تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"فيما بين السوق والأخلاق بالمغرب"

لنسلم جدلا بأننا في المغرب بإزاء سوق من طبيعة ما، حتى بفرضية تسليمنا ألا أثر كبير لاقتصاد في السوق، بمرجعيته الليبرالية المتعارف عليها وبآلياته في التراكم والإنتاج وتصريف فوائض القيمة. ولنسلم أيضا بأن بعض روافد السوق إياه تخضع في جزء منها لمبادئ في الأخلاق مستوحاة من مصادر عدة، لعل الدين أقواها على الإطلاق، بما هو ملهم للعديد من العقود ومقنن للعديد من الالتزامات.

بيد أن الطرح لا يستقيم دائما في حال تم وضع السوق والأخلاق وجها لوجه، للنظر في مدى تأثير هذا في تلك، أو مكانة تلك ضمن منظومة لا ترى في السوق إلا فضاء للكسب والتربح، دونما الاحتكام إلى وازع أخلاقي ما، يحد من الاندفاعات أو يردع التجاوزات.

ومع أن السوق مستوى والأخلاق مستوى آخر، من زاوية المرجعية والمقام والوظيفة، فإنهما يحيلان على بعضهما البعض، تارة بالإيجاب وتارات أخرى بالتضاد والممانعة:

°- يتقاطع السوق مع الأخلاق إيجابا، عندما تكون المنافسة شريفة، والتدافع بين الفاعلين تلقائيا ومؤشرات تحديد الأسعار وجودة السلع والخدمات خاضعة لمنطوق العرض والطلب ولمستوى في الربح مقبول اجتماعيا، وغير مضر بدورة التراكم أو الاستثمار.

لا يتوفر عارض السلعة ومقتنيها على نفس المعلومة لإتمام عملية التبادل (سلعا كانت أو قوى إنتاج)، ولا يملكان من العقلانية ما يجعلهما يتفاوضان مباشرة لتصريف فائض القيمة المتاح. بيد أنهما يتفاعلان احتكاما إلى موازين في القوى، لا يحق لأحد منهما أن يحولها إلى وضعية احتكار زمن الندرة، أو إلى وضعية ابتزاز في حالة وفرة المعروض.

الأخلاق هنا ضرورة اقتصادية خالصة، وليست بأي حال من الأحوال مثلا، أو فضيلة أو مواقف ذاتية لا تتغير. إذ عندما يتم الحديث مثلا عن "أخلاق السوق" من منظور مواثيق السلوك الأخلاقي، فإنما لتكون عقدا و"عهدا" لضمان نسقية السوق، وللحيلولة دون أن يتجاوز هذا على ذاك، أو يتجاوزه من خلال غض الطرف على قواعد في اللعب مرسومة.

°- ويتقاطع السوق مع الأخلاق أيضا من منظور ألا شيء يسمو على الأخلاق، إذا لم يكن في المطلق العام، فعلى الأقل من باب كونها الوازع الذي يضع الحدود بين ما هو مقبول في السوق، وما هو غير جائز في سلوك الأفراد.

صحيح أن المجال التداولي للسوق ليس هو المجال التداولي للأخلاق، إذ سلوك الأفراد يبقى من صلب السوق، على عكس الأخلاق التي تعتبر عاملا خارجيا، دخيلا وقد لا يتم استحضاره دائما كوازع لتنظيم العلاقات بين الفاعلين.

والدليل أننا لا نستطيع ونحن "في حضرة" السوق، أن نقيس الأمور بمقياس ما هو أخلاقي وما هو غير ذلك، بل بمقياس من من سلوك الأفراد يحترم القانون وقواعد اللعبة ومبادئ المنافسة في التدافع، ومن منه لا يتساوق في سلوكه مع ذلك. المعيار هنا هو بين من يراهن على السمو بالمنافسة، وبين من لا يجد حرجا في الإضرار بها.

القصد، والحالة هذه، أن السوق ليس ذاتا قائمة حتى نخضعها لمبدأ الأخلاق، أو نطالب فاعليه بأن "يكونوا على خلق". بالعكس، يقول البعض، إذ "نحن الذين يتعين علينا أن نكون أخلاقيين" وليس السوق. بما معناه حتما أن السوق هنا هو معطى حيادي، على النقيض تماما من سلوك الذوات التي تتغيأ تعظيم المصلحة، حتى وإن شارف الأمر على الإضرار بمصالح الآخرين، فما بالك بالمصلحة العامة، إن نظر إليها في كونها مجرد مجموعة من المصالح الفئوية الخاصة.

وعليه،  فإن الاحتكار مثلا أو الوضعية الاحتكارية (وهي حالة مدانة أخلاقيا بالمحصلة العامة)، ليست إفرازا للسوق باعتباره فضاء "مجردا" للتبادل، مبني على المنافسة وتدبير ثنائية العرض والطلب، بل هي إفراز لسلوك فاعلين به، لم يلتزموا بالقواعد القائمة وفرضوا سلوكا، لا يكتفي السوق برفضها، بل يلفظها من تلقاء ذاته، لأنها ليست من طبيعته ولا هي من المقومات الكبرى التي انبنى وينبني عليها.

°- ويتقاطع السوق مع الأخلاق أيضا من زاوية مقام الحرية لديهما. إذ للسوق نصيب من الأخلاق، قل أو عظم، وللأخلاق معيار سمو قيم الحق والواجب باعتبارها قيما فضلى، لا عمران بشريا بدونهما. عندما يتحدث ماكس فيبر عن الأخلاق في نشأة الرأسمالية وتطورها، فهو يشدد على مبدأ الحرية بالسوق، ويلاحظ أن تطور الرأسمالية "يستدعي من الناحية المبدئية، روح الأخلاق".

هذا في القياس العام. أما إذا قسنا ذلك على ما يجري بالسوق في المغرب، فغالبا ما نعاين سلوكات لا تحيل على السوق في منطوقه ولا على الأخلاق في روحها:

°- أولا: نكاد لا نعثر على مثقال ذرة من اقتصاد السوق، لكننا لا نستطيع أن نتغافل عن تقدم العديد من مظاهر اقتصاد الفساد. الطرح هنا ليس طرحا ذاتيا، يروم إدانة سلوك بات شاملا وعاما، بل هو معاينة لمكامن منظومة باتت تصادر مقومات السوق ومفاصله، لاستصدار فائض القيمة وتحريفه عن دورة التراكم والاستثمار وتوزيع الفائض. الفساد هنا ليس حالة معزولة، بل آلية تنخر السوق من الداخل، لتغيير مرجعيته وتثبيت آليات لا يعنيها الإنتاج، بقدر ما تهتم بفائض قد يكون متأتيا من موقع وساطة ليس إلا.

والدليل في ذلك، أن العديد من أسعار السلع والخدمات لا تحدد مستوياتها من داخل السوق وعلى أساس من معاييره، بل تحدد من خارجه امتثالا لنزوعات "فاعلين" دخلاء، لا وازع أخلاقيا يردعهم، أو يثنيهم عن ركوب ناصية سلوك يضر بالسوق وتتضرر مصالح الناس في أعقابه أو بجريرته .

هل يخضع "سوق" المحروقات مثلا لمقياس العرض والطلب؟ هل الوضعية الاحتكارية التي تم سنها "بقوة النار والحديد"، تتماشى مع ما يرتضيه السوق أو يقبل به الفاعلون؟ هل ثمة أثر لوازع أخلاقي ما، يحول دون تضرر العامة إن تعاظمت مكاسب خاصة الخاصة؟

°- ثانيا: الريع. هو امتداد طبيعي لاقتصاد الفساد، لا بل قل هو أحد مقوماته الأساس. الريع هنا لا يقتصر على ما تقدمه السلطة لبعض فاعلي السوق (وقد يكون هؤلاء من "أهل" السلطة مباشرة أو من محيطها) لضمان التحكم في السوق، بل يذهب بها الحد لدرجة منحهم من الامتيازات والاستثناءات والإعفاءات ما يجعلهم يحولون بعض مرافق السوق إلى "ضيعات" حقيقية، تعمل على تثمين الأرباح وتوزيع التكاليف على العامة من الناس. هل من الأخلاق في شيء خوصصة الأرباح لفائدة القلة وتعميم التكاليف على الغالبية العظمى من الناس؟

ثم ما معنى أن تمنح رخص في النقل "خاصة" مثلا، فيما السوق محرر ومفتوح؟ ألسنا بإزاء حالة ريع خالصة تفسد آليات المنافسة، وتحول دون الولوج للقطاع؟ وما معنى أن تقدم استثناءات وإعفاءات لملاك أراضي كبار، لا لشيء إلا لأنهم يتوفرون على لوبيات وأدوات ضغط هنا وهناك؟ هل من المقبول أخلاقيا أن يتم التغاضي عن تضريب هؤلاء، فيكون من تبعات ذلك تضييع إيرادات ضخمة، لو تمت جبايتها لغطت تكاليف مشاريع تخلق الثروة، وتعود على الناس ببعض المنفعة؟

في الحالتين معا، يبدو الأمر، وهو كذلك دون شك، كما لو أن ثمة ممانعة بين السوق والأخلاق بالمغرب، قد يبلغ بها المدى حد التضاد والتعارض، فيتحول الناس في ظلها إلى وحوش يأكل بعضهم بعضا.  يخال لهؤلاء وأولئك أنهم مطالبون بإعمال الأخلاق في فعلهم واستحضارها في سلوكهم، باعتبارها مصدرا للقيم والفضيلة ومنهلا للمثل...أبدا. نحن نريدهم فقط، إن تعذر عليهم ذلك، أن يستحضروها كضرورة اقتصادية وكروح. حينها، ولربما حينها فقط، قد ننتقل درجة، فنسمو بالسوق إلى مرتبة اقتصاد السوق.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"، 06 يونيو 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال