تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الفصل السادس عشر من كتاب "مائة كتاب في كتاب": "في العولمة والتكنولوجيا والثقافة"

news-details

الفصل السادس عشر من كتاب "مائة كتاب في كتاب": "في العولمة والتكنولوجيا والثقافة"

الكتاب : في العولمة والتكنولوجيا والثقافة

تأليف : يحيى اليحياوي

الناشر : دار الطليعة بيروت، الطبعة الأولى، 2002.

إن جدلية العلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا جدلية مهمة في وقتنا الراهن، تستدعي البحث والدراسة والمحاورة والسجال، وهي لا تخلو من فضول معرفي واستمتاع جمالي بظاهرة أضحت الظاهرة الأعظم والأهم في عالمنا المعاصر بالترابط مع سيادة مفاهيم العولمة.

والكتاب الذي بين يديننا يناقش هذه الجدلية، بمقاربة المسألة الثقافية على ضوء الطفرة التكنولوجيا المذهلة التي شهدها قطاع الإعلام والاتصال في العقود الأخيرة، وفي غمرة العولمة التي تؤثر أول ما تؤثر في الإشكالية الثقافية. فحركية العولمة والتكنولوجيا غالبا ما تضع على المحك المسألة الثقافية بما هي مكمن الهوية والخصوصية، ورافد من روافد العلاقات بين الشمال والجنوب.

المحددات الكامنة وراء بروز ظاهرة العولمة

 لكي يتم التنقيب في المحددات الكامنة وراء بروز ظاهرة العولمة، يرى المؤلف ضرورة الوقوف عند مستويين:

المستوى الأول: ويتعلق بالعوامل المرتبطة جوهرياً بالطلب، ومعنى ذلك أن الطلب لم يعد محصوراً في الزمان والمكان، بقدر ما بدأ يخضع هو الآخر لظاهرة العولمة، فالأسواق، كما يقول " بتريلا "، تتعولم بدورها، بمعنى أنها تتسم بميزات متشابهة كيفما كان البلد، ولكن تدويل الأسواق لا يعني توحيد الطلب، خاصة وأن عدم الاستقرار النقدي والمالي وكذلك الحواجز الجمركية، يحولان دون الحديث عن  "سوق عالمي موحد"، وبعبارة أخرى أن عولمة الأسواق إنما تتم على المدى الطويل وفق مجموعة من التوجيهات أهمها الميل النسبي باتجاه توحيد الطلب والعلاقة المتزايدة بين بيع السلعة وتوفير الخدمة، وكذلك الأهمية القصوى للمعايير والمقاييس.

وعلى الرغم من ذلك، فإن ظاهرة عولمة الأسواق (أو عولمة الطلب) تجد جزءاً من محدوديتها في أمرين اثنين على الأقل:

الأمر الأول: ويرتبط أساسا بصمود مفهوم الأسواق الوطنية والطلب الوطني على الرغم من " طغيان " العالمي.

والأمر الثاني: ويتمثل في واقع التجزئة التي مازال يعيشه الاقتصاد العالمي، بحكم عدم الاستقرار القطري واستمرار الحواجز الجمركية وتزايد النعرات الحمائية، وما إلى ذلك.

 وهذان الأمران المشار إليهما لا تنفيهما العولمة، ولا تعمل على نفيهما طالما أن هذه الأخيرة ليست مرادفة لنهاية السوق الوطنية، بل أخذ هذه الأسواق بعين الاعتبار من طرف مؤسسات تعمل انطلاقاً من قواعد عالمية، ولأسواق تتعولم تدريجياً.

المستوى الثاني: ويحيل مبدئيا على العرض، وبالتحديد على مسألتين: مسألة البحث والتطوير، ومسألة تنظيم المؤسسات الإنتاجية. فالعولمة لم تزد المؤسسات الإنتاجية إلا تشبثا بالبحث والتطوير، لا سيما وأن الابتكار أضحى أحد سبل تنافسية هذه المؤسسات وسراً من أسرار تميزها وإشعاعها.

كيف نواجه الغزو الثقافي ؟

يرى المؤلف أن مواجهة الغزو أو الاختراق الثقافي، لا تكون في مواجهة الآخر (الدول والشركات متعددة الجنسيات ومثقفيها) فحسب، بل تكون أيضا وبالخصوص في فضح ممارسات الصفوة الحاكمة ونخبها المثقفة.

 فمواجهة الهجمة القادمة من الخارج لا يمكن أن تمر عبر إغلاق الأبواب أمام العلم والمعرفة والتكنولوجيا، إذ إن الانغلاق موقف سلبي غير فاعل، لأن فعله " الموجه" ضد الاختراق الثقافي أي محاربته لا ينال من الاختراق ولا يمسه ولا يفعل فيه، بل فعله موجه كله إلى الذات بقصد " تحصينها ". والتحصين إنما يكون مفيداً عندما يكون المتحاربان على نسبة معقولة من تكافؤ القوى والقدرات، أما عندما يتعلق الأمر بظاهرة عالمية تدخل جميع البيوت وتفعل فعلها بالإغراء والعدوى والحاجة، ويفرضها أصحابها فرضاً بتخطيط وإستراتيجية، فإن الانغلاق في هذه الحالة ينقلب إلى موت بطيء قد تتخلله بطولات مدهشة، ولكن صاحبه محكوم عليه بالإخفاق.

ومواجهة الظاهرة نفسها يجب أن تمر عبر مواجهة خطاب "النخب التابعة"، المتبنية لأطروحة وجود حضارة عالمية واحدة وثقافة عالمية واحدة يستحيل العمل خارجها أو التفكير بغير منطلقها.

كما أن مواجهة الغزو الثقافي تتمثل إلى جانب كل هذا وذاك، في ضرورة وضع ما يسميه الجابري "إستراتيجية ثقافية في مستوى العصر"، قادرة على مواجهة الاختراق الثقافي مواجهة فعالة، وعلى تجاوز الانشطار الثقافي في الواقع العربي الراهن، نحو نوع من النهضة الثقافية يكون محركها التجديد "من الداخل"، وتركز على التنمية الاقتصادية المستقلة والديمقراطية المقدسة لحرية الفكر، وتخليص الثقافة من ممارسات السياسة وعبث الأيديولوجيا. وهي الإستراتيجية الكفيلة في اعتقادنا (المؤلف) بضمان المحافظة على الهوية والخصوصية والقادرة على مسايرة العصر والفعل فيه والتفاعل معه.

أي نظام عربي للإعلام والاتصال في القرن الحادي والعشرين ؟

الحقيقة أن التساؤل عن مستقبل الإعلام والاتصال في العالم العربي، يبدو لنا أقرب إلى الموضوعية والواقعية من التساؤل عن "نظام" عربي جديد للإعلام والاتصال. إننا نتساءل عن "نظام الإعلام العربي" الراهن من باب التساؤل عما يميز وما سيميز النظام العربي ك"نظام إقليمي"، وما يجب أن يميزه، وذلك من خلال نقطتين أساسيتين:

النقطة الأولى: وتسائل مستقبل "النظام العربي"، على ضوء استمرارية المتغيرات الحالية أو عدم استمراريتها: تساؤل الممكن.

النقطة الثانية: وتسائل هذا المستقبل عما يجب أن يكون هذا النظام في وجود هذه المتغيرات أو في غيابها: تساؤل الواجب.

إن استشراف مستقبل "نظام" الإعلام والاتصال في العالم العربي على ضوء الثورة التكنولوجية الراهنة، هو استشراف الممكنات نظراً لطابعها المرجعي واقتحامها لكل ضروب الحياة والمجتمع، واستشراف الانعكاسات بحكم تسارع وتيرتها وعمومية عدواها.

وتسائل هذه الثورة في ممكناتها وانعكاساتها، نظام الإعلام والاتصال في العالم العربي على أكثر من مستوى وأكثر من واجهة:

الواجهة الأولى: وتتعلق بتحطيم هذه الثورة لكل الاعتبارات المفاهيمية السائدة والمقاييس التقليدية التي وظفها علماء الاقتصاد والاجتماع والسياسة في تفسيرهم لظواهر الإنتاج والاستهلاك والسلطة وغيرها، وهو ما يتطلب خلق مفاهيم ومقاييس جديدة، أو على الأقل "تحريك" البنية التركيبية للمفاهيم والمقاييس المتآكلة بتآكل الواقع الذي برزت وشاعت في ظله. فلم تعد الأدوار الجديدة للإعلام والاتصال تشغل موقع المركز في شبكة الإنتاج فحسب، بل بدأت تشغل موقع القلب في إستراتيجية إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين، وبين القوى المحلية والعالمية، وبين المنتجين والمستهلكين، وبين العمال والمديرين، وبين الخبراء والمنفذين. ومعنى ذلك أن "النظام" الإعلامي العربي السائد لن يستطيع مسايرة التحولات التكنولوجية الحالية أو المقبلة ما لم يؤمن ويكرس هذه الأدوار ويمأسسها على مستوى الممارسة.

الواجهة الثانية: وتتمثل في الانتقال المتسارع لظاهرتي الصراع والمنافسة من ميدان الموارد والقوى العضلية ورأس المال المادي.... إلى ميدان العلم والتكنولوجيا والمقدرات الذهنية ورأس المال المعرفي.

إن المتغيرات الكبرى الراهنة ستدفع -لا محالة - وفي وقت ليس ببعيد، بإمكانية التكتل بالنسبة للعالم العربي وهذا ما سيكون - في نظر المؤلف - البداية لقيام نظام عربي للإعلام والاتصال: فلا نظام إعلامي عربي بدون نظام عربي، والنظام العربي هذا لن يتكرس إلا في إطار المبادئ الديمقراطية واحترام قيم حقوق الإنسان. كما أن النظام الإعلامي العربي لا يمكن له أن يقوم إلا في ظل الاعتراف بالحق في الاتصال والحق في التعبير والحق في مراقبة المحكوم للحاكم، وهذه المبادئ والقيم - وإن كان للسلطة الحاكمة أن تتبناها نصاً وقانوناً - إلا أنه على المجتمع المدني أن يرسخها فعلاً وممارسة، وهو ما لا يمكن استبعاده على المدى القصير (المؤلف). 

من هنا، ففي الوارد التمييز بين سيناريوهين اثنين ممكنين على المدى القصير:

السيناريو الأول: ويرتبط بإبقاء الأمور على ما هي عليه، والعلاقات الدولية على حالها.

السيناريو الثاني: ويتمثل في حدوث بعض التغيرات على مستوى الشكل، لا فيما يخص العلاقات الدولية فحسب، ولكن على مستوى الأقطار العربية أيضاً.

بقي سيناريو التغيير وهو ما أسميناه بسيناريو "الواجب عمله".  والواجب في  "النظام  العربي"  ضرورة انطلاقه من الوعي بتحديات العصر وتكنولوجيا العصر، من ضخامة رهانات وتحديات القرن الحالي الذي نحن في بدايته.

إن إستراتيجية التغيير التكنولوجي تبدأ في اعتقاد المؤلف، من تفعيل الهياكل العربية المشتركة وخلق هياكل أخرى، ومن تكوين القدرات البشرية تكوينا عاليا، والعمل على استقطاب الأدمغة والعقول المهاجرة.

وإستراتيجية التغيير تتطلب أيضا تبني برامج ومشاريع عربية مشتركة على ضوء ميزانيات البحث والتطوير المرتفعة وصعوبة ضمان نتائجها، لا سيما وإن هذه الميزانيات غالبا ما لا تتأثر في الدول الكبرى، بظروف الأزمات الاقتصادية أو سياسات التقشف المتبعة. وهو رد على الذين يتبنون سياسات التقشف وتهميش البحث العلمي.

وإستراتيجية التغيير تتطلب، فضلا عن كل هذا وذاك، تبني النخب الحاكمة لها، لا على مستوى الطرح فحسب، ولكن على مستوى الإيمان بحتميتها واستحالة الفعل خارجها أو في غيابها أيضاً، ومعنى هذا، حس المؤلف، أن إستراتيجية التغيير هي الوحيدة الكفيلة بدخول العالم العربي القرن الجديد.

نقل التكنولوجيا: نقل تكنولوجيا الإعلام والاتصال نموذجا

إن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تمثل جهاز المعارف الذي من شأنه أن يطور الأساليب الضرورية للتحكم في مصادر الإعلام إنتاجاً واستغلالا وتخزينا وإرسالا. فهي تكون مركب المعرفة التقنية والعلمية الأساسية لإنتاج الوسائل ( أدوات / آلات) وأنظمة الضبط والنقل والتخزين والاستغلال، وإعادة تكوين الصوت والنص والمعلومات الرقمية والصور. وهي بهذا تميز بين الوسائل التقنية المستخدمة كالهاتف مثلا، وبين النظام التكنولوجي، لكون الهاتف يعمل وفق معايير نظام شبكي متراص ومتداخل. وبالتالي فهي تميز بين العملية التقنية ( ضبط، إرسال، تخزين، استغلال واستعادة ) وبين النظام المعتمد ( أقمار صناعية، ورادارات وكوابل ومبدلات وبطاقات ذاكرة وأنظمة معلوماتية وتلفزة عالية الدقة وبنوك معطيات... الخ... ) .

إن الخطاب المكرس لنقل التكنولوجيا بقدر ما يحرص على عدم التمييز بين التقنية والتكنولوجيا في إطار النظام العمودي، بقدر ما يكرسها شكلا ومضمونا في علاقات الأقطاب الصناعية بدول العالم الثالث، وبقدر ما ينظر إليها أيضا ويغلفها بغلاف  "مؤدلج " يمكن محورته حول أربع أطروحات مركزية:

الأطروحة الأولى: وتتمثل في "الطابع الشمولي" لتكنولوجيا الإعلام والاتصال على ضوء إمكانية توصيلها معظم نقاط الأرض بعضها ببعض، عن طريق شبكات الاتصال والأقمار الاصطناعية وببنوك المعطيات والبث التلفزي.. الخ.

الأطروحة الثانية: وتتجلى في "الطابع الحيادي" لهذه التكنولوجيا، بحكم قدرتها على التكيف مع الخصوصيات المحلية، واعتقادها بأن لا حاجز يحول دون توطينها والاستفادة من مزاياها.

الأطروحة الثالثة: وتكمن في مساهمة هذه التكنولوجيا في ترسيخ الاستقلال وشيوع قيم الديمقراطية مادامت (هذه التكنولوجيا ) قد رسختهما في الدول المتقدمة، وعملت على مأسسة مبدأي "الإعلام والاتصال"  و" السلطة الرابعة".

الأطروحة الرابعة: وتتعلق بدور تكنولوجيا الإعلام والاتصال في تعميق التفاهم والسلم على المستوى الدولي، عبر تقليص الهوة التكنولوجية بين الدول المتقدمة ودول العالم الثالث... إلخ.

 هذه الأطروحات الأربع هي التي مأسست وبررت الخطاب المكرس ل" نقل" تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وهي أطروحات أظهرت وقائع الممارسة محدوديتها، إذ لا يمكن الكلام عن شمولية هذه التكنولوجيا في الوقت الذي نجد فيه دولا فقيرة ما زالت فيها قيم الاتصال التقليدية طاغية، واعتبارات التواصل المباشرة مفضلة...

ضمن كتاب "مائة كتاب في كتاب"

حواس محمود، دار أوراق للنشر والتوزيع القاهرة / مصر 2021.

يمكنكم مشاركة هذا المقال