تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في معنى تحرير السوق بالمغرب"

الأصل في السوق، أيا يكن السوق، هو الحرية: حرية الولوج إليه دون حواجز، وحرية الخروج منه دون تبعات، ثم حرية الفعل بداخله دون ضغوط، وحرية المبادرة من بين ظهرانيه دون تضييق.

هذا التمثل الطهراني للسوق لا يستقيم في كل الحالات، إذ السوق من هذا المنطلق يحيل صوبا على المنافسة، يتماهى في جوهره مع معايير العرض والطلب، يضمن "للمتبارين" حقهم الطبيعي في الكسب، ويعاقبهم بالخسارة إن هم أخطأوا التقدير.

 بيد أن ثمة من الفاعلين من يتحالف أو يتواطأ أو يناور لمصادرة حق الفاعلين في السوق، فيحوله إلى غنيمة لفائدته أو لفائدة نفر قليل وهو منهم بتحصيل حاصل، بالقانون تارة وبقوة الأمر الواقع تارات أخرى. هي حالة مؤقتة مقبولة إلى حد ما، إذا لم يكن من منظور الأخلاق، فعلى الأقل من زاوية أن الحالات الاحتكارية غالبا ما تتهاوى أو تتراجع أو تتوارى للخلف، لأنها استثناء شاذ وليست قاعدة يعتد بها في السوق.

الاحتكار بالسوق حالة طارئة حتى وإن نشأت من نطفته، أو ترعرعت بالتدريج من بين ظهرانيه، تحت نظر وبصر الفاعلين أو في غفلة منهم أو جراء مستجد، خدمة كان أو سلعة أو إبداعا تكنولوجيا، يخلخل آليات السوق المعتادة، ليعوضها بآليات جديدة، لا قبل للمنافسين بها ولا قدرة لديهم على مجابهتها، وإلا فالخروج الطوعي من السوق أو التأقلم تحت الإكراه، مع الواقع الجديد ولو إلى حين.

وهي حالة يمكن الاستدلال عليها بسوق المعلوميات مثلا، إذ بروز برمجية ما متطورة، قد يسهم في انكفاء البرمجيات المحتكرة للسوق، المهيمنة عليه، فيركن أصحابها للهامش، إذا لم يدفعوا إلى الإفلاس دفعا. يصبح صاحب "الاكتشاف" الجديد هنا هو سيد السوق، محتكره، على الأقل إلى حين بروز من ينازعه الوضعية وينزع عنه الصفة.

ثم إن محركا في البحث جديد، بمواصفات مستجدة وبمعايير متنوعة ومتقدمة، قد يدفع أكثر من محرك صاحب احتكار، إلى الانقراض في مدة وجيزة، بعدما كان متسيدا بالسوق، مهيمنا عليه لعهود طويلة مضت.

تنتفي المنافسة هنا وينحصر مداها، فتصبح "قواعد" الفاعل الجديد، هي قواعد السوق...لا بل ويتم التعامل معها باعتبارها كذلك، وعلى أساس ما تفرضه من موازين وتوازنات.

هل معنى هذا أن الإبداع التكنولوجي والتجديد العلمي مضر بالمنافسة؟...إلى حد ما، إذا لم يكن في المطلق العام، فعلى الأقل من باب أن دافع الإبداع التكنولوجي ذاته هو المنافسة، إذ تصميم خوارزميات جديدة مثلا، غالبا ما يأتي على خلفية منافسة ما هو قائم من خوارزميات ونظم. يركن القديم جانبا، وتتقدم الخوارزميات الجديدة لتتبوأ الصدارة بالسوق، فتحتكره من مدخل المنافسة، وترفع من مالكيها مقامات احتكارية لا يمكن تجاوزها إلا بمستجد أقوى وأنجع، وهكذا دواليك. هي دورة الإبداع إذن. تبدأ منعزلة بالمختبر والمصنع، لكنها سرعان ما تتحول إلى وضعية محورية بالسوق.

لا مجال هنا لإدانة الاحتكار، مادام الأصل فيه هو المنافسة. المدان حقا هو سلوك الهيمنة الذي قد يجنح إليه الوافد الجديد، فيزيح بجريرته كل مقومات المنافسة، بما فيها المنافسة الاحتكارية ذاتها.

ولذلك، نلاحظ أن البلدان الكبرى غالبا ما تعمد إلى سن تشريعات للحد من جبروت الاحتكار بالسوق، إما عن طريق تقسيم أنشطة المحتكر، أو تقليص قدرته على منع المنافسين الجدد من ولوج السوق، من خلال حواجز مصطنعة يضعها، أو مضايقات مكلفة يلجأ إليها، أو عبر الإدماج المباشر للمنافسين إن تعذرت باقي السبل.

تبدو الغاية هنا هي تحرير السوق (وهي كذلك فيما نظن)، ليس من المحتكر كفاعل أساس، بل من السلوك الاحتكاري الذي يتبناه، ومن تبعات ذلك على جودة السلع والخدمات المقدمة، وعلى مستويات الأسعار التي قد لا تخضع لمعايير التكلفة، بقدر ما تحتكم لمعيار الشطط المتأتي من وضع احتكاري قائم.

صحيح أن هذا التحليل لا ينطبق في الغالب الأعم، إلا على الأنشطة والصناعات المنظمة بطريقة شبكية، أو ذات الوظيفة المهيكلة للفضاءات الترابية، من اتصالات وسكك حديد ونقل جوي وغيرها، لكنه ينطبق أيضا وإلى حد ما، على القطاعات الاستراتيجية الكبرى التي تدريها الدولة مباشرة، أو تعهد بها وتفوض أمر تدبيرها إلى فاعلين خواص، أو لها عليها وصاية ما.

ولذلك، فعندما نتحدث عن تحرير السوق، فإنما نتحدث عنه من زاوية رفع وضعية الاحتكار عنه، وتخليصه من سلوك في الهيمنة يسهل على المستهلك معاينته على مستوى ثنائية الجودة والأسعار. ولذلك أيضا، فقد يقبل المرء، وإن على مضض، بالاحتكار كحالة صناعية واقتصادية، لكنه لا يستطيع مجاراته في سلوك الهيمنة الذي يفرضه بالسوق بقوة "النص"، أو جراء واقع حال استوجبه الإبداع التكنولوجي، أو استنبتته عوامل الندرة والخصاص.

لا ألمح في تحليلي هنا إلى طبيعة الملكية، سواء كانت عامة أو خاصة. ألمح بالتحديد إلى علاقتها ببنى السوق وبنيانه، في أفق "تحريرها" من وضعية هيمنة قائمة، والعودة بها إلى الطبيعة الأصل للسوق، حيث سمو المنافسة وسيادة قواعد في اللعب محددة ومتوافق بشأنها.

ومع ذلك، فالمقام يستوجب هنا التمييز بين التحرير وبين الخوصصة. فخوصصة قطاع ما لا تعني تلقائيا تحرير السوق من سلوك الفاعل. هذا مستوى وذاك مستوى آخر. إذ انتقال الملكية من العام إلى الخاص أو العكس، يطال ملكية رأس المال فقط، فيما قد يبقى السلوك الاحتكاري قائما، وقد يشتد. تنتقل الملكية من يد إلى يد، فينتقل الاحتكار هو الآخر من يد إلى يد، فيبقى السلوك بالسوق هو هو، لا يتغير...لا بل وقد يتغير للأسوأ.

وعليه، فطالما لا تستتبع العملية بفتح للسوق واسع أمام المنافسة، فإن تحويل الملكية لا يمكن أن يكون من تداعياته تحسين في جودة السلع والخدمات، فما بالك تراجع للأسعار المعروضة، بل قل المفروضة، على المستهلكين.

لنقف هنا عند نموذجين اثنين بالمغرب، لتتضح صورة الطرح أكثر:

°- النموذج الأول ويتعلق بقطاع الاتصالات. وهو حالة مثلى لقطاع تم تحويل ملكيته العامة لفائدة فاعل خاص، فرنسي أولا، ثم إماراتي فيما بعد. لم يترتب عن عملية الخوصصة هاته تحسن في مستويات الخدمة المقدمة، ولا تراجع في الأسعار كبير، بدليل أن أسعار الاشتراك في الهاتف الثابت مثلا، لم تتراجع بالمرة، مع أنها إحدى المداخل الأساسية للارتباط بالإنترنيت من لدن الأسر والمقاولات. ثم إن الاشتراك بالبلدان المتقدمة أضحى مجانا، ما دام أن الاستثمارات الأولية لوضع الشبكة قد استرجعت، فيما لا نزال بالمغرب نؤدي اشتراكات على شبكة تم استرجاع تكاليف إقامتها منذ أمد بعيد. هذا سلوك احتكاري، لم يؤثر في مضامينه بالسوق، اننقال الملكية من الدولة للقطاع الخاص، إذ لا تزال اتصالات المغرب تمارسه جهارا نهارا على الهاتف الثابت.

ثم حتى لو سلمنا بولوج سوق الاتصالات لفاعلين اثنين جدد، تم تبرير الترخيص لهما ب"الحاجة إلى المنافسة"، فإن ذلك قد تحول بالتدريج وبمرور الزمن، إلى تواطؤ مضمر ومن الباطن، بين الفاعلين الثلاثة، لتقاسم السوق (سوق الهاتف النقال والإنترنيت تحديدا) وللحيلولة دون أن يلحق أحدهم الضرر بالآخر. حتى وضعية المنافسة الاحتكارية بينهم أضحت مستبعدة، في ظل تقاسم لحصص السوق، يتداخل بصلبه التجاري بالأمني، بالسياسي، بما هو من نطاق الريع الخالص.

°- النموذج الثاني: نموذج "سوق المحروقات". لم يكن سوق المحروقات بالمغرب يوما حكرا على فاعل واحد، بل كان منذ البدء، بجانب التوزيع بالخصوص، من نطاق المنافسة. بيد أن السلطات العمومية عمدت منذ أمد بعيد إلى تقنين أسعاره، وتحمل جزء من تكلفته عند البيع، مخافة أن تنعكس التكلفة العالية، في حال عدم التدخل، على القدرة الشرائية للناس أو تؤثر سلبا على مدخلات الإنتاج لدى المقاولات.

عندما قررت السلطات العمومية سحب الدعم المقدم لشركات المحروقات، فهي لم تعمد إلى تحرير السوق، لأنه كان بالأصل محررا، بل عمدت إلى رفع يدها عنه فقط، وترك أمر تحديد السعر عند البيع، لمنطوق العرض والطلب، أي لمنطوق المنافسة.

وبما أن السلطات إياها لم تضع للمنافسة "الجديدة" متاريس وآليات في الرقابة، فإن الوضع القائم لم يعمل إلا على تقوية المتواجد بالسوق، وفسح المجال أمامه لتحديد السعر الذي يرتضيه أو "يتوافق" بخصوصه مع بعض "المنافسين" من حوله أو على هامشه.

لقد بتنا اليوم بإزاء قطاع في المحروقات لا هو خاضع للمنافسة بالسوق، حتى وإن كانت بها علل المنافسة الاحتكارية، ولا هو خاضع لآليات رقابة، يكون من شأنها كبح جموح المحتكر المهيمن نحو تعظيم الأرباح لفائدته، وتوزيع التكاليف على عامة المستهلكين.

يبدو الأمر، على الأقل بحالة الاتصالات وحالة المحروقات بالمغرب، ألا أثر لمنطق السوق بالمرة...وهل ثمة سوق حقا بالمغرب، حتى نبحث له عن منطق، فما بالك عن معنى ما؟

 30 ماي 2022

يمكنكم مشاركة هذا المقال