تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"ضد الراهن" لعبد السلام بنعبد العالي

هذا الكتاب هو مجموعة من النصوص القصيرة، لكنها وعلى عادة عبد السلام بنعبد العالي، دقيقة ومباشرة ومركزة ولا تقبل التمطيط. اخترت لكم، ضمن هذه الورقة، خمسة نصوص تبدو لي معبرة وذات حمولة معرفية كبيرة:

°- بالنص الأول ("تكريسا للانفصال")، نقرأ التالي: "من يمتدح الانفصال يهجو الاتصال بطبيعة الحال. أي يهجو سيكولوجيا الاجترار والتكرار، واجتماعيا الرتابة والروتين وإيديولوجيا الدوكسا وبادئ الرأي، وزمانيا التقليد والماضي الجاثم وأنطولوجيا التطابق".

على هذا النحو، يرى الكاتب، أن الفلسفة تغدو من هنا "سعيا وراء إحداث الفجوات فيما يعدو متصلا، وخلق الفراغ فيما يبدو ممتلئا، وزرع الشك فيما يبدو بديهيا، وبعث روح التحديث فيما يعمل تقليدا، وتوليد البارادوكس فيما يعمل دوكسا".

وعليه، فإن الفلسفة إنما هي "مقاومة تعمل في جبهات متعددة، أي تعمل ضد كل ما من شأنه أن يكرس الامتلاء والتطابق والتقليد". إنها تعمل، بوجه من الوجوه، "ضد الإيديولوجيا باعتبار أن الآلية الإيديولوجية أساسا تقوم على كل هذا. فهي إعادة إنتاج لعلائق الإنتاج، وهي الإسمنت الموحد للمجتمع، المغلف لتناقضاته، المقنع للاختلافات فيه، الباث لنوع من  الرأي الذي يكبل التفكير ويخنق كل روح انتقادي".

الآلية الإيديولوجية هنا لا تعمل على قلب الواقع أو تشويهه. إنها تخلق شيئا منه، أي إنها تخلق ما يعمل كواقع. بالتالي، فإن الإيديولوجيا هي "ما يجعل الأشياء حقيقية بمجرد التأكيد الدائم على أنها كذلك".

فالشاشة مثلا، قد غدت اليوم "صورة عن الواقع، إن لم تكن هي الواقع ذاته، في مباشرته وحيويته وحياته".

وبما أنها (الشاشة أعني) هي جزء من الإعلام، فإن هذا الأخير بات لا يخبرنا عن الواقع، بل يصهرنا فيه..."أصبح يحشرنا في الواقع ويغرقنا فيه".

إنه يعمل، بوجه من الوجوه، على تفتيت الواقع وإذابته وتحويله إلى مركبات، حتى "باتت الحروب معارك متفرقة، والمواقف مجرد ردود أفعال متقلبة والأفكار انطباعات والانقلابات سلسلة من الفتن".

لدلك، فلا عجب، يقول الكاتب، إن أصبح الكل يقبل على أي خطاب حول العالم، "فاقدا القدرة على التفرقة والتمييز، منقطعا عن حس الانفصال وحس الاختلاف، مرحبا ومسويا لكل الأمور حتى غدا الكل كليانيا".

من هنا دور الفلسفة كتماهي مواجهة لكل نزعة كليانية، ومحاولة لاسترجاع القدرة على التمييز وحس الاختلاف والانفصال. إنها "بحث عن الراهن في زمن اللحظي المتناثر".

بنفس المنطق، يتحدث الكاتب عن مسألة التراث، إذ الأمر "لا يتعلق بالحوار مع القدماء، وإنما مع المحدثين بيننا، الذين يجرون ويجترون التقليد. فما دام بيننا من يوظف التراث دون أن ينفصل عنه، فنحن مضطرون إلى انتقاد موقفه وفضح أولياته".

وعلى هذا الأساس، فإن الضدية هي ضد للراهن. إنها "لا تغدو...ضدية موجهة ضد الحاضر...وإنما هي ضدية موجهة نحو الماضي، أو على الأصح نحو الأشكال التي يستعاد بها الماضي، قصد فتحها على آفاق جديدة، وعدم سجنها ضمن صورة متجمدة منغلقة تجعل منها تقليدا جامدا ميتا".

°- بالنص الثاني ("في مسألة الهوية...من جديد") يرى الكاتب أن الحديث عن الهوية هو حديث في المحددات والمميزات، حديث في الروابط والعلائق عما "يوحد ويجمع ويضم، لكنه كذلك حديث فيما يفرق ويفصل ويميز..."...ثم يتساءل: " هل من معنى لسؤال الهوية اليوم في عالم أصبح يتسم أساسا بغياب الخطوط المرجعية، عالم صار يفرض علينا...إعادة النظر لا في الأجوبة التي نقترحها، وإنما في الأسئلة التي نطرحها؟".

لقد بتنا اليوم، يتابع الكاتب، "نتساءل عن الحدود في عالم بلا حدود، ونبحث عن مرجعية في فضاء بلا مرجعيات، وعن لون خاص في عالم بلا ألوان"...ولذلك، فإن الذي أضحى يميز العالم بعدما اكتسحته التقنية إنما هو "غياب الاختلاف"، أي "سيادة التنميط والأحادية". بالتالي، فما بات يطبع العالم اليوم إنما هو الانتشار الموحد "لنماذج التنمية والمخططات وتطور أدوات التواصل واكتساح الإعلاميات لكل الحقول، وفرض لمفهوم جديد عن الزمنية"...

فالكونية، يقول الكاتب، "لا هوية لها، بل إنها هي التي تحدد اليوم كل هوية"...لا خيار لأحد للانخراط في هذا المسلسل أو رفضه، بل إن الأمر "قدر تاريخي يرهن إنسان اليوم في الكون وبالفكر في الكونية".

يتعذر على المرء، والحالة هذه، أن يميز بين خصوصية تحن إلى العالمية، وأخرى تهابها أو ترفضها...لا بل يتعذر عليه التمييز بين الأصالة والمعاصرة، بين الأصيل وغير الأصيل. بيد أن كل ما هنالك، هو "كيفيات أصيلة للمساهمة في الكونية والمشاركة في العالمية...وهي مساهمة من شأنها الانفلات من التنميط وخلق الفروق وإثبات الاختلافات".

لكن الأمر هنا لا يستوجب المعاينة والتشخيص. إنه يتطلب خلق شبكات "هي بالضبط شبكات مقاومة النمطية، لإبداع هوية ما تفتأ تتجدد".

°- في النص الثالث ("في الحوار بين الثقافات والصراع بينها") يعود الكاتب لأطروحة صامويل هنتغتون عن "صدام الحضارات"، لا اعتبارا لمضمونها أو شكلها أو دعاماتها، ولكن في كونها "جاءت في وقت كان فيه العالم في أمس الحاجة إلى أوهام جديدة، وكونها تدين بقوتها الإقناعية لنفوذ المكان الذي ظهرت فيه".

إن قوة هذه "النظرية" ليست بالقطع في ذاتها، بل لكونها "أمدت من كانوا بحاجة إلى نظرية لتبرير أفعالهم". بالتالي، فهذه "النظرية" لا تدخل ضمن مجال من يريد الوقوف عند حركة التاريخ، بقدر ما يتوخى صنع آليات جديدة "تجعل الأشياء حقيقة بمجرد التأكيد على أنها كذلك"...وهي نفس الآليات التي تتحكم اليوم في الإشهار وفي الإعلام وفي استطلاعات الرأي.

ثم هي "نظرية" تضعنا حتما أمام خيارين: إما التسليم بصراع الثقافات أو القول بالحوار بينها. أما الحوار، فهو نقيض الصراع، وأداته هي اللغة باعتبارها "مرتع تناحر القوى وميدان مفعولات السلطات...اللغة عش الاختلاف ومجال علائق القوة، فأن تطلق الأسماء كما يقول نيتشه، هو أن تكون سيدا".

وعليه، فإن "استراتيجية التسمية هي استراتيجية هيمنة وتسلط، وتاريخ الأشياء هو تاريخ أسماء، وتاريخ الأسماء هو تتابع القوى المستحوذة التي تعطي المعاني وتحدد القيم". بالتالي، فإن الحوار الذي يوظف اللغة لا يمكنه إلا أن "يجسد علائق القوة ومرامي الهيمنة". إنه صراع حول المعنى وتحدي المفاهيم، وتعيين الحقائق بدليل التباينات الكبرى في تعريف مفهوم الإرهاب وتعيين الفعل الذي يمكن أن نسميه إرهابا.

أما أطراف الحوار، فتحددها "آليات لإيديولوجية تذكي مشاعر التفوق والاستعلاء التي تميز من يضعون أنفسهم ضمن ثقافة الحداثة والعقلنة والتنوير، والذين يعتبرون الثقافات الأخرى تهديدا للقيم الكونية التي تزعم الثقافة الغربية أنها هي الحامل لها. كل هذا في الوقت الذي تعمل فيه وسائل الإعلام على توحيد تاريخ الكرة الأرضية"، في سياق من التنميط والدفع بالصيغ الجاهزة.

°- بالنص الرابع ("الثقافة العربية في مرآة الآخر") يتساءل الكاتب عن ماهية العلاقة التي تربط الثافة العربية المعاصرة بآخرها. يعود الكاتب هنا إلى الثقافة العربية الكلاسيكية وكيف أنها كانت "تتعامل من موقع قوة مع غيرها من الثقافات. كانت عندما تنقل الأصل إلى لغتها وتتمثله في ثقافتها، كانت تؤقلمه وتضمه إليها. كانت ترضخه وتقضي على عنصر الغرابة فيه، فتبتلعه وتدخله في دائرة الأنا، شعورا منها أنه لم يعد آخر".

العرب القدامى، والمترجمون منهم على وجه التحديد، كانوا ينظرون إلى اللغة العربية باعتبارها لغة الثقافة، وكانوا يظنون أن نقل النصوص إليها إنما هو ارتقاء بها...أي السمو إلى لغة الثقافة. أما اليوم، فإن عكس ذلك هو القائم، إذ نقل النصوص الأجنبية للعربية يبدو وكأنه رقي باللغة العربية وأن نقل النصوص العربية إلى اللغات الأخرى هو رقي بها أدنى.

القارئ العربي اليوم لا يطلع على النص العربي إلا عندما يربطه بنص آخر أجنبي...لا يقرأ "المقدمة" إلا بحثا عن أوغست كانط، ولا "المنقذ" إلا بحثا عن ديكارت، ولا "التهافت" إلا بحثا عن هيوم وكانط...الخ.

لا يمكن للثقافة العربية المعاصرة، كي تخرج من حالة الإخفاق هذه، إلا أن تعمل على التملك الفعلي لهذه الثقافة، تكسر مرآتها...التملك هنا يمر عبر الابتعاد وخلق المسافات وإنتاج الأسئلة وليس من خلال التقمص والاقتراب.

إن المتاح اليوم لأي ثقافة، يقول الكاتب، "ليس خصوصية مميزة ومميزة، وإنما كيفيات خاصة وطرق نوعية للمساهمة في الثقافة الكونية".

°- بالنص الخامس ("ثقافة الكتاب وثقافة الشاشة") يتحدث الكاتب عن حامل المعنى وعلاقته بالدلالة. إن الحامل المادي ليس بنظره، مسألة شكلية أو أمرا عرضيا، بل هو من صلب إشكالية المعنى. إن المعاني هنا ليست "أرواحا طاهرة، وإنما هي تسكن مادة الكتابة وتتقمص جسدها وتتغذى من حبرها ودمها، وتنتقل على ظهرها، وتقطن أرضيتها وتحمل لباسها".

أن يلبس المعنى حبرا وكتابة ليس هو أن يظهر صورة على مثاله. الاختلاف ليس في الحامل، إنه اختلاف "بين ثقافتين، بل بين رؤيتين للعالم، أو على الأصح بين عالمين متباينين".

إن الطفرة الإعلامية قد غيرت المفاهيم جذريا، فتضاءلت أهمية المكان ليغدو الزمان هو كل شيء، "وليحل الوجود الآني في الأمكنة المتعددة محل الأبعاد المكانية".

ثورة المعلومات تقضي من هنا، على المكان وتقلص العالم لتجعله نقطة واحدة، فترده إلى زمان. وعليه، فإن الصورة قد باتت تتيح نمطا مخالفا لبلوغ المعرفة والتمكن منها: "إنها أقوى بلاغة وأكبر قدرة على تكثيف المعاني وعرضها ونشرها".

الطفرة الإعلامية لا تضعنا فقط أمام وجود افتراضي، لا وجود فعلي له أمام مجموعة من الصور. إنها "تضعنا بالأولى أمام علاقات اجتماعية تتوسطها الصورة، أمام عالم فيه للخدعة نصيب من الحقيقة والفعل والفاعلية".

ولذلك، فلم يعد من الممكن اليوم ضبط المعنى الذي ستبلغه الرسالة، ولا ضبط طبيعة المتلقي الذي ستصله ذات الرسالة.

وهذا يعني "أن علينا أن نراجع مفهوماتنا بصدد هذه الثقافة الجديدة، لا عن القارئ والمؤلف والمرسل والمتلقي فحسب، بل حتى عن النص والتأويل وحركة توليد المعاني".

يطرح هنا أمر الحرية، إذ لم تعد هذه الأخيرة تبعث لنا المعاني شفافة بدون حواجز..."الحرية هي أن تكون لنا القدرة على الابتعاد عنها...ولعل هذه القدرة أساسا هي ما يعوز هذه الثقافة التي تكرسها الشاشة".

عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء، 2005، 108 ص.

نافذة "قرأت لكم"، 5 ماي 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال