هاني نسيره، منشورات الأهرام، القاهرة، يونيو 2008، 55 ص.
1- بمقدمة الكتاب، يقول المؤلف: "رغم وجود رؤية غالبة بأن الحرب على الإرهاب، في جزء كبير منها، هي حرب أفكار في المقام الأول، إلا أن هذه الحرب لا زالت بحاجة للكثير من الأدوات والوسائل، التي يمكنها أن تفكك المنطلقات الفكرية، والمقولات الأيديولوجية، التي تمثل معا خطاب ومرجعية كثير من التنظيمات الجهادية المعاصرة، وفي مقدمتها تنظيم/ شبكة/ أسراب القاعدة، أي الخلايا والمجموعات الصغيرة التي يتراجع فيها دور الهيكل القيادي بشكل بعيد".
ويتابع القول بأن "المرجعية الفكرية للقاعدة تمثل المشترك الفعلي والفاعل، بين تنظيماتها وأسرابها المختلفة الآن، في ظل تراجع هامش الحركة المتاح لقيادة التنظيم، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الأمر الذي يعلى من قيمة وفاعلية المرجعية الفكرية، في توجهاتها وفاعليات التنظيم، كنظام فكري محدد الأهداف والوسائل، في التجنيد لعناصره، والتبرير لممارساته".
إن القاعدة قد تحولت، يؤكد الكاتب، من تنظيم إلى شبكة، ثم من شبكة إلى حالة قابلة للتقصي، أو من التوجهات العالمية، إلى الإقليمية والمحلية، "عبر إنشاء وإقامة فروع لها في عدد من المناطق، مثل الجزيرة العربية والمغرب العربي وبلاد الرافدين وأوروبا، أو استهدافها لمناطق أخرى، شأن لبنان ومصر، على نحو يمكن معه التأكيد على أن التصورات والقراءات الكلية، تهيمن في كثير من الأحيان على تحليل الظاهرة، ولكن تظل صحتها غير كاملة، في غياب دراسة خصوصية كل حالة".
ويبدو للمؤلف أن الوقت، الذي يمكن القول فيه "بنهاية الإرهاب القاعدي، ليس قريبا، على المستوى الفكري والإيديولوجي"، سيما مع تزايد نشاط التجنيد والفعل، وتوافر مناخ عالمي وإقليمي، لا يزال يسهم بقوة في تخصيب أفكاره، من قبيل الصراع العربي/الإسرائيلي، والتأزم القائم بالعراق، ناهيك عن عصي استنبات الديموقراطية بالعالم العربي، وتعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تطاوله، وما سوى ذلك.
2- إن المؤلف، في حديثه عن فكر وسلوك القاعدة، لا يعتقد بالمرة أن عملها عشوائي، "تقوم به مجموعة من اللاعقلانيين، الذين يكرهون الحداثة وأسلوب الحياة المعاصرة، أي أنه مجرد فكر عدمي وفوضوي لا أساس له"، بل يرى أن في ذات القول، نفيا للسياقات الفكرية والثقافية والسياسية الثاوية خلفه، والممهدة له في السبل، واعتقادا بأن القضاء عليه، يمكن أن يتأتى من الحل الأمني أو العسكري، المرتكز على أطروحة الحرب الاستباقية أو الوقائية أو ما سواها.
إن القول بعدمية ومجانية "الفكر الجهادي"، ليس دقيقا برأي المؤلف، ليس فقط لأن من شأن ذلك إقصاء فرضية حدوث تغير داخل القاعدة أو التنظيمات الإرهابية عموما، ولكن أيضا لأن القاعدة ذاتها، أثبتت قدرتها على التكيف مع المستجدات، لدرجة تحولها من "شبكة مركزية نسبيا، إلي منظومة بدون هيكل قيادة واضح"، ثم إلى "حالة"، تلهم الجماعات المتشددة شرقا وغربا، بإطار خلايا نائمة غير ممركزة، قد يقوم على قيادتها أفراد "تربوا في عمق الحداثة وبين ضفافها"، لكنهم يعملون بالباطن، بظل إيديولوجيا ما يسمى ب"السلفية الجهادية".
إن هذه الأخيرة (السلفية الجهادية) قد نجحت بامتياز، يقول الكاتب، " في الدمج بين التوحيد بمعناه الحنبلي الجديد، كما أسسه ابن تيمية، وفصله ابن عبد الوهاب والمدرسة السلفية، وبين حاكمية قطب، ذات الطبيعة الفكروية. كما أنها نجحت في الدمج بين تجربة الجهاد الأفغاني، في جهاد العدو البعيد، وبين جهاد الأنظمة القطرية، العدو القريب، حسب تصنيفاتها"، على أن المشترك الناظم هو كراهية الحداثة الغربية، لدرجة الرفض.
3- لقد مثلت السلفية الجهادية، بنظر الكاتب، جسر التواصل والالتحاق بالقاعدة من قبل الجماعات والتيارات الجهادية الأخرى، "التي ارتضتها كمرجعية ورؤية، لتعلن انضمامها للقاعدة فيما بعد، مثل انضمام أبي مصعب الزرقاوي وتنظيمه في العراق للقاعدة، بعد فترة من بدء نشاطاته، أو محمد الفيزازي وتنظيمه في المغرب، أو أبي مصعب أبي داود وتنظيمه الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر، الذي تحول إسمه إلى تنظيم القاعدة في المغرب العربي".
إن الروافد الفكرية للسلفية الجهادية، هي بنظر الكاتب، مزيج من فتاوى ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب والمدرسة الحنبلية، وأيضا من طروحات سيد قطب وأبو الأعلى المودودي، فيما يتعلق بالحاكمية، التي على أساس من استحضارها بنى بعض السلفيين (حزب التحرير تحديدا) تصورهم للديموقراطية، بارتباط ومفهوم الخلافة وبناء الدولة الإسلامية، وكذلك تمثلهم للاتفاقيات الدولية والقانون الدولي عموما. على أن ما يميز هؤلاء عن الحركات المتشددة، إنما الموقف من التغيير بالأدوات العنفية، والارتكاز على التغيير بالقوة.
إن السلفية الجهادية، بمقولاتها وبناها، ليست، بنظر الكاتب، "إلا خليطا منسجما من القطبية الجهادية والوهابية، أي من حاكمية سيد قطب، وتوحيد محمد بن عبد الوهاب. ورغم أن طرح السلفية الجهادية أسبق من تأسيس تنظيم القاعدة نفسه، وكان مخاضه بشكل واضح في صفوف العرب الأفغان، وبعد حرب الخليج الثانية سنة 1990، وصعود دعوى أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، إلا أن بلورتها الحقيقية قد تجلى في تكوين التنظيمات الجهادية، التي ضمتها القاعدة فيما بعد، وهي السعوديون الأفغان ذوو المشارب الوهابية، وجماعة الجهاد المصرية ذات المشارب القطبية، وهو ما يجعل التقاءهما معا في هذا السياق، أمرا طبيعيا وليس مفاجئا، لينتج نظاما أيديولوجيا مختلفا ومتمايزا عن مكوناته السابقة، تزيده منهجياته وآلياته السلفية حدة وصرامة في الحكم، كما تزيده مقولاته الفكرية القطبية الجهادية، قدرة أكثر على التأويل والمعارضة والتبرير، وحضور التوجه النقدي والسياسي للواقع الدولي والإقليمي".
السلفية الجهادية، من هنا، ليست نتاجا خالصا للفكر القطبي، حتى وإن تقاطعت معه بالجانبين العقدي والفقهي، وأخذها منه لفكرة الحاكمية، إنها صاحبة صياغة "سلفية تاريخية، تستلهم التصور العقدي والفقهي السلفي، كما تأسس عند تلاميذ ابن تيمية وابن عبد الوهاب". والسلفية الحنبلية والوهابية كانت مرجعية أوسع، نتجت عنها السلفية الجهادية، مع بعض التأويلات والتلوينات القطبية الحاكمية، والواقعية.
هذه السلفية هي سلفية بالوسائل والمنهجيات، لكنها حاكمية بالغاية، "والحاكمية مركز دائرة التوحيد، وأخص عقائد توحيد الألوهية في تصورها، بينما تعتبر الجماعات الجهادية الأخرى، شأن جماعات الجهاد والتكفير والهجرة والجماعة الإسلامية قبل المراجعات، حاكمية قطبية ابتداء وانتهاء، ولا تحضر فيها المقولات والأسانيد السلفية إلا من باب الاستئناس والقرائن، وليست الأساس الذي تقوم عليه".
من هنا، فإن الأسس الفكرية لما يعرف بالسلفية المعاصرة، إنما تتمثل، برأي المؤلف، في التسليم والاستسلام لنصوص الكتاب والسنة، وتفسيرها بلا تأويل ولا هوى، وأن الأصول ثلاثة هي الكتاب والسنة وإجماع الأمة، واعتبار أهل القبلة مسلمين مؤمنين، ماداموا بما جاء به النبي (ص) معترفين ومصدقين، والتبرؤ من أهل الأهواء والبدع والتأويل من المشبهة والمعطلة، الذين يأخذون الدين بالعقل أو بغير سنة الاتباع، عند الصحابة والسلف الصالح. أما في مسائل الطاعة والخروج والسلطان والجماعة، فيستشهد المؤلف بالطحاوي حين يقول: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل".
بخصوص النقطة الأخيرة، يقف السلفيون الجهاديون، "رافضين إنزالها على الحكام المعاصرين، وأن المقصود في كتابات السلف هم الحكام المسلمون، حيث كانت الشريعة حاكمة، أما حكام العصر الحاضر فليسوا كذلك". وبهذه النقطة أيضا، يعتبر تكفير الأنظمة الحاكمة بالعالم العربي والإسلامي، المشترك الكبير بين السلفية الجهادية وبين الجماعات الجهادية الأخرى، حتى أن الدكتور عبد الله عزام كان يقول: " هذا الدين جاء بالسيف، وقام بالسيف، ويبقى بالسيف، ويضيع إذا ضاع السيف، وهذا الدين دين هيبة..دين رهبة، دين قوة، دين صولة، والضعف فيه جريمة، يستحق صاحبها جهنم".
يؤكد منظرو السلفية الجهادية على مقولات عدة، من قبيل صراع الحضارات، باعتباره حقيقة وواقعا، فضلا عن كونه سنة ربانية، هي سنة التدافع بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وأنه القانون الوحيد للتعامل مع غير المسلمين، حتى يسلموا. وتمثل هذه المبادئ والأسس، العلامات المميزة للنظام المعرفي للسلفية الجهادية، الذي تمايز تمايزا كليا عن رافديه الأساسيين السلفية التقليدية والقطبية، ويقطع كلية مع غيره من الحركات الإسلامية الأخرى، بدءا من الإخوان المسلمين حتى مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر، أو غيرهما من الحركات.
4- هناك أربعة مفاهيم كبرى تؤثث، بنظر المؤلف، فكر السلفية الجهادية:
+ مفهوم التوحيد، وهو مفهوم مركزي في النظام السلفي عموما، ولكنه يأتي متمايزا في خطاب السلفية الجهادية عن سواه، "متماهيا مع مفهوم الحاكمية القطبي بشكل بعيد". ولمفهوم الحاكمية، بنظر الكاتب، أبعادا متعددة، فهو يتجلى سياسيا في رفض الحكم بغير ما أنزل الله، وتكفير الحاكمين والقوانين الوضعية، بينما يتجلى اجتماعيا في التصور الحاكمي للمجتمع، الذي صارت تسكنه ما يسمى "الجاهلية" الجديدة.
وتلتزم السلفية الجهادية نفس التقسيم النظري للسلفية الوهابية والتيمية التقليدية، للتوحيد وهي: توحيد الإلوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهي الشق النظري الذي تشترك فيه جميع المدارس السلفية بالخصوص، وهو تقسيم خاص بالمدرسة السلفية منذ عهد ابن تيمية حتى الآن. وتربط السلفية الجهادية بين التوحيد والجهاد، إذ التوحيد غاية، والجهاد من وسائل تحقيقها.
+ مفهوم "دار الإسلام ودار الكفر"، ويتجاوز السلفيون الجهاديون من خلاله، التصور السائد والتقليدي لمفهومي "دار الإسلام ودار الكفر"، بأن الأولى هي من أهلها مسلمون، وأن الثانية هي من يكون أهلها كافرين، مؤكدين على أهمية الغلبة لأحكام الإسلام، بما معناه أن لا اعتبار للأهل ولدينهم في هذه المسألة.
+ مفهوم "الجهاد طريق التوحيد"، أي أن الجهاد قد شرع من أجل التوحيد، اعتبارا لقول عبد الله عزام: " إن من ذهب إلى الجهاد عاد بغير القلب الذي ذهب به".
+ مفهوم "الولاء والبراء"، بما معناه موالاة المؤمنين ونصرتهم، والتبرؤ من الكافرين ومعاداتهم. إلا أن السلفيين الجهاديين يلحون على أن البراء لا يقف عند الكراهية، بل يمتد إلى ضرورة التكفير، ويكتبون في تقعيده وأهميته خاصة فيما يخص الأنظمة الحاكمة في المنطقة، التي توصف عندهم بالطواغيت.
+ مفهوم "الطاغوت"، وتكاد تقصره السلفية الجهادية على الحكم بالقوانين الوضعية، والحاكمين بها من الأنظمة الحاكمة في العالمين العربي والإسلامي. يقول الشيخ محمد حامد الفقي: "القوانين نفسها طواغيت، وواضعوها ومروجوها طواغيت".
5- بجهة المراجعات، يلاحظ الكاتب أن "قيمة أي مراجعة تنظيرية وتأسيسية وفعاليتها، أن تأتي نقدا ذاتيا، لما سبق أن وضعه المراجع في مرحلته السابقة، بتفكيك مفاهيمه السابقة وقناعاته، التي سبق أن دعا إليها أو أسس لها، وهي ليست عيبا أو تراجعا، يعاب صاحبه، من قبل رفاقه، بالمعنى السلبي، لكنها فضيلة تحسب لمن يقدم عليها، وهي قديمة في تراثنا، كما أنها مستمرة في فضائنا الإسلامي المعاصر، وهي ليست محصورة في الحركات الجهادية والعنفية".
ويلاحظ الكاتب أيضا أنه "من أشهر هذه المراجعات ما كان من أبي الأعلى المودودي، وموافقته للشيخ أبي الحسن الندوي، في نقده لتفسيره السياسي للإسلام، في كتابه الذي صدر في نهاية السبعينيات، قبل وفاة المودودي، وتعرض فيها للمفاهيم المركزية التي نحتها المودودي، وتابعه فيها سيد قطب، ثم سائر الجماعات الجهادية المعاصرة، وخاصة مفهوم الحاكمية والدين والعبادة والألوهية، وهي المفاهيم التي أعاد المودودي وقطب صياغتها صياغة جديدة، تتفق ومركزية مفهوم الحاكمية، الذي جعلاه أصل الدين، ومناط تحقيق الإيمان والكفر، وهناك أيضا المراجعة التي قام بها حسن حطاب، مؤسس الجماعة السلفية للدعوة والقتال".
ولعل من أشهر المراجعات، التي راهن عليها البعض في أوساط عديدة، مراجعة الأردني أبي محمد المقدسي، والذي يتصدر التنظير والتوجيه الفكري والروحي للقاعدة والسلفية الجهادية، والمعلم الروحي للراحل أبي مصعب الزرقاوي (المقدسي مسجون حاليا بالسجون الأردنية).
وهناك مراجعات عبد القادر بن عبد العزيز، الذي دونها في خمس عشرة حلقة، تحت عنوان "وثيقة ترشيد العمل الجهادي" (وهي برأي المؤلف دعوة لوقف العمل الجهادي)، والتي "يحذر فيها الشباب من فكر القاعدة، الذي يروجه حسب تعبيره جهال، ليسوا أكثر من أبطال للإنترنت، يمارسون تحريف الكلم، بل وزاد في وصفهم أخلاقيا، بأنهم عملاء للمخابرات وزعماء ميكروفونات".
ثم هناك مراجعات الدكتور فضل، والتي ساهمت في خلخلة عنيفة للفكر السلفي الجهادي، لكنها لم تمثل هدما له، برأي الكاتب.
من هنا، يخلص المؤلف إلى استخلاصات أساس، لعل أهمها قوله بعدم تهويل أثر هذه المراجعات، أو التهوين منها. إنها "في حاجة لتجاوز دائرة الخصومات، والدوافع الواقعية والفكرية، لدائرة الفكر وإعادة التأسيس، هدما ثم بناء مختلفا، يحمل روح الداعية الأمير لشيء مختلف".
بالتالي، فإن الدلالة الكبرى لهذه المراجعات، يقول الكاتب، هي دلالة "أنه لا يمكن أن يكون العنف خيارا مؤبدا وملتزما للجماعات التغييرية من مختلف مشاربها، وأن التاريخ والواقع سيظل يمارس فعله واقتداره على الأيديولوجيات الانقلابية عليه، حتى تنجح في تطويعه أو تطويره، وهذا ليس انهزاما أمام الواقع ومنتجاته، قدر ما هو تصالح مع الواقع، التحاما به من أجل تغيير أكثر رحابة وإمكانية".
إن قيمة أي مراجعات للفكر الجهادي والعنفي، يقول هاني نسيره، "تظل قيمة فكرية، تحدث أثرها ببطء، وتحتاج لموجات تتابعها، وحملة من صاحبها قبل غيره، في نقد تأسيساتها وروافدها التاريخية والمعاصرة، وهو ما قد يساعد ويظل أثرها فكريا، لا يمتد نحو إحداث خلخلة فكرية حقيقية في فكر" هذه الجماعات.
نافذة "قرأت لكم"، 23 أكتوبر 2008