبير عنها، وليدة الفكر التقدمي وعصر الأنوار الأوروبيين".

إلا أنه على الرغم من مآزق الحداثة العربية، فإن كلمة "نهضوي" لا تزال تحتفظ بقيمة إيجابية "قريبة من قيمة مفهوم الإنسان في أوروبا". ولذلك، فمع قيام النهضة "أعادت الثقافة العربية بناءها الذاتي انطلاقا من اكتشاف الآخر، أي الآخر الأوروبي"، من خلال عملية تبادل لم يؤثر عليها كثيرا عيب أنها كانت باتجاه واحد.

في ظل هذه المواجهة "تمت الصياغة العربية لمفهوم الحداثة. فالعالم العربي الموصوف اليوم، بأنه منغلق بطبيعته، كان قد انفتح على محاورة كل الأفكار الآتية من أوروبا، أكثر بكثير من اليابان، حيث تركزت عملية التحديث على نقل الآليات التقنية والعسكرية ثم المالية عن القوى الغربية المتفوقة".

وقد لعبت اللغة العربية دورا كبيرا في الترجمة، ومن ثمة في التحديث بما في ذلك البعد الديني. وقد كان للبستاني والشدياق دور فعال في الشرق العربي. ولذلك، انتشرت العقلانية "والقيم الإنسانية"، حتى إذا أقبل عصر أفول نجم الأمبراطورية العثمانية، بقي الفكر النهضوي متقدا، على الأقل من زاوية حضه على التحرير.

وعلى الرغم من الادعاء بأن عصر النهضة قد انقضى بانهيار الأمبراطورية العثمانية، فإن العكس هو الذي حصل، إذ عرفت الحركة الأدبية مثلا بالمشرق، وبمصر تحديدا، تجديدا منقطع النظير، مع طه حسين وتوفيق الحكيم وأحمد شوقي وأمين الريحاني...ناهيك عن الطفرة الصحفية التي واكبت ذلك، والصحوة القومية التي تعمقت مع ساطع الحصري وميشال عفلق وقسطنطين زريق وغيرهم.

إلا أن فترة الخمسينات خلقت حالة قهر جديدة في دعم الغرب لقيام إسرائيل، لكنها أسهمت في خلق كتابات ملؤها القلق في الثقافة العربية، وهي "سلعة" (أي القلق) آتية في تلك الحقبة من الثقافة الأوروبية أيضا.

وعلى الرغم من سلسلة الانقلابات العسكرية التي واكبت تلك الفترة، فإنها لم تحل دون حركية في النقاش الفكري بين المثقفين، مما يعني أن الفكر النهضوي كان لا يزال قائما. كما ازدهرت الفنون والموسيقى والرسم والرواية والسينما والمسرح وغيرها. وهي كلها جوانب كبرى تدل على حداثة حقيقية قياسا إلى التقنيات المستخدمة وإلى المواضيع المعالجة.

وعلى ما نرى، يتابع الكاتب، "فإن الأمر لا يتعلق باستحالة أن تكون بعد ما كنا. فلئن بدا أنه كان من الممكن، منذ أربعين عاما فقط، أن يستعيد العرب موقعهم في مسار التاريخ العالمي، فلا شيء يمنع أن يؤدي خروجهم من حالة الشقاء، يوم لا يبقون وسط عالم غارق في الأزمات، إلى تصالحهم مع الفكر التوليفي الذي تميز به تاريخهم الطويل".

هل يمكن تصور نهاية لمسلسل الشقاء هذا؟ يتساءل الكاتب، ليقر بأن تفاقم سوء التنمية يزداد واستمرار الهيمنة يتعمق، وتفوق إسرائيل لا يسمح بالتماس يقظة عربية سريعة...بيد أنه "لا شيء يمنع على الإطلاق، لا السيطرة الأجنبية ولا آفاق البنى الاقتصادية، ولا حتى إرث الثقافة العربية، مهما ساءت ظروفها الراهنة، من السعي إلى توازن مقبول...".

لكن ذلك يستوجب شرطا جوهريا: "أن يتخلى العرب عن الإيهام بماض لا يضاهى، ليتوصلوا في الختام إلى النظر مباشرة في تاريخهم الواقعي، على أمل أن يعودوا للائتمان عليه".

19 ماي 2022

Vous pouvez partager ce contenu