تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عبقرية الاحتيال على النزاهة" لمحمد حركات

محمد حركات، المعارف الجديدة، الدار البيضاء، 2020، 271 ص.

هذا الكتاب هو بحث "في جدلية منظومة النزاهة والشفافية، ومدى قدرتها على مكافحة مخاطر الاحتيال، وفق المنطق المهني المعمول به في مجال التدقيق المالي بالمعنى الضيق للمفهوم، أو في معناه الواسع عندما يمتد ليشمل التدقيق الاستراتيجي أو التنظيمي".

انطلاقا من هذه الأرضية، يحدد المؤلف إشكاليته ثم يطرح فرضياته:

°- الفرضية الأولى: الفساد من أكثر الجرائم تعقيدا وأسرعها تطورا...سواء بالقطاع العام أو بالقطاع الخاص.

°- الفرضية الثانية: الفساد ظاهرة كونية، حيث لا توجد دولة تستطيع الادعاء بأنها في منأى عن الفساد.

°- الفرضية الثالثة: تتوفر البلدان العربية على تشريعات وقوانين واسعة لتنظيم الرقابة المالية وضمان المساءلة، لكن الممارسة معاقة بسبب غياب الإرادة السياسية في لجم التحايل والفساد، ثم ضعف الموارد البشرية وغياب التنسيق والالتقائية بين البرامج الرقابية، ثم غياب التقييم من منظور دراسة الوقع ونجاعة الأداء، ثم بسبب نجاح الدولة في تمرير سياسة الإفلات من المساءلة والعقاب والتطبيع مع الفساد.

°- الفرضية الرابعة: التنمية البشرية بالبلدان العربية، هي ظاهرة تهم كل المجتمع، وعليه فكل المجتمع مطالب بالتصدي للأسباب التي تحول دون تحقيق أهداف التنمية ومواجهة مظاهر "الحكامة الرديئة".

°- الفرضية الخامسة: التأكد من إسهام أجهزة المراقبة (حكومة، برلمان...الخ) في تجويد أداء الرقابة الداخلية لضمان التحصين ضد الاحتيال، وتعميم قيم النزاهة والشفافية والحكامة في الممارسات.

°- الفرضية السادسة: تعميق مبادئ الحياد والاستقلالية في مراقبة وحماية المال العام من التحايل والاحتيال.

من أهداف هذا الكتاب إذن، أنه يطمح "لبلورة رؤية تنظيمية واستراتيجية واضحة...وفق منهج تشاركي...من أجل تحديد المهام وتقوية القدرات على مواجهة المخاطر والحد من القابلية للاحتيال والغش...". كل ذلك بغاية ما يسميه الكاتب "تحسين حكامة تدبير المخاطر".

يتألف هذا الكتاب من إثنى عشرة فصلا، بدأها المؤلف بفصل حدد فيه المفاهيم والمصطلحات، وختمها بفصل عن "دور الحكامة الاستراتيجية الديموقراطية في تجويد تدبير المخاطر".

وبما أن المقام لا يستقيم هنا لعرض مفاصل هذا الكتاب، فصلا بفصل، اخترنا اختزال كل فصل في فكرته الأساسية:

+ بالفصل الأول ("مفاهيم وبراديغمات تدبير المخاطر والاحتيال")، يقف الكاتب عند مجموعة من المفاهيم:

° الأول، مفهوم تدبير المخاطر. يقر الكاتب هنا أن مفهوم الخطر (الكاتب يتحدث عن "الريسك" لربما وجب استعمال مصطلح المجازفة)، متعذر التحديد، مع الإقرار بأنه "احتمال حدوث شيء سيئ وغير مرغوب فيه".

الأهم هنا هو "الربط بين احتمالية الحدوث والتأثير الناتج عن حدوثه، وكيف يمكن التحكم فيه والتقليل من تأثيره السلبي".

° الثاني، مفهوم الاحتيال أو الغش. ويشمل عموما مجموعة من الأنشطة غير المشروعة، مثل "السرقة والاختلاس وخيانة الأمانة والنصب والغدر وغسيل الأموال والابتزاز والتهرب الضريبي والهجوم السيبراني والقرصنة والاتجار بالبشر وتهريب الأموال وتبديد العون الإنساني الدولي، يعني الفساد بكل أشكاله وجزئياته وفرعياته".

يعطي الكاتب هنا نموذج الشركات التكنولوجية والصيدلية الكبرى، وكيف جنت أرباحا ضخمة من سياق جائحة كورونا، ثبت أنها كانت موضع احتيالات كبرى على الشعوب، لا بل وعلى الإنسانية برمتها: يسميها الكاتب على لسان باحثين كبارا، ب"فضيحة احتيال كورونا"...ولا يزال الاحتيال مستمرا عند المطالبة الملحة للناس كي يأخذوا الجرعة الثالثة والرابعة.

يرى الكاتب بهذه النقطة، أن مبادئ الحكامة (من مسؤولية ونجاعة الأداء والأثر والمسؤولية الاجتماعية والمساءلة) وضعت حقا على المحك، لأنها لم توظف للسيطرة على الفساد.

°- بالفصل الثاني ("المعيقات الأخلاقية واختلالات السوق وديكتاتورية المال أمام تحديات مكافحة الاحتيال والجشع")، يتحدث الكاتب عن الاحتيال وتدبير المخاطر في ظل اقتصاد السوق، ومكانة الأخلاق في محاربة الفساد.

مدخل الكاتب لمعالجة هذه النقطة يكمن بالأساس في مفهوم السلعة وما يستتبعها، أي تسليع كل شيء، وإخضاع كل شيء لمبدأ العرض والطلب...تسليع الأرحام، تسليع الأعضاء البشرية، تسليع البيئة، تسليع التصويت...الخ....أي تحول السوق إلى ما يمكن تسميته ب"مجتمع السوق".

الأزمة، أزمة الليبيرالية، متأتية بنظر الكاتب، من هذا الجنوح نحو تسليع كل شيء. لذلك، فهو يرى أن إحدى مداخل تجاوز هذه الأزمة هو المراهنة على "بناء وتوطيد الثقة بين المؤسسات ونشر قيم الشفافية والمساءلة وتقييم المخاطر"...من هنا الحاجة "لبناء نموذج بديل في صيرورة تجاوز...الأزمة الهيكلية الناجمة عن اقتصاد السوق واختلالاته".

النموذج البديل يمر بنظره، من خلال ثمانية عناصر، لعل أهمها على الإطلاق أربعة:

+ "تحديد دور جديد للدولة الاستراتيجية، الذكية والحاكمة"، من خلال "توجيه الدفة وتقوية المواطنين والترويج للمنافسة والتركيز على الجدوى والأداء"

+ "إصلاح منظومة الحكامة الدولية". وهي منظومة، بنظر الكاتب، هشة، يغيب التنسيق عن مكوناتها، تهيمن عليها المقاربة الوظيفية، وتسيطر الدول والشركات الكبرى على جل مفاصلها.

إصلاح المنظومة يفترض، برأي الكاتب، مراجعة وتجاوز النظرية الاقتصادية والاقتصاد الليبيرالي المتوحش، من خلال التفكير في بناء اقتصاد سياسي جديد، يضمن كرامة وسيادة وأمن الإنسان". ويعطي الكاتب هنا مرة أخرى، نموذج كورونا وكيف عجزت هذه المنظومة على مواجهتها.

+ "ضرورة فرض ضريبة عالمية تدريجية وتصاعدية على المداخيل والثروات المرتفعة "بغرض تمويل القطاعات المتضررة من تعليم وسكن وصحة وغيرها...

+ "إنشاء هيئة دولية لمراقبة الفساد وتقييم تدبير مخاطر الفساد.."، يكون من وظائفها مراقبة وتتبع كل مظاهر الفساد "المتفشية في المنظومة الإنتاجية والدولية...تعمل على نشر تقارير دولية بشأن تقييم الفساد وأشكاله وخريطته، سعيا وراء تطويقه والحد من آثاره".

°- في الفصل الثالث ("القيادة الاستراتيجية ودورها في تكريس قيم وثقافة تدبير المخاطر في مكافحة الاحتيال") يطالب الكاتب بضرورة استنبات "قادة استراتيجيين جدد"، تكون لديهم القدرة على الوعي "بوجود عالم مضطرب وغير محمي بما فيه الكفاية من مخاطر الاحتيال" (تمركز الثروة، استغلال النفوذ، تهريب الأموال، المتاجرة بالبشر، تغيير البيئة، تزايد نفقات السلاح والحروب...الخ).

"قادة جدد" قبالة "تفاهة القيادة"، أي "طبقة الأشخاص التافهين، حيث مكافأة التفاهة والرداءة، عوضا عن الجودة والكفاءة والاستحقاق". وهي طبقة يديرها "أناس يبحثون عن النجاح السهل وترويج خطاب التفاهة واللغة الخشبية والتسطيح والتبسيط وتسليع المعرفة الأكاديمية لأغراض المظهر الاجتماعي وبيعها للجهات التجارية التي توجهها حسب منطق السوق والربح".

القائد الاستراتيجي الذي يعنيه الكاتب هنا، يجب أن يكون متصفا بتوفره على رؤية واضحة وعلى مشروع، ويكون مدافعا عن المسؤولية الاجتماعية. يختلف القائد الاستراتيجي عن القائد التقليدي في قدرته على "تدبير المخاطر وتحديد الأهداف والأولويات الاستراتيجية الدقيقة".

°- بالفصل الرابع ("دور الرقابة الداخلية في تجويد تدبير المخاطر والوقاية من الاحتيال") يرى الكاتب مفهوم الرقابة باعتباره إجراء للحماية والأمان..."إنها الحفاظ على الشيء وحراسته. هدفها هو تقييم وتصحيح الانحرافات استنادا إلى معايير موضوعية محددة...ثم وضع الحلول المناسبة لها". إنها عنصر من عناصر تدبير المخاطر، لأنها تحيل صوبا على النزاهة والمساءلة وعلى الحكامة.

لذلك، فإعمالها يحتاج إلى تخصصات عدة لعل أهمها الاقتصاد والتدبير الاستراتيجي والقانون وعلم الاجتماع...الخ. ولذلك أيضا، فهي تستوجب فصلا للسلط بين الوظائف داخل المنظمة، احتراما للمساطر التي تضعها هذه المنظمة لحماية أصولها والارتقاء بالإنتاجية، هيكلية واضحة تحدد الأطراف المتدخلة وحدود اختصاصاتهم...الخ.

بالتالي، فإن هذه الرقابة من شأنها أن تقف ولو جزئيا في وجه الاحتيال والتحايل.

°- في الفصل الخامس يتحدث الكاتب عن "تدبير المخاطر المرتبطة بتضارب المصالح"، فيستحضر لدراسة ذلك نظرية الوكالة. تضارب المصالح وفق ذلك، هو "الوضعية التي تنشأ عند شخص ما لا يستطيع عند ممارسة مهامه، ضمان واجبات الحياد والموضوعية نتيجة تأثره".

يرى الكاتب هنا أنه إذا لم يتم تدبير  التضارب بين المصالح الخاصة والمهام العامة للموظفين العموميين بشكل صحيح، فقد يؤدي ذلك إلى الفساد.

تداخل المصالح، العامة بالخاصة تحديدا، هو مفسدة، لأن تبادل المصالح والمنافع والامتيازات هو ضرب من ضروب الفساد.

يدخل في نطاق تنازع المصالح "كل استغلال للموقع الوظيفي أو المهني لتحقيق مصلحة خاصة بصفة مباشرة أو غير مباشرة...وكل توظيف لمعلومات يتم الحصول عليها بحكم الوظيفة أو المسؤولية، من شأنه الإخلال بالمنافسة الحرة لتحقيق مكاسب شخصية أو لفائدة الغير".

تضارب المصالح أو تنازعها هو إذن باب من أبواب الفساد، لأنه يفسد المنافسة ويقتل قيم النزاهة.

ضبط حالات التنازع هاته قانونيا، مع تقوية أجهزة مراقبتها، هو المدخل القمين بصيانة المال العام وإشاعة قيم الشفافية والنزاهة بالمرافق العمومية المختلفة.

°- في الفصل السادس يتحدث الكاتب عن "حكامة المراقبة الخارجية والداخلية على الشركات في مواجهة مخاطر الاحتيال والغش"، فيشير إلى المبادئ والمناهج والآليات القانونية والتقنية التي تنظم مراقبة الحسابات في المقاولة. الغاية من هذه الحكامة هي حماية ومراقبة الشركات من مخاطر الاحتيال والغش، لا سيما في ظل انتشار نشاط هذه الشركات وتوسيع مجال فعلها بأماكن جغرافية متباعدة كما حال الشركات متعددة الجنسيات.

ويلاحظ الكاتب أنه أيا يكن شكل وحجم الشركة، فإن الحكامة الجيدة تفترض تحديد الصلاحيات وفصل المهام ومنح مراقب الحسابات وضعية حيادية مجردة.

°- بالفصل السابع يتحدث الكاتب عن "الرقابة المالية العليا ودورها في تجويد تدبير المخاطر والتصدي للاحتيال"، فيركز على المقام المميز لمنظومة الرقابة العليا، اعتبارا لمكانتها الدستورية وطبيعة صلاحياتها واختصاصاتها الرقابية.

يستدل الكاتب هنا بواقع كورونا وكيف أن تدبير الدولة لها يستوجب تدخلا للجهاز الأعلى للرقابة المالية والمحاسبة، للنظر في كيفية وتداعيات هذا التدبير على المال العام، لا سيما في كيفية صرفه. ولإدراك ذلك، لا بد أن تحترم الوظائف الثلاث للأجهزة الرقابية العليا: الوظائف التوجيهية للاستراتيجية، ثم وظائف الاشتغال بما يتناسب مع الأهداف المسطرة، ثم الوظائف التقويمية بغرض السيطرة على مخاطر وسلبيات التدبير.

بيد أن الكاتب، وهو يطالب بضرورة إعادة هيكلة هذه الأجهزة، يلح على ضرورة أن تؤخذ بعين الاعتبار كل المستجدات التي حملتها ظواهر العولمة والتطور العلمي والتكنولوجي والمخاطر المتعددة التي تطال الطبيعة والبيئة...ثم ضمان استقلالية تامة لها كي تقوم بدورها.

°- بالفصل الثامن ("مخاطر الاحتيال المتعلقة بالإدارة المالية والميزانية") يقف الكاتب عند مكونات منظومة الإدارة المالية، لا سيما الموارد البشرية والتكوين المستمر للعاملين والمحاسبة ثم الميزانية...لكن ذلك يستوجب توافر رؤية استراتيجية وإطارا تعاقديا لضبط العلاقات، ومناخا مؤسساتيا مواتيا وأخلاقيات مهنة رقابية متقدمة.

يسوق الكاتب هنا عشرة اقتراحات من شأنها ضمان إدارة مالية جيدة على الأقل في البلدان العربية، نتوقف هنا عند أهمها:

+ أولا: ضرورة أن تضع الدولة خطة عمل للوقاية من الاحتيال والفساد بالقطاعين العام والخاص،

+ ثانيا: إقامة إدارة عمومية تتصف بالأمانة والصدق والكفاءة بمعيار "الرجل المناسب في المكان المناسب"،

+ ثالثا: ضمان تكوين دقيق في مجالات الرقابة وأخلاقيات الخدمة العمومية، بجهة التركيز على النزاهة والمساءلة والشفافية والمحاسبة،

+ رابعا: توجيه أجهزة الرقابة المالية والتدقيق على تقييم الأثر في السياسات العمومية.

°- بالفصول التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر، يقف المؤلف عند مجموعة من الحالات التطبيقية، بدأها بالفصل الثامن عندما تحدث عن الإدارة المالية والميزانية، ليتبعها بحالة المشتريات والصفقات والعقود، ثم قضية غسل وتهريب الأموال، ثم حكامة الأمن السيبراني... بكل هذه المحاور يشدد الكاتب على ضرورة بناء استراتيجيات متكاملة في التصدي لحالات الفساد والرشوة والمحسوبية، سواء فيما يخص الصفقات العمومية، أو فيما يتعلق بمسألة تهريب الأموال، أو في مسألة حماية المنشآت الضامنة للأمن السيبراني.

يلح الكاتب في مجمل هذا البحث، على ضرورة توفير قيادات جديدة تكون قادرة على تكريس ثقافة النزاهة والشفافية وقيم نجاعة الأداء وبناء ثقافة تدبير المخاطر ومكافحة الاحتيال. من هنا تأتي أهمية العنوان الفرعي للكتاب: "رؤية مستقبلية لبناء منظومة فعالة لتدبير المخاطر".  

يمكنكم مشاركة هذا المقال