تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"عن التواطؤ بالسوق في المغرب"

التواطؤ في اللغة هو التآمر بنية الإضرار بالغير. وهو، من الزاوية الأخلاقية، إثم أو ذنب يعاقب عليهما القانون. ثم هو، من وجهة النظر الفقهية، اتفاق سري بين طرفين ضد طرف ثالث. وهو بنظر الاقتصاد الصناعي، اتفاق بين متنافسين، سري وحصري.

بالحالات جميعا، نحن بإزاء اتفاق، صريح أو مضمر، على امتطاء ناصية سلوك يكون في أصله وفصله، مبنيا على توافق وموافقة، قد يستشفه المرء بالمعلومة الموثقة الثابتة، وقد يستقرئ مظاهره وتجلياته بالحدس والاستنتاج.

بيد أن التواطؤ لا يتقاطع فقط مع الفعل. إنه يتقاطع مع النية على الفعل أيضا. وهي نية، الأصل فيها غالبا ما يكون الخداع أو التضليل أو الاحتيال أو التحايل على بنود في القانون يمنع ذات السلوك، وقد يذهب حد تجريمه بالجملة والتفصيل.

يعنينا هنا حصريا أمر التواطؤ بالسوق، إذ قد لا يكون لباقي أشكال التواطؤات كبير وقع على دورة رأس المال، ولا على مستويات فائض القيمة المترتبة عنها، دع عنك التداعيات عندما تكون السلعة وسيطا لإنتاج السلعة، أو تكون السلعة إياها قد أتمت دورتها نهائيا بمحطة الاستهلاك.

ومعنى السوق الذي نقصد في هذا المقام، ليس ذاك الفضاء الواقعي الذي يتدافع من بين ظهرانيه الفاعلون الاقتصاديون من منطلق المبادرة الفردية الحرة، أو تتحدد عبره ومن خلاله مستويات في الأسعار لا يسري عليها إلا ما تستوجبه ثنائية العرض والطلب.

معنى السوق هنا يتجاوز ذاك الفضاء، لأنه لا يستطيع أن يجب دور فاعلين يقومون مقام السوق في فرز عروض الصفقات الكبرى، ولا تجاهل مصالح مستويات عليا في السلطة، لها من أدوات الابتزاز ما يتجاوز السوق نفسه، ولا غض الطرف عن وسطاء لهم بالعملية نصيب، وإلا لضاعت الغنيمة برمتها بجريرة احتراب لا مصلحة لأحد فيه.

التواطؤ في هذه السلسلة قائم، لكنه مضمر وخفي، لا يمكن للمرء أن يلمسه أو يعاينه إلا عندما يتمظهر بالسوق، إما في منسوب المنافسة الدائرة رحاها بين المتنافسين، أو من خلال وضعية احتكار يكون فاعلوها قد حاصروا السوق مسبقا ولغموا كل جنباته.

بيد أن الوقوف عند الفارق بين الحالتين أمر أساس، لا يستوجب الإطناب كثيرا:

°- في حالة المنافسة، من النادر أن نقف عند حالات تواطؤ فجة، حتى وإن أمكنها أن تكون عن بعد، ومن الباطن فضلا عن ذلك. إذ كثرة الفاعلين المتدخلين غالبا ما تحول دون التنسيق فيما بينهم جميعا، أو تجعل من عملية التنسيق نفسها عملية معقدة ومكلفة، لا تستطيع استقطاب الكل، فما بالك ضمان اصطفافاتهم، لتقاسم السوق أو لتحديد منسوب العرض وجودة المعروض، أو لتثبيت الأسعار في مستوى معين...إنهم يشتغلون باستراتيجيات تقيس على الحد الأدنى، وإلا فهي حروب الأسعار التي لا تبقي لا تذر.

صحيح أن المنافسة الشديدة بالسوق تقوض سبل التواطؤ، أو لنقل تعمل ضمنيا على محاصرة مفعولها، لكنها قد لا تحول دائما دون بروزها، لا سيما لو تسنى لقوى خارجية (سلطة أو وسطاء) أن تتدخل بغرض التصدي لتهاوي الأسعار، أو الحؤول دون احتمال أن تؤدي العملية إلى إفلاس المقاولات، ومن ثمة إلى كساد في السوق يدمر البنية والبنيان.

°- أما في حالة الاحتكار، فإن التواطؤ وارد وشبه مؤكد، حتى وإن تمظهر بالسوق على شكل منافسة احتكارية مؤقتة، نادرا ما تنشب بين القلة المتحكمة في مفاصل السوق، ثم سرعان ما يتم تداركها بسرعة، بالتنسيق المباشر أو من خلف ستار.

التواطؤ هنا يتساوق مع الاحتكار، إذ بالبناء عليه يتم توزيع السوق إلى حصص بين المحتكرين، وعبره يتم "تحديد" الأسعار في مستويات تضمن التحكم في العرض بما يناسب تركيز فائض القيمة، وعن طريقه يتم استنتاج من هو صاحب المصلحة حقا في أن يبقى السوق على غير طبيعته. يبدو الأمر هنا كما أن العلاقة بين التواطؤ والاحتكار هي علاقة جدلية بامتياز...هذا ينفخ الروح، وذاك يكسيها ويخرجها في الصورة التي أراد.

قد لا تتدخل الدولة، بل قد نجدها تتواطأ هي الأخرى مع أصحاب الاحتكار، لا سيما إذا تبين لها أن في الأمر منفعة لخزائنها مباشرة، أو أدركت أن بعضا ممن يدور في فلكها "مستفيد"، أو لأن لوسطائها بالسوق "يد تنوب".

لا يأخذ التواطؤ، في حالة الاحتكار، شكل اتفاق معلن أو التزام مصرح به، وإلا لما اتصف بالخداع والتضليل والتحايل على القانون. إنه اتفاق مستتر وموافقة من الباطن، يتمان في غرف مغلقة، بمنأى عن الأنظار.

أن يمتنع منافس عن المشاركة في مزاد ما، دون مبرر أو سابق إنذار، هو إعمال للنية في أن ترسو الصفقة على جهة تكون هي طرف التواطؤ الثاني. وأن يعمد منافس ما إلى صياغة عرضه للأثمان على هذا النحو دون ذاك، هو تواطؤ لفائدة الجهة المراد تثبيت المزاد عليها ولفائدتها.

أما أن يصاغ دفتر التحملات على مقاس هذا المنافس ضدا على قانون المساواة أمام الصفقات، الصفقات العمومية في هذه الحالة، فذاك تواطؤ قد يلمس المرء السر خلفه، لكنه لا يستطيع أن يحدد دهاليز من سيكون له بالصفقة إياها حصة.

وسواء تعلق الأمر بمنافسة قد يتم إفسادها، أو بحالة احتكار يتم العض عليها بالنواجد، فإن التواطؤ مذموم أخلاقيا، وفي أدنى تقدير منهى عنه، دع عنك منعه أو تجريمه بالقوانين والتشريعات. إنه مفسدة للحق في المنافسة، وضرب في عمق النصوص التي ترعاه وتحميه، إذا لم يكن بكل المذاهب الاقتصادية، فعلى الأقل في ظل الليبيرالية السياسية واقتصاد السوق المفتوح.

ولذلك، فإذا لم تكن "اليد الخفية" بقادرة على تطويعه وتحجيم مداه، فإن المفروض أن يكون لأجهزة الدولة رأي، بجهة لجمه وردعه، إما مباشرة أو عبر تشديد الرقابة عليه، أو بصورة غير مباشرة من خلال خلق مستويات مؤسساتية تعمل على تقويضه، أو تحول دونه ودون ظروف استنباته وبروزه.

وعلى الرغم من إخراج مجالس عليا في المنافسة، تمت المراهنة عليها للجم الاحتكار ومنع أشكال التواطؤات المترتبة عنه أو الثاوية خلفه، فإن النتائج على أرض الواقع غالبا ما لا تتساوق مع الأهداف المتوخاة.

المسألة هنا لا تكمن في وجود تواطؤ ما، بخصوص حالة الطلبات المشتركة للمزادات، أو وضعيات تقاسم الحصص بالسوق أو آليات تحديد مستويات أسعار السلع والخدمات. المسألة في كيفية إثبات أن ثمة تواطؤا حقا بخصوص هذه الحالة كما تلك.

من غير الوارد أن يتعاون المتواطئون مع المحققين، إداريين كانوا أم لجان برلمان أم مجالس منافسة أم هيئات قضائية حتى. نتحدث هنا عن الإثباتات المبنية على حجج مباشرة، تكون متأتية من محاضر اجتماعات المتواطئين، أو من وثائق متضمنة لبعض عناصر التواطؤ، أو لمراسلات داخلية بينهم أو لتصريحات تستشف منها استنتاجات، أو ما سواها.

يتعذر، والحالة هذه، أن يقف المحققون على عناصر "إدانة" صلبة، اللهم إلا بتركيب المعطيات أو بإعادة تمثيل عناصر التواطؤ، انطلاقا من معطيات إحصائية ومحاسباتية مشتتة هنا وهناك.

أما الحجج غير المباشرة، فغالبا ما تكون ذات طبيعة اقتصادية خالصة، قد تشير في أقصاها إلى وجود عمليات تنسيق بين المحتكرين، لكن دونما سبل للخلوص إلى استنتاجات دامغة بخصوص حالة الاحتكار المطلقة، فما بالك بتواطؤ أصحابه.

المرجح، في الحالتين معا، أن يتم إعمال التركيب الدقيق بين ما هو مباشر وما هو غير مباشر، إذا لم يكن بغرض إدراك الغاية كاملة، فعلى الأقل تلمس بعض عناصرها الكبرى المحيلة على "الحقيقة".

ومع ذلك، فإن الدلائل الاقتصادية غالبا ما تكون قاطعة بجهة تحديد وضعيات التواطؤ والاحتكار، لأنها تحتكم إلى طبيعة السلوك بالسوق. إنها تفيدنا عن حالات توازي الأسعار، وعن دواعي الأرباح المبالغ فيها، وعن سبب استقرار نصيب كل محتكر من السوق وعن مستوى تمركز السوق، وعن منسوب الحواجز والمتاريس التقنية "الموضوعة" لولوج السوق، وعن درجات الاندماج العمودي بين الشركات، بسلع لديهم متشابهة أو بسلع حصرية، للأقلية القليلة فقط صفة "المتصرف فيها".

هي مداخل بالإمكان الارتكان إليها لتحديد حالات التواطؤ، ولرسم مسارات ما يمكن أن تقوم به وعليه مجالس المنافسة مثلا. بيد أن منسوب استقلالية هذه الأخيرة يبقى على المحك، من زاوية من يحدد مواثيقها، ومن يعين رئيسها وأعضاءها ومن يمول ميزانيتها، ومن يقبل بها سلطة تقدير وتقرير. إذا لم تحترم الشروط الدنيا في ذلك، فسنكون حتما بحالة "استقطاب للمقنن"، تتحول المجالس إياها بموجبه إلى مؤسسات صورية، لا يعتد بها.

هل يمكن البناء على ما سبق لإعمال فرضية التواطؤ في بعض "مناطق" السوق بالمغرب؟

بكل تأكيد. إذ هيمنة ثلاثة أو أربعة فاعلين على سوق المحروقات مثلا، يشي بحالة احتكار قصوى، تضمر تواطؤا لا لبس فيه من باطنها، وإلا فما معنى أن تلجأ مجتمعة إلى رفع الأسعار بنفس التوقيت وبنفس الوتيرة؟ ثم ما معنى تواطؤها، ورئيس الحكومة ضمنها في تضارب للمصالح صارخ، للإبقاء على شركة لاسامير في حالة عطالة موسمية، مع إدراكهم الأكيد أن في تشغيلها بعض من عناصر الحل؟

يستوي التحليل ذاته إن نحن أعملناه على "سوق" الحليب، إذ أدى احتكار القلة القليلة للسوق إلى رفع أسعاره مؤخرا، بالتوازي، بنفس النسبة والوتيرة، مع العلم أنه لم يكن ثمة ما يستدعي ذلك حقا على مستوى الكلفة أو التخزين أو التسويق.

نقول الشيء نفسه عن سوق الزيوت وسوق السيارات، حيث تتواطأ القلة للحصول على توكيلات من شركات أجنبية كبرى، تضمن لها احتكار الاستيراد والتسويق، ومن ثمة "التصرف" في السوق بمنطقها هي لا بمنطقه.

أما ما يجب على مجلس المنافسة القيام، فتلك مسألة أخرى.

يمكنكم مشاركة هذا المقال